إفتاء الوزراء خارج أسوار مهامهم.قضية أعيــــــــــــــــــت مـــــن يــــداويـــــــــها

الخرطوم : محمد آدم

ظلت وزارة الخارجية طيلة الفترة الماضية تعاني من تغول المسؤولين الذين ارتدوا ثوبها وتحدثوا نيابة عن وزير الخارجية ، وتقمص العديد من الوزراء شخصية بروفيسر ابراهيم غندور للافتاء حول ملفات العلاقات الخارجية عبر المنابر المختلفة، وآخرهم وزير الاستثمارمبارك الفاضل، وسبقه وزير الإعلام ومدير جهاز المغتربين والمقرر الخاص للمجلس الاستشاري لحقوق الانسان في تبني مواقف ومطالبات كان الاولى بها وزارة الخارجية وليس وزاراتهم غير المعنية بذلك مما احدث نوعا من الربكة والتضارب في الخطاب الإعلامي الرسمي وتقاطعات في مهام الوزارات والمؤسسات الحكومية.

ردود أفعال واسعة
أثارت الدعوة التي أطلقها وزير الاستثمار،نائب رئيس مجلس الوزراء مبارك الفاضل بشأن تأييده للتطبيع مع إسرائيل التي ظل يرفضها تيار عريض في البلاد في مقدمته الحكومة نفسها باعتبارها تضر بمصالح الأمة الإسلامية،بيد أن الفاضل لم يقف عند محطة التأييد فحسب بل ذهب لأبعد من ذلك واعتبر أن القضية الفلسطينية أضرت بالعالم العربي ،وقال الفاضل لدى حديثه في صالون برنامج «حال البلد» الذي بثته قناة «سودانية 24» مساء الأحد الماضي ، انه ينظر للتطبيع مع إسرائيل بتحقيق مصالح السودان،وتابع «لا توجد مشكلة في التطبيع، والفلسطينيون طبّعوا مع إسرائيل حتى حركة حماس»، مشيراً إلى أن التعامل مع القضية الفلسطينية يتم بالعاطفة، وبرر بضرورة أن تبحث أي دولة عن مصالحها، وفاخر بتجربة إسرائيل في تطوير زراعة الحمضيات في مصر، وباهى بأنها دولة بها نظام ديمقراطي فيه شفافية وتتم فيها محاكمة المسؤولين وزجهم في السجون، بالمقابل وجدت حديث وزير الاستثمار بقبول واسع داخل كبينة الحكومة الإسرائيلية، بينما احتفت الصحف الرسمية بتصريحات الوزير السوداني مما جعل وزير الاتصالات الإسرائيلي «أيوب قرا » يتقدم بدعوة عبر تغريدة أطلقها على حسابه بموقع التواصل «توتير»لمبارك الفاضل لزيارة تل أبيب لدفع عملية سياسية في المنطقة «،ولكن لهيئة علماء السودان رأي مغاير وأعلنت بطلان الدعوة نسبة لتعارضها مع ثوابت الأمة الإسلامية ومؤتمر اللاءات الثلاث الذي انعقد في الخرطوم من العام 1967م وخرج باللاءات الثلاث « لا تفاوض ولا صلح ولا اعتراف بإسرائيل « بينما استهجنت حركة المقاومة الإسلامية «حماس» تصريحات وزير الاستثمار مبارك الفاضل واعتبرتها غريبة عن قيم ومبادئ وأصالة الشعب السوداني ووصفتها بالتصريحات الخارجة عن أعراف الأمة العربية والإسلامية لكونها أتت من عائلة المهدي المجاهدة «.
الحكومة …«استعدال»
سارعت الحكومة بنفي تصريحات الوزير لجهة أنها لا تمثل موقف الحكومة الرسمي والثابت تجاه دولة إسرائيل بقدر ما هي تعبر عن رأي وموقف الوزير الخاص .
وقال الناطق الرسمي باسم الحكومة وزير الإعلام أحمد بلال بان دعوة التطبيع لا تمثل الحكومة في شئ بقدر ما هي تعبر عن موقفه ورأيه الخاص ،بالمقابل لم يبدر من الوزير أي تعقيب حول قبوله للدعوة المقدمة له من وزير الاتصالات الإسرائيلي بزيارة مبارك لـ»تل أبيب» .
مبارك الفاضل لم يكن الوحيد الذي تغول على منبر وزارة الخارجية ليفتي حول ملف العلاقات الخارجية بل سبقه آخرون في اجتياز سور الخارجية القصير الذي تمكن العديد من الوزراء تجاوزوه وظهروا عبر نافذة الوزارة المعنية بملف علاقات البلاد الخارجية ،فمن من بين تلك الاسماء وزير الإعلام والناطق الرسمي باسم الحكومة د.أحمد بلال عثمان الذي ظل محل جدل حيث ان الرجل سقط في العديد من الاخطاء وفق تصريحات ادلى بها في شأن داخلي وخارجي منها حديثه عن ان رئيس الجمهورية المشير البشير كان مسافراً الي دولة عربية وجاءت زيارة الرئيس متزامنة مع تشريفه لمنشط سياسي بالخرطوم، فسرعان ما اعتذر البشير بينما صرح بلال وقتها بان الرئيس قد ارجأ زيارته المقررة للخارج لجهة انه مريض، ولكن الرئيس قد غادر البلاد في فجر ذات اليوم مما ادخل الرجل في حرج باعتباره ناطقاً باسم الحكومة، ولكنه غير متابع لما يدور داخل ردهات الحكومة ،وتكررت ذات التصريحات عندما كان وزير الإعلام مشاركاً في قمة وزراء الإعلام العرب بالعاصمة المصرية القاهرة وانتقد خلالها سد النهضة وتطرق لملف مياه النيل، وشن هجوما لاذعا علي قناة الجزيرة، فاعتذر بلال بعد مساءلة لجنة برلمانية له، وحديث بلال من اختصاص وزارة الخارجية ووزارة الكهرباء والموارد المائية، لان الملف تتم مناقشته عبر وزراء خارجية السودان – مصر – اثيوبيا » ،سرعان ما لحق به رئيس المجلس الاستشاري لحقوق الانسان مولانا ياسر سيد أحمد في مضمار سباق التصريحات عقب مطالبته في احد المنابر التي نظمها المركز السوداني للخدمات الصحفية ،الولايات المتحدة بتعويض السودان بسبب ما لحق به من ضرر، فطلب التعويض جاء علي لسان المقرر الخاص للمجلس مولانا ياسر سيد أحمد، في هذه النقطة نجد ان سيد أحمد قد لبس عباءة وزارة الخارجية لمطالبته بالتعويض لان أمر المطالبة يعود لوزارة الخارجية وفق الأعراف الدبلوماسية بإعتبارها الجهة السيادية التي تمثل لسان حال البلاد خارجياً ومنافحة عنه في كافة المحافل الدولية ،ولكن لم يتوقف سباق التصريحات عند المجلس الاستشاري بل استمر وهذه المرة في محطة جهاز المغتربين،حيث دفع مدير جهاز شؤون السودانيين العاملين بالخارج «المغتربين» ،كرار التهامي بتصريحات وجدت ردود أفعال شعبية واسعة ،حينما استبق التهامي بتصريحاته العودة المتوقعة لأعداد كبيرة من السودانيين العاملين بالمملكة السعودية وأسرهم، وقال فيها: «إن الحكومة لا تتحمل مسؤولية ارتفاع عدد المهاجرين السودانيين، وإن الدولة ليست مؤسسة خيرية ملزمة بتوفير العمل لكل المواطنين» فمثل هذه التصريحات تزرع اليأس في نفوس العائدين وتتناقض مع شعار الحملة «وطن بلا مخالف»،فالرجل كان يمكنه ان ينتظر حتي يعودوا ثم يطلق تلك التصريحات غير الموفقة ومسؤولية التوظيف هي من صميم الخدمة المدنية ممثلة في مفوضية الاختيار للخدمة المدنية ، ولكن كرار نصب نفسه مسؤولاً عن الدولة وناطقاً باسمها ومفتيا بوضعها المالي.
على طاولة التشريح
ثمة اسباب جمة تحوم حول تضارب الخطاب الإعلامي الرسمي طيلة الفترة الماضية ويأتي في مقدمتها حسب ما يراه المحلل السياسي بروفيسر الطيب زين العابدين بانه يتمثل في غياب المؤسسية في الدولة بجانب عدم المحاسبة والحصانات الزائدة الممنوحة للدستوريين التي تمنع احالتهم للمحاكمة والمحاسبة .
واسترسل زين العابدين في حديثه لـ«الصحافة» بانه باحدى الولايات سبق ان هددت الولايات المتحدة للمرة الاخيرة لعدم التدخل في قضايا بالبلاد مما يشير الى وجود عشوائية كبيرة في الخطاب الرسمي، وعزا ذلك لانشغال الحكومة بمتابعة سير اداء المؤسسات وعدم اتخاذ اي قرارات تجاه المسؤولين الذين لم يستجيبوا لاستدعاءات البرلمان نسبة للحصانة الزائدة التي حالت دون مساءلتهم.
وابان زين العابدين بان وزير الخارجية الاسبق علي كرتي اشتكى من تغول بعض الوزارات على مهام وزارة الخارجية، فظل هذا التغول مستمرا خاصة عقب ذهاب مدير مكاتب الرئيس الاسبق الفريق طه عثمان لتمثيل السودان في القمة الاسلامية الامريكية بالعاصمة السعودية الرياض، فكان من الافضل ان يذهب النائب الاول او وزير الخارجية .
ولفت عابدين ان ذهاب رئيس البرلمان للولايات المتحدة لاصلاح العلاقات مع امريكا ليست مهامه مما يشير لعدم وجود تنسيق بين الجهات فضلا عن غياب للمحاسبة والمؤسسية الرسمية للدولة التي وصفها بالفوضى .
واتفق استاذ الإعلام بالجامعات السودانية علم الدين حامد الذي تحدث لـ«الصحافة» مع البروفيسر الطيب زين العابدين في وجود ربكة و»جوطة « في الخطاب الرسمي من خلال تضارب تصريحات الوزراء وتغولهم على مهام بعضهم حيث ينظر كل وزير للملفات بانها تخص وزارته لذلك يظهر في وسائل الإعلام للحديث عنها دون استصحاب الجهة المختصة بالمهام. وارجع الطرفان الامر لغياب المساءلة والمحاسبة من قبل الدولة للمسؤولين.
أولوية التوحيد
في هذا الاتجاه رأى استاذ الإعلام علم الدين حامد بضرورة توحيد الخطاب الإعلامي وان تلتفت الدولة لاولوية توحيد الخطاب لدى الوزراء وذلك بارجاع اي مهام لجهات المختصة دون الافتاء فيها دون علم الامر الذي يخلف وراءه تصريحات ارتجالية، الامر الذي يجعل المتلقي في حيرة من امره بين تصديق من وتكذيب من .
وشدد حامد خلال حديثه لـ«الصحافة » ،علي ضرورة تخصيص ناطق رسمي لكل ملف حتى يتسنى له الحديث عن اي ملف كمتخصص دون تدخل الجهات الاخرى غير المخول لها الافتاء او التعليق حول تلك المهام واغلاق الباب امام اي مسؤول لتقمص دور نظيره في الوزارة الاخرى ويفتي في ما لا يعنيه.
مطالبة بالمحاسبة
بالمقابل طالب زين العابدين بضرورة تفعيل بند المحاسبة للمسؤولين ورفع الحصانة الزائدة التي ظلت تعيق المسار القانوني .
وطالب بمحاسبة وزير الاستثمار مبارك الفاضل تجاه تصريحاته الاخيرة بيد انه ابدى اسفه لجهة ان الامر يصعب انفاذه لان الحكومة تعتبر مبارك الفاضل كسبا سياسيا تغفر له خطاياه المقدمة والمؤخرة.
واشار بان هناك دولا تحاسب المسؤولين ولو كان رئيس الوزراء نفسه وتحيله للمحكمة في حال تورطه في أي موقف او تهمة.
حكمة كاشا
موقف والي النيل الابيض عبد الحميد موسى كاشا تجاه قضية طلاب جامعة بخت الرضا من ابناء دارفور الذين دفعوا باستقالاتهم مؤخراً وجد ترحيبا واسعا سرعان ما سارع كاشا بالجلوس مع ادارة الجامعة لتقصي اسباب الاستقالات والسعي الى تجاوز تلك الأزمة دون أن يتدخل أو يفرض سلطاته كوالي ولكنه فضل البحث عن حلول مع ادارة بخت الرضا ، وقال ان القرار الاخير يعود لوزارة التعليم العالي، فالرجل لم يتغول علي صلاحيات الوزارة رغم وقوع الجامعة في ولايته وتحت سلطانه، بيد انه ارجع الامور لجهات الاختصاص، فالموقف وجد استحسان كثيرين، فموقف الوالي كان جديرا بالاحترام لانه لم يخطف المايكرفون ويتحدث باسم منبر غيره من الوزراءأو المسؤولين، فهذا الموقف يجب ان تسلكه الدولة لتفادي التضارب في عملية توحيد الخطاب الرسمي.