المأثورات الشفاهية بمنتدى التراث واللغات السودانية: وزير الدولة بالثقافة مصطفى تيراب : المجتمع السوداني يزخر بالحِكَمْ والأمثال الشعبية المُعَبِرة

الأستاذ إبراهيم إسحق : الوثوقيّة في المجالين الشفهي والمكتوب لا تتم إلّا مِن خلال تغليب المبدأ الذي يُقرّه المؤرِّخون العرب

أم درمان : حسن موسى
عَبَّر وزير الدولة بوزارة الثقافة الإتحادية الأستاذ مصطفى تيراب عن سعادته بالدور الكبير والهادف الذي يقوم به المجلس القومي للتراث الثقافي وتطوير اللغات ، وقال لدي مخاطبته ندوة « المأثورات الشفاهية كمصدر من مصادر كتابة التاريخ « التي عقدت بمنتدي مركز التراث واللغات السودانية: إن المجتمع السوداني يزخر بالحِكَمْ والأمثال الشعبية المُعَبِرة ، لافتاً إلى إنها جزء من تاريخ السودان الطويل ، داعياً في نهاية حديثه إلى الإهتمام باللغات واللهجات المحلية في السودان .
تجربة في جمع التراث الشفهي
وفي السياق ذاته قال الأستاذ إبراهيم إسحق في الندوة حول:» هجرات الهلاليين» انها تجربة تعتبر ثرة في جمع وإستخدام التراث الشفهي « ان المجتمعات الأميّة وشبه الأميّة تعتمد على الأشخاص المشهود لهم في مجتمعهم بمعرفة الماضي الخاص بتلك الجماعة، عند الحاجة للحديث عن تاريخهِم.. ومخزون هؤلاء مِن معرفة الماضي الخاص بجماعتهم وعلائقها بسواها يُنقَل شفاهةً مِن جيل إلى جيل.. وقد لا تكترث الجماعة إلّا لتدوين الأنساب والمواثيق ومكتوبات الملوك إليهم.. لهذا السبب، يُنسَب إلى الفولكلوري المؤرِّخ يان فان سينا قوله بأنّ وفاة راوية كبير في السن لدى هذه المجتمعات تتساوى مع احتراق مكتبة كاملة في المجتمع المُتحضِّر.
طلاب الفولكلور، وهو التراث الشعبي أو المأثورات الشعبية، يتأهلّون أكاديميّاً على التعامل مع المادة الشفهية، جمعاً واستخداماً عِلميّاً.. ويستطيع الهواة الاستفادة مِن كُتُب الدلائل مثل: «جمع المأثورات الشفهيّة» لسعد عبد الله الصويان، الأكاديمي السعودي، وقد نَشَرهُ مركز التراث الشعبي لدول الخليج بالدوحة في 1985 ، كما انّ لدينا كتاب «المرشد لجمع الأدب الشعبي» للفولكلوري السوداني الصادق محمد سليمان، وقد طُبِع لمرّتين: 1987 و2015 بوزارة الثقافة المركزيّة في الخرطوم..
أجاز مجلس الأساتذة بمعهد الدراسات الافريقية والآسيوية عام 1979 مُقتَرَحِي لإعداد رسالة الماجستير بعنوان «السيرة الهلالية في دارفور»، تحت إشراف أستاذنا سيد حامد حريز.. وقد تسلّمتُ جهاز التسجيل ومصروفات العمل الميداني وركبتُ الطائرة إلى الفاشر في بداية يونيو 1979.. كان عليَّ أن أُقرِّر بشأن مُعاوِنيَّ، وبشأن المناطق والقبائل حيث أستهدفُ جمع مادّتي.. حصلتُ على معاونين مِن أقربائي، وعلى خطاب مِن قيادة القوّات المسلحّة إلى حاميتهم بنيالا، لتسهيل مهمّتي.. استغرق التجوال شهرين، توزّعا على أربع رحلات: أوّلاً، الفاشر- نيالا – عِدّ الغنم – رِهيد البردي ونورلي.. ثانياً، نيالا – الضعين.. ثالثاً، نيالا – شنقل طوباي – الفاشر – كُتُم.. ورابعاً، الفاشر – ملّيط..
كان الإنتقاء مبنيّاً على جمع الإفادات مِن رواة كبار السن مُقدَّمين على أقرانهم في شأن التواريخ القبليّة والإقليميّة.. ويشمل المجال: جنوب دارفور، وشماله، ووسطه، والجزء الشرقي مِن تشاد.. وقد غطّى جمعُنا مِن رجال القبائل: بني حسين، الهبّانيّة، الطريفيّة، الداجو، بني هلبا، التعايشة، البرنو، الصليحاب، الرزيقات الشماليّة والجنوبيّة، المعاليا، الزياديّة، والتُنجُر.. ولم نجمع مِمّن هو دون الخمسين مِن رواتنا الذين يتجاوزن السبعة والعشرين، إلّا لرجلين.. كما أننا لم نجمع مادّة مِن امرأة، لخصوصيّة الرجال بهذا الشأن في مجتمعاتهم.. ولم نمكث في موقع أكثر مِن 72 ساعة..
بالطبع طبّقنا المنهج العِلمي في جمع المادّة: الشفهية مِنها والكتابية.. خاصّةً تجنُّب الأسئلة الإيحائيّة.. ورفضنا اعتماد رواة مشهورين في الإقليم اختلطتْ معلوماتهم السماعيّة بما قرأوا في الكتب.. ولم نُقاطِع الاسهابات والتحريفات والعنجهيّات القبليّة حتى لا يفقد الراوية عشمهُ فينا.. كما سجّلنا عينات مِن الأدب الشعبي جاء عابراً في جلساتنا.. وهذه التسجيلات موجودة بحمد الله الآن في الأرشيف الصوتي بمحفوظات معهد الدراسات الافريقية والآسيوية في 15 شريطا كبيرا، وأرقام الشرائط مذكورة في الطبعتين مِن كتاب «هجرات الهلاليين» 1969، الرياض، و2011، الخرطوم.. كما أنّ التفريغ الكتابي مِن نفس الشرائط مُلحَق بمخطوطة الرسالة المحفوظة بمكتبتَي المعهد وبالدراسات العُليا بجامعة الخرطوم..
كنتُ أسأل عن أصول القبيلة وتاريخها، ثمّ عن بني هلال كفروعٍ في هذه القبيلة أو في أحلافها، وأذهب إلى الإستفسار عن مؤسِّسي السلطنة في دارفور، وعمّا إن كانت لهم علاقة بالأعراب.. وكثيراً ما يقود الكلام إلى العلاقة مع القبائل العربية في كردفان..
الذي يقرأ الصفحات السبع عشرة التي يبدأ بها كتاب «هجرات الهلاليين» يجدها تُعنوَن: «توطئة منهجيّة: الرواية الشفهيّة بين مناهج التراثيين الشفهيين والمؤرِّخين التقليديين».. وقد زعمنا فيها بأنّ التاريخ كلّه يبدأ بنقل الأخبار، وهي بحالة المادة الشفهيّة، ثمّ تُستكمَل هذه الأخبار بما هو مكتوب في الوثائق.. والوثوقيّة في المجالين الشفهي والمكتوب جميعهما لا يتم إلّا مِن خلال تغليب المبدأ الذي يُقرّه المؤرِّخون العرب، وهو أنّ الجماعة يستحيل أن تتواطأ على الزيف والباطل..
وبه، فالمادّة المؤتَمنَة، شفهيّة أو مكتوبة، يتم الوصول إليها مِن خلال الموازنة بين كلّ ما بين أيدينا مِن الإفادات.. نرفض المواد المبنيّة على التعصُّب، والمبنيّة على الاسترزاق، ونُبعِد المواد المضروبة بالجهل والغفلة.. ثمّ تقودنا هذه الغربلة إلى استحقاق أيّة معلومة للإدراج في البحث العلمي.. وقد صحّحنا مِن خلال مادّتنا المجموعة مِن التراث الشفهي بعضاً مِن المعلومات الوثائقيّة التي كان الباحثون يركنون إليها بالكُليّة مثل مواد دار الوثائق القوميّة..
تجربة جمع التراث الشفهي للهلاليّة في السودان غرب النيل الأبيض، وتحليله والاستفادة منه، كان مُرتَهناً بتطبيق المنهج العِلمي المعمول به في الأبحاث الإنسانية.. فالوثيقة، وكُتُب التاريخ السابقة، والمعلومات التي جمعها الرحّالة، كلّ هذه تُطرَح أمام الباحث، وإلى جوارها المادّة التي نجمعها مِن الرحلة الميدانيّة.. وإعادة الصياغة للموضوع الذي يتناولهُ الباحث، بعد إخضاع كلّ تلك المواد للموازنة الصارمة، تُمثِّل مَلأً للفراغات التي كانت موجودة سلفاً في رؤيتنا للماضي الاقليمي الذي نُعنَى به..
لا تُغنِي هذه الافادة مِنّا بشأن جمع واستخدام التراث الشفهي في القضيّة الهلاليّة بالسودان، عن مطالعة الكتاب ذاته، لمَن يملك الرغبة.. فالسنوات بين 1984 و1995، حين أجاز مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية بالرياض نشر هذا البحث، كان مُعِيناً لنا على مزيدٍ مِن سدِّ الفراغات.. ومِن ذلك الاستفادة مِن مواد التراث الشفهي المجموع في السعودية مِمّا يخص بني هلال وأحلافهم.. وأهميّة ذلك هو أن يَسِع الكتاب لرؤية بانوراميّة لهجرات الأعراب، خلال القرون الهجريّة، مِن الثالث إلى الثامن، مِن تهامة، عبر نجد، وسيناء، فصعيد مصر، إلى شمال أفريقيا، ثمّ النزول عبر الصحراء الكبرى إلى بلاد السودان..
ونستطيع التأكيد على أنّ معظم المعرفة المجموعة عن هذا التحرُّك الأعرابي، خلال القرون الخمسة المذكورة، كان في أساسهِ مواد شفهيّة، تمّت غربلتها تدريجيّاً، حتى صارت موثوقة.. وقد تكفّلتْ رحلة ميدانية قمنا بها في 1978 إلى قرية الهلالية بالنيل الأزرق، وجمع التراث الشفهي مِن رواتهم الكبار، تكفّلتْ باستبعاد العلاقة بين الهجرات الهلاليّة بغرب النيل الأبيض عن كلّ المزاعم بوجود هجرات هلاليّة مِن المشرق إلى سودان وادي النيل الأوسط.. كما أنّ التحليل الذي أتيناه لنصوص السيرة الهلالية المرويّة في الشمال والوسط مِن سودان وادي النيل يقود بحثنا إلى التأكيد بأنّها انتشارات للقصص عن بني هلال، دخلتْ إلى السودان مِن الجزيرة العربية ومِن مصر، كمواد ترفيهيّة وتعليميّة، دون أن تكون لها صفات الإنتساب السلالي للقبائل الهلالية التي غزَتْ المغرب العربي في القرن الخامس الهجري ثمّ ساحتْ إلى بلاد السودان..
واخيراً، فإنّ أفضل ما تُقدِّمه لنا مواد التراث الشفهي الذي جمعناه عام 1979، كان في التوافق الذي وجدناه بين مسميّات القبائل وفروعها في شمال أفريقيا، ثمّ في تشاد وبالسودان، غربي النيل الأبيض.. وكانت الركيزة الأقوى لوصول الأعراب الهلالية إلى شمال تشاد ودارفور هي الوثيقة التي يُسجّلها المؤرِّخ القلقشندي «تـ 821هـ» في موسوعتهِ «صُبح الأعشى» عن أعيان الأعراب الذين عاثوا فساداً في المفازات مِن شمال مملكة البرنو عام 795هـ/ 1392م.. وكانت رئاسة هؤلاء الأعراب يومئذٍ في جُذام.. والمؤرِّخون للهجمة الهلالية على تونس في القرن الخامس الهجري يؤكِّدون تكوُّنهم مِن بني هلال وبني سليم وهوازن وكهلان والمِعقل مِن قحطان، لكنّ الرئاسة كانت للأسبُج مِن هلال..
في القرون بين الخامس والثامن، وعبر التنقُلات الشاسعة على المغرب العربي، ثمّ إلى الأطراف الجنوبية مِن الصحراء الكبرى، يكون طبيعيّاً أن تتغيّر الزعامة في هذه الأحلاف.. وتتفق موادنا الشفهية لهذه الدراسة، بأنّ تلك الأحلاف في شمال تشاد كانت زعامتها عند الهلباوي جمعان العويصي.. والرحّالة الفاسي الحسن بن الوزّان أو ليو الافريقي «1488-1552م» المولود في 894 للهجرة بفاس، وقد زار مملكة سُونغاي عند نهر النيجر، يُخبرنا بأنّ بني هلال في المغرب على زمانهِ يسير معهم مِن الأحلاف هلبا سُويِّد مِن جُذام.. وذلك كان مُقنِعاً لنا..
وفي سياق ذو صلة قدمت الدكتورة محاسن يوسف عبد الجليل قسم التاريخ جامعة بحري إضاءة تحليلية حول الرواية الشفوية والتطابق بينها وبين الموروث الشفهي والتاريخ الشفهي ، وركزت بصورة مباشرة على الموروث والتاريخ الشفاهي ومصادره ومرجعياته ، وقالت ان الرواية الشفوية يمكن أن تأخذ بعدها التاريخي ، لافتة إلى أن التاريخ هو في الأساس بدأ شفاهياً ومن ثم حدثت تطورات في الكتابة إلى ما وصلت إليه حال الكتابة اليوم مما دفع بالتطور للنظرة التاريخية في الكتابة .
وفي تعقيبه توقف الأستاذ عباس الحاج رئيس قسم إرشيف الفلكلور بمعهد الدراسات الأفريقية والأسيوية في عدد من المحطات من بينها التاريخ الشفوي والتاريخ المكتوب ، إضافة إلى توقفه عند مصطلح « شفاهي « وأوضح أن الباحث إبراهيم إسحق ومحاسن يوسف إتكأ كل منهما على تجربته الخاصة في جمع الروايات الشفوية ، وقدم عباس الحاج تحليلاً للرواية الشفوية .