الاستقرار السياسي : مفهومه وتجلياته ومؤشرات قياسه

الاستقرار – بكل ابعاده الاقتصادية والاجتماعية والسياسية – مؤشر على نجاح النظام السياسي ، وضرورة من ضرورات العيش الكريم لما له من اثار ايجابية على نمو وتطور الافراد والمجتمعات والدول ، وهو هدف تسعى له كل الدول والمجتمعات دون استثاء ، وتعد له الاستراتيجيات والخطط ، لانه لا يمكن لمجتمع ما ان يحقق اية تنمية اقتصادية او تعليمية او ثقافية او سياسية في غياب الاستقرار السياسي ، فهو شرط لازم للنهضة والتطور ، وضرورة حتمية للنماء والتقدم .
مفهوم ومعايير قياس الاستقرار السياسي :
وحتى لا يكون الاستقرار السياسي موضوعاً للجدل والمزايدات السياسية ، فقد سعى العلماء والمفكرون الى وضع معايير محددة لقياس درجة الاستقرار السائدة في الدول والمجتمعات ، كما وضعوا ، في نفس الوقت ، مؤشرات لقياس عدم الاستقرار السياسي ، وهذا ما نسعى الى مناقشته في هذا المقال من خلال تعريف مفهوم الاستقرار السياسي ، ومؤشرات قياسه ، بالاضافة الى تعريف حالة عدم الاستقرار السياسي ومؤشرات قياسه .

يشير مصطلح الاستقرار السياسي الى « قدرة النظام السياسي على القيام بوظائفه ، والاستجابة لمطالب الجماهير ، والتكيف مع متغيرات البيئة الداخلية والخارجية المحيطة به ، على نحو يكسبه الشرعية السياسية اللازمة لاستمراره ، ويحول دون تعرضه لاية اعمال عنف أو صراعات يصعب السيطرة عليها بالطرق السلمية وفي اطار الالتزام بالقواعد الدستورية « ..
وبما انه ليس هناك اتفاق بين المفكرين والاستراتيجيين حول مؤشرات الاستقرار السياسي، فقد قمنا برصد أهم المؤشرات التي وردت في هذا السياق ، والتي حولها قدر كبير من الاتفاق . وتعتبر المؤشرات التالية من اهم مؤشرات الاستقرار السياسي في الدول:
* التكامل القومي وغياب النزعات الانفصالية والصراعات العرقية والاثنية أو محدوديتها :
ان هذا لا يعني التجانس القومي بالضرورة ، لكن المقصود هو وجود رؤية واستراتيجية واضحة للتعامل مع التنوع العرقي والثقافي من شأنها تحقيق التكامل القومي في الدولة ، وحل النزاعات والقضاء على النزعات الانفصالية .
* شرعية النظام السياسي، ويقصد بالشرعية «تبرير السلطة الحاكمة من منطق الارادة الجماعية « ، أي تقبل الشعب للسلطة الحاكمة وخضوعه لها طواعية ، وتأتي الشرعية من التجاوب المباشر والاستجابة لاحتياجات الناس والسعي لتحقيق التطلعات الوطنية .
* قوة النظام السياسي وقدرته على حماية المجتمع والدولة ضد أي أخطار خارجية محتملة ، وتعد مسألة قدرة النظام السياسي للمهددات الخارجية هي أهم وظائف النظام السياسي على الاطلاق كونها تتعلق ببقاء الدولة نفسها .
* الاستقرار الحكومي ، بمعنى عدم التغيير السريع للوزارة بمثابة مؤشر جيد على استقرار الحكم ، بينما يعتبر التغيير المتتابع والسريع في السلطة الحاكمة احدى الظواهر المهمة المصاحبة لعدم الاستقرار الحكومي. وتعد هذه الظاهرة من السمات المميزة للعملية السياسية لأغلب الدول النامية ، ففي دولة مثل الهندوراس تغيرت السلطة التنفيذية (616 ) مرة في الفترة من 1824 الى 1950م ، بينما عانت الإكـوادور تغيير (41) رئيسا للدولة في الفترة من 1940 إلى 1949 ،أما بوليفيا فإنها لم تشهد في الفترة من 1941ـ 1951 إكمال ٍّ أي من رؤسائها المدة الدستورية .
ان التقلبات الوزارية الكثيرة التي تقوم بها بعض انظمة الحكم ربما تشير الى حالة من عدم الاستقرار في النظام السياسي ، إذ يرى البعض انه اما ناتج عن صراعات بين اجنحة سياسية داخل النظام السياسي ،أو نتيجة لما يدور في النظام السياسي من صراعات ومساومات ، كما قد يشير الى عجز النظام السياسي عن اختيار العناصر المناسبة لشغل المناصب السياسية .
لكن لا يشير التغيير الوزاري المتسارع في كل الاحوال الى ضعف النظام السياسي ، اذ يمكن ان يتم في اطار التطوير والتجويد والتحسين ، وربما يعبر عن القدرة الاستجابية الفاعلة للنظام السياسي وقدرته على التواؤم السريع مع تطورات الاحداث ، في ذات الوقت ، فإن عدم التغيير الوزاري لا يشير بالضرورة الى استقرار النظام السياسي وقوته ، لانه ربما يبقى النظام على حاله لفترة طويلة بينما هو يتآكل من الداخل ، او يستمر بالقوة العسكرية وحدها بينما هو عاجز عن الاستجابة لتطلعات المواطنين ويفتقر الى الشرعية في نظرهم .
* الاستقرار البرلماني ، فالبرلمان هو صوت الشعب ،وتستمد البرلمانات شرعيتها – في الغالب- من الشعب وهذا ما يعزز موقع البرلمان في مواجهة السلطات الاخرى ، وفي بعض الحالات يتم حل البرلمان من قبل السلطات التنفيذية قبل استيفاء مدته القانونية ، وفي حالات اخرى تسقط عضوية بعض النواب كما حدث في حادثة حل الحزب الشيوعي السوداني في العام 1965م ، كما قد تتقدم مجموعة مقدرة من النواب باستقالاتهم من أجل تعطيل عمل البرلمان خاصة في الجمعيات التأسيسية التي تكون مهمتها هي اجازة الدستور ، فتؤدي الاستقالات الجماعية الى عجز الجمعية عن اجازة الدستور ويتم كل ذلك في اطار المناورات السياسية ، وفي كل الحالات فإن مثل هذه الممارسات تشير الى حالة من عدم الاستقرار البرلماني وتنعكس سلبا على عمل النظام السياسي برمته.
* تشجيع المشاركة السياسية للمواطنين وفتح قنوات الاتصال بين الحكام والمحكومين ، فالمشاركة السياسية يقصد بها « الأنشطة التي عن طريقها يساهم أعضاء المجتمع في اختيار الحكام وفي تكوين السياسة العمومية بشكل مباشر أو غير مباشر» ، ولا تقتصر المشاركة المقصودة هنا على المشاركة في مؤسسات الدولة وصناعة القرار السياسي مباشرة، بل تشمل المشاركة في الجمعيات المحلية والنقابات والمؤسسات الدينية، وكل تجمع يحوز على السلطة ويسعى للتأثير في الحياة السياسية.
* غياب العنف واختفاء الحروب الاهلية والحركات الانفصالية والتمردات ، ويكون ذلك من خلال استراتيجية متكاملة تمكن من القضاء على كل أسباب النزاع والشقاق في الدولة ، وتشعر كل فرد بالمساواة التامة مع الاخرين ، ويشعر معها كل فرد في الدولة بأنه جزء لا يتجزأ منها ، يكن لها الولاء والتقدير ، ويكون مستعدا للتضحية من اجلها ، فتتوقف بذلك الحروب والنزاعات ويتجه المواطنون نحو التنمية والاعمار.
* نجاح السياسات الاقتصادية للحكومة وقدرة السلطة على توفير احتياجات الناس وتمكينهم من العيش الكريم . إن توفير احتياجات الناس الاساسية ودعم الطبقات الفقيرة هي أكثر ما يستهلك جهد الحكومات الغربية اليوم ، وأول ما يتصدر برامج الاحزاب السياسية في البلدان الغربية في مواسم الانتخابات .
ولئن كان ذلك كذلك في الدول المتقدمة حيث الدخل المرتفع وامكانية استقلال الافراد عن الدولة واعتمادهم على انفسهم ، فإن مواطني الدول النامية أكثر حاجة الى خدمات الدولة في مجال الغذاء والعلاج والتعليم وغيرها من أوجه الحياة .
* قلة النزوح الداخلي والهجرات الخارجية : لأن النزوح الداخلي يشير اما الى غياب التنمية المتوازنة حيث ينزح الناس صوب المناطق التي تتركز فيها مشروعات التنمية ، واما بحثا عن الامن حين تسود الحروب في بعض اجزاء الدولة فيلجأ المواطنون الى المناطق الامنة ، والهجرات الخارجية تكون اما لاسباب سياسية ( اللجوء السياسي) ، واما للبحث عن فرص عمل لم توفرها الدولة أو لقلة العائد منها وعدم كفايته للعيش الكريم .
* توفر آليات للخلافة السياسية : ويقصد بها وجود آليات لانتقال السلطة والقيادة من شخص إلى آخر بطريقة سلسة وقانونية وشرعية، وإمكانية تبادل المواقع القيادية وإحلال الأشخاص بعضهم لبعض بصورة سلمية، وينبغي أن تكون الطرق سالكة ومفتوحة للصعود والهبوط وفقاً لمعايير وآليات متفق عليها ومنصوص عليها في الدستور .
* حسن إدارة العلاقات الخارجية للدولة :من مؤشرات عدم الاستقرار السياسي للدولة سوء علاقاتها الخارجية مع الجيران أو مع المجتمع الدولي ، أو مع المنظمات الدولية والاقليمية ، وذلك أما بسبب سوء ادارتها لملف السياسة الخارجية بسبب عدم كفاءة القائمين عليه ، أو بسبب الطبيعة الصراعية للنظام الحاكم ، أو بسبب عدم حرصه على اقامة علاقات طيبة مع الجيران والمجتمع الدولي والاقليمي ، او عدم وعيه بأهمية العلاقات الخارجية وتأثيرها حتى على السياسة الداخلية ، او بسبب سياسات داخلية لا ترضي الاطراف الخارجية بسبب الاضطهاد العرقي لمجموعة سكانية ، او عدم ضمان حرية العبادة لفئة معينة من السكان ، أو بسبب انتهاك حقوق الانسان ، اوبسبب اضطهاد مجموعات عرقية محددة أو فئات معينة كالمرأة مثلاً .
وفي الواقع ، هناك رأي شائع يقول إن عدم الاستقرار الداخلي في الدولة قد يقود الدولة الى مغامرات في الخارج بهدف (توحيد الجبهة الداخلية ، وتعزيز شرعية النظام الحاكم)،لكن اخرون يرفضون هذا الرأي بحجة ان الحرب لم تكن أبداً عاملا من عوامل التماسك ، بل انها قادت في كثير من الاحيان الى تفكك المجتمعات وتحلل الانظمة الحاكمة .
* الاستقرار السلوكي : ونقصد به الثبات الايديولوجي للنظام الحاكم وعدم الانتقال المفاجئ من ايديولوجية الى اخرى، وبالطبع لا يمكن الادعاء بأن كل الانظمة السياسية تسير وفق ايديولوجية محددة بالمعنى العلمي للكلمة ، اذ ان غالبية النظم السياسية تعتمد الى توليفة من افكار وايديولوجيات متعددة لتصوغها ضمن اهدافها وبرامجها السياسية ، وقد تستمر عليها ردحاً من الزمن ، ثم تنتقل تدريجيا الى افكار ورؤى جديدة انتقالا سلساً ، لكن الانظمة غير المستقرة ، تنتقل سريعاً ، في اطار الفعل ورد الفعل ، من ايديولوجية الى اخرى ، ومن مذهب فكري الى اخر ، وهو ما يشير الى غياب الرؤية السياسية لدى النظام السياسي ، ويفقد النظام السياسي مصداقيته ويقدح في شرعيته ، ويهدد مستقبله .
مؤشرات عدم الاستقرار السياسي :
في المقابل، هناك عدة مؤشرات لقياس عدم الاستقرار السياسي ، مثل : عدد الاغتيالات السياسية داخل الدولة ، عدد الإضرابات العامة ، وجود حرب عصابات ، عدد الأزمات الحكومية داخل البناء السياسي ، عدد عمليات التطهير التي تتم في أجهزة الدولة ، عدد أعمال الشغب داخل نظام الدولة ، عدد الثورات التي نشبت داخل الدولة ، عدد المظاهرات المعادية للحكومة ، عدد القتلى الذين لقوا مصرعهم في العنف المحلي . أما مؤشرات الصراع الخارجي والتي تساهم في عدم استقراره فهي:عدد المظاهرات ضد السياسة الخارجية للدولة ، عدد مرات الاحتجاج ضد السياسة الخارجية للدولة ، عدد مرات العقوبات السلبية التي فرضت على الدولة، عدد الدول التي قطعت علاقاتها الدبلوماسية معها ، عدد المرات التي تم فيها استدعاء سفراء الدولة أو طرد السفراء الأجانب منها، عدد المرات التي صدرت فيها تهديدات ضد الدولة ، عدد المرات التي ألتجأ فيها للعمل العسكري كنوع من الحل للمعضلات التي تقابل الدولة خارجياً ، عدد الحروب التي اشتركت فيها الدولة، عدد المرات التي تم فيها تحريك القوات العسكرية دون أن تصل إلى حد نشوب الحرب ، عدد الاتهامات التي وجهت للدولة، عدد القتلى في الصراعات الخارجية.
ختاماً ، فإن ما تجدر الاشارة اليه والتأكيد عليه في هذا الصدد هو، ان الاستقرار السياسي في جوهره ومضمونه، ليس وليد القوة العسكرية والأمنية، مع ضرورة ذلك في عملية الأمن والاستقرار، وإنما هو وليد تدابير سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية، تجعل من كل قوى المجتمع وفئاته عيناً ساهرة على الأمن ورافداً أساسياً من روافد الاستقرار. إن الاستقرار الحقيقي يتطلب – بالاضافة الى الاستعداد العسكري-خطوات سياسية حقيقية تعمق من خيار الثقة المتبادلة بين السلطة والمجتمع، ونلاحظ أن الدول المتقدمة عسكرياً وأمنياً والمتخلفة سياسياً، هي التي يهتز فيها الاستقرار السياسي لأبسط الأسباب والعوامل، أما الدول التي تعيش حياة سياسية فعالة، وتشترك قوى المجتمع في النشاط السياسي العام وفق أسس ومبادئ واضحة، هي الدول المستقرة والمتماسكة والتي تتمكن من مواجهة كل مؤامرات الأعداء ومخططاتهم.