الحلقة السادسة.الشاعر صلاح أحمد إبراهيم يكتب عن صراعه مع الحزب الشيوعي.الدس الرخيص والتحريض المغرض والابتزاز

صلاح أحمد إبراهيم

فى العام 1967م خاض الشاعر الراحل صلاح احمد ابراهيم معارك صحفية ضارية مع قيادة الحزب الشيوعى ، الذى تنكر لبعض قياداته وكان اولهم عوض عبدالرازق ثانى سكرتير عام للحزب ، ومضايقة الشاعر احمد عبدالرحمن (شيبون) والذى مات منتحرا فى داره ، وتعيد (الصحافة) من أرشيفها سلسلة هذه المقالات :

الفرية رقم «5»:
يقول مسيلمة (إن صلاح أحمد إبراهيم يناقش علناً وعلى عينك يا تاجر في مجالسه الخاصة فيقارن نفسه بأوسكار وايلد) ومن عرف عمر الجاهل باوسكار وايلد. ولكن تصور! أين مسيلمة من مجالسي الخاصة وكيف بلغ فيها وهو منذ ان اوقعني زماني الخؤون عرفته جاهلاً مضجراً منفراً ضحل الثقافة محدود الخيال قاتم الطوية سردابي النفس لا يطرح قضية جادة ولا يثير موضوعاً مثيراً سوى الغيبة وأكل لحم أخيه ميتاً، ولا يحلق بفكرة مجنحة ولا يسلي جليسه بحديث زكي ودعابته من النوع الممجوج، ولكنه كالهم والغم وسحابة ثمود يشيع أينما تدحرج جواً من الكآبة النثرية والفجاجة التجارية والتبجح المدقع الذي يصدم الشعور الحساس، فقوله هذا اما قائم على السماع من ناقل كذاب مثله أو هو مجرد وهم واهم همه رشق الناس بالطوب النييء، أو كما أعتقد مجرد تخرس وافتئات، لأن مقارنة كهذه لم تتم على لساني قط. فليأت مسيلمة بشاهد زوره كما عودنا دائماً ولديه منهم قوم حضور لنفحم شاهد زوره بل كبرت كلمة تخرج من أفواههم ان يقولون الا كذبا.
فرية رقم «6»:
إنني جبنت عن منازلته في الجامعة ألم أقل لكم ان مفاهيم الرفيق عضو اللجنة المركزية والمكتب السياسي والقائد الجماهيري اقطاعية؟.
«منازلته» قال: «مطالعته» الى الخلاء حيث العصي والسياط مدفونة.. ومع ذلك يرى معاصرونا بالجامعة انني قمعته بالكلمة الباسلة التي لا تصدر الا عن حق حتى اضطر الى ارسال أحد «القردة لكسر دولاب صديق لسرقة قصتي «الهجوم الليلي» التي نشرها فيما بعد الصديق علي الملك في جريدته الجدارية.
ولئن سكت طيلة ايام الحكم العسكري لأسباب نبيلة منها انني قدمت عدائي للحكم العسكري على عدائي للانتهازية التي تتربع على سنام الحزب، ومنها أنني استنكف عن الهجوم من منبر علني على من لا يملك منبراً علنياً آنذاك، وهو موقف شبيه بدفاعي عن الحزب حين حل الحزب، وهم بالطبع لن يذكروا لي هذا الموقف قط، فإنني لم اسكت عقب اصدارهم للميدان ثانية، ومع ذلك فقد اعطيتهم فرصة ان يصلحوا من خطئهم القديم بخطاب جد مهذب اسلمته الخصم والحكم ولكنهم بقول مسيلمة نفسه «تجاهلوه» وما قدروا كم سيكلفهم ذلك «التجاهل»: أعيد كلمة «التجاهل»: التي قالها هل هذا تصرف حزب عاقل مسؤول ثم يلومني الشيوعيون بعد ذلك، والحمد لله قد اعترف لهم الانتهازي المخرب بخط يده معرضا الحزب للزوم ما لا يلزم يقول «فقد كتب لنا صلاح في منتصف عام 56م وهو في غانا خطابا غريباً: كان يسأل عما اذا كانت المقالات التي كتبها عمر مصطفى المكي في نوفمبر 8591م بجريدة الميدان تعبر عن رأيه الخاص ام عن رأي الحزب الشيوعي، وبدا لنا السؤال غريباً وقتها فتجاهلناه. وبعد ذلك بأسابيع بعث بخطاب آخر يهاجمنا فيه هجوماً عنيفاً لأننا لم نرد على خطابه الأول، وكأننا نعمل موظفين عند مقامه السامي، وخطابه بتهديد قال فيه إن الرد على تساؤله عن مقالات عمر مصطفى المكي تتوقف عليه اشارة من جنابه العالي الى مطابع بيروت لتطبع له ديوان شعر جديد. وعرفنا اللعبة ولم يزدنا ذلك بطبيعة الحال الا تجاهلاً له. إن صلاح يريد أن ترد مساهمته الواجبة في حملة الهجوم على الشيوعيين وهو يرد لها سبباً.. اي سبب ففكر في حبك هذه القصة الركيكة انتهى.
ألم يخلني عمر بهذا الاعتراف من مسؤوليتي؟ ألم يبرهن لكم على مدى حلمي وصبري على هؤلاء القوم؟ ألم أعطهم الفرصة النبيلة لتفاهم مشرف يرد لي اعتباري ولا يضير الحزب؟ وهل يتوقع مني الحزب الشيوعي وقد «تجاهل» عرضي النبيل ان اقبع ساكتاً على عنجهيته واحتقاره للناس؟ أيها الشيوعيون، إذ قيل لكم ان هجوم صلاح يصدر عن حملة مدبرة وان مخططها الاميركان فكذبوا القائل، الحملة المدبرة من انتهازية في الحزب، والمخطط هم أمثال هذا المعترف الذي يضع احقاده الشخصية وذاته المنتفخة فوق مصلحة الحزب مستغلاً اسم الحزب ووضعه في قيادة الحزب. أليس هذا تخريباً واضحاً واستفزازاً انتهازياً ومعاملة لئيمة.
ويقول النجاركوك بتشويهه المعهود للحقائق «وجاء ديوان الشعر المنتظر يحمل كلاماً في مقدمته عن شلوخ عمر مصطفى المكي» أرجع يا قارئي الى مقدمة الديوان لترى أن الكلام لم يكن عن الشلوخ، بل عن الانتهازية التي هي لاصقة في الانتهازي كشلوخه، فلماذا حذف الانتهازي كلمة الانتهازية عمداً كأنها لم ترد، انها هناك في مقدمة الديوان وانها فيك.
الفرية رقم «7»:
عن السلوك الخلقي.. لقد أوضحت في مقالتي «صلاح الدين ومكائد الحشاشين» ما حدث وما هو فيَّ بقدر ما سمح به حيائي والذوق العام والعرف الدارج. وأبنت أن ما اخذ ضدي كان قائماً على الشبهة والاختلاف، على الدس الرخيص والتحريض المغرض وربما الابتزاز برهبة أو برغبة. وأكدت أنني أعيش وفق معيار أخلاقي ثابت لا أحيد عنه مهما قال الناس، جوهره الحق والخير والجمال وأساسه احترام النفس والآخرين، ولبابه الحب وتقدير الكرامة الانسانية، والبعد عن الابتذال والتهتك والتزام الحياء والفضيلة في السلوك العام. وقلت إن حياتي الخاصة جزء من حياتي العامة، وجميع اخلاقياتي مبررة، وان من نذر حتى دمه للشعب لن يضن على الشعب بالحقيقة، وانني في مغيب ايام حياتي لن أكون ابداً نادماً على فعل أقدمت عليه، بل على فعل أحجمت عنه، وان نفسي مطمئنة وضميري مرتاح. ولذلك لن انسى ابداً ما حييت إساءة خبير التلفيقات لي والاهانة التي علقت بي باسم الحزب، ولكن يا مراؤون ألكم كيل وللناس كيل آخر؟؟ اني لارى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها وإني لصحابها. اتسمعني يا عبد الخالق محجوب.
الفرية رقم «8»:
إنني ترجمت لمؤسسة فرانكلين كتاباً بعنوان «قصص افريقية» لم يحدث اطلاقاً يا مسيلمة… لم يحدث قط، وكل ما هناك انك شعرت ان كتاباً واحداً لا يكفي فأضفت اليه آخر من خيالك الخصب ليكون هناك وقع أكبر، ولكن الكذبة كالانشوطة تلتف حول عنق من يطلقها.
الفرية رقم «9»:
إنني تسلمت «آلاف» الدولارات مقابل ترجمتي لكتاب «النقد الأدبي» من مؤسسة فرانكلين. الواقع انني لم اتسلم غير حوالى الخمسمائة دولار «قرابة المئتي جنيه» وهو الأجر المعقول نظراً لصعوبة اللغة التي كتب بها الكتاب وللوقت والجهد الذي بذلته في الترجمة، ومن العسير أن يقال عن خمسمائة دولار انها «آلاف» الدولارات. وأنا لم اترجم الكتاب بتدبير من مؤسسة فرانكلين أو لأنها ارادت اجتذابي لاهميتي، أو انها كانت تشعر بي. ولكنها وساطة كريمة من الدكتور إحسان عباس جابر عثرات الكرام. ففي سنة 1960م وجدت نفسي لأسباب تتعلق بالكرامة الحساسة المتصلبة بلا عمل، واكتشفت انني كلما طرقت باباً للعمل سبقني إليه سجلي لدى البوليس، وكانت مطاردة لئيمة لا زلت احتفظ منها بردود الاعتذار الكثيرة، ومنها رفض وزارة المعارف، وكان على لقاء أن يتاح لي حقي في العمل ان اوقع على صك بالتخلي عن الماركسية، أي ان الغي عقلي وكرامتي هكذا، وكان ذاك من أحط ما تعلمه المسؤول عن هذا العمل من سادته الاميركان.
كانت فترة مريرة لا سيما لمن كان يحسب غنياً بالتعفف. ووقف فيها بجانبي أهلي الذين لا يكدر صفاء نفوسهم الدهر.. وإحسان عباس ومن لي بأخ كإحسان عباس الصديق الذي هو أعظم من صديق ابن المقفع. قاسمني درهمه الحر وفتح لي خزائن نفسه العذبة النبيلة وأبواب أدبه الجم وعلمه الرفيع. ثم طفق يبحث لي عن عمل بلبنان، ولكنه كحل عملي عمل على اقناع صديقه الدكتور محمد يوسف نجم مدير مكتب فرانكلين ببيروت بإعطائي كتاباً لترجمته من أجل المكافأة المالية التي كنت في حاجة ماسة لها، ولكن كان عليه قبل ذلك أن يقنعني بالا غضاضة في ذلك العمل ولا تثريب. وهنا أود أن أشير إلى أن الأخ علي شمو يذكر لي بالتقدير المناقشة المستطيلة التي أرهقت بها الأخ أبو العزائم. والشروط المرهقة التي اشترطها وكأنني شريك لا مجرد كاتب للجريدة. قبل أن أحرر صفحة أدبية بـ «الصراحة الجديدة» خشية الوقوع في محظور والتورط ولو بطريق غير مباشر في مساندة وضع أنا في الأساس ضده منذ اليوم الأول فيه ــ يوم صحت في طلبتي بمدرسة بيت الأمانة الثانوية اليوم 71 نوفمبر ــ يبدأ عهد الإرهاب.