الحلقة الثامنة .الشاعر صلاح أحمد إبراهيم يكتب عن صراعه مع الحزب الشيوعي.هل عقرت حواء إلا من مثل هذا الموسوس الموهوم؟

صلاح أحمد إبراهيم

فى العام 1967م خاض الشاعر الراحل صلاح احمد ابراهيم معارك صحفية ضارية مع قيادة الحزب الشيوعى ، الذى تنكر لبعض قياداته وكان اولهم عوض عبدالرازق ثانى سكرتير عام للحزب ، ومضايقة الشاعر احمد عبدالرحمن (شيبون) والذى مات منتحرا فى داره ، وتعيد (الصحافة) من أرشيفها سلسلة هذه المقالات :

قول المفتري الفنطوط ان صلاحاً قام برحلة غامضة الى لندن وباريس سنة 1966م ونزل في كلا البلدين بمنزل السفير السوداني ورفض ان يجيب عن أسئلة الدبلوماسيين حول أغراض رحلته ولكنه أجاب بأنه «يقضي إجازة» عندما سأله وزير الزراعة السوداني.
ما وجه الغموض في رحلتي يا مسيلمة؟ في ذلك العام.. انتهت فترة انتدابي بغانا وبإذن من رقابة النقد السودانية طلبت من بنك غانا تحويل مدخراتي عن أربعة أعوام إلى لندن وتمثل تلك المدخرات ثمن مبيع سيارة اشترتها لي جامعة غانا بالتقسيط واستقطاعات مال التأمين بما فيها مشاركة الجمعة وثمن سندات بنك غانا الاجبارية بفوائدها.
ولما كانت غانا تعاني أزمة في النقد الأجنبي فقد أرسلت لي استحقاقي على أقساط وكان هذا سبب بقائي مدة طويلة بلندن وكان الغرض الثاني هو السعي لتسجيل اسمي بجامعة اكسفورد. ومما ساعدني على الرحلة ان صديقي عمر الحاج موسى حوّل لي تذكرة اكرامية صدرت باسمه لقاء تذكرة أقدمها له فيما بعد صارت الآن «كوارا» بيننا. في لندن استضافني الأخ الباقر ملحقنا العسكري فوجدته رجلاً ولا كالرجال:
ان اداك وكتّر ما بقول أديت
أب درق الموشح كله بالسوميت
أب رسوه البكر حجر شراب
سيتيت كاتال في الخلا
وعقبان كريم في البيت..
وطالت مدة اقامتي معه وهو يشعرني بأنني المضيف وهو الضيف، ولقد شاهدت خلالها من نبله وشهامته ما لا يصدق ولم يكن ذلك معاملة خاصة بي ولكن ما عرفته عنه سأحكيه في مكان آخر. أعرف ان الباقر سيتحرج من قولي هذا وهو من بعد الفتى الحساس، ولكنه أريج الزهر ينم عن نفسه وفضل ذوي الفضل يملي فنكتب:
لا خيل عندك تهديها ولا مال فليسعد النطق ان لم يسعد الحال
وخلال ذلك سافرت بدعوة كريمة من أخ كريم هو عبد الله الحسن سفيرنا في باريس ولم يكن موجوداً فيها ولكنه وفر لي في بيته كل ما أحتاج اليه للايام المعدودة التي قضيتها بباريس.
وعبد الله الحسن وقد عرفته من أيامه سفيراً بغانا من أماجد السودان، فتى أريحي بل هو الاريحية بعينها.
سأتكلم عنه هو أيضاً في مجال آخر حين أكتب عمن عرفت ولا زال السودان بخير ما دام فيه أمثال عبد الله الحسن وما زال عنه أمثال من يشوهون الحقائق ويمضغون اشلاءها «كالقورو» الناشف في خبث حقير – أنظر بالله عليك كيف حشر مسيلمة النجاركوك كلمة عندما سأله وزير الزراعة السوداني كان ثمة ما يريب في وجودي بباريس. والمؤسف ان السيد كمال مصطفى المكي كان بباريس عندئذ، وكان بامكانه ان يصحح معلومات أخيه وقد اطلع على مقالاته كما أسر لي كمال بذلك قبل نشرها، وذلك بافتراض انه لم يكن مصدر معلومات أخيه، وإن بعض الظن اثم وإن كان من العسير أن يقال عن هذا انه بعض الظن» فانها معلومات جد حميمة لا يمكن ان يشيعها الا من حضر مقابلتنا مع الأخ عمر نور الدائم.
الفرية رقم «51»:
يقول الكويذب «وقام في سنة 1967 برحلة أخرى الى المانيا الغربية وبريطانيا بعد كورس قصير في فرنسا وفي لندن كان ينزل في فندق فاخر في حي بيكاديلي لا ينزل فيه الا المقتدرون من السواح الاميركان وكبار الكتاب والصحفيين في اوروبا وقضى في ذلك الفندق شهراً كاملاً ولم يكن أحد من الطلاب يعرف شيئاً عن المهمة التي جاء من أجلها صلاح.. وكان يجيب على أسئلتهم بأنه يقوم بجولة «تور.. بالانجليزية» وفي نهاية رحلته للندن اشترى صلاح عربة هيلمان جديدة لنج ودفع ثمنها نقداً كما دفع نقداً تكاليف ترحيلها لميناء بورتسودان عن طريق رأس الرجاء الصالح وهذه العربة معه الآن».
يا الله! ما هذا الشخص «اللايوق».. والله لو لم أشأ أن أستخلص نتائج عامة وسياسية من كل هذا لتوقفت عند هذا الحد ولكسرت قلمي ولرششت العطر بسبب هذا الشخص الذي يسلح جهاراً نهاراً على نفسه. أي سخف هذا بربكم! وما قيمة كل هذا؟
نبدأ من جديد.. لم تطأ قدمي هذه المانيا الغربية اطلاقاً حتى اليوم. أوفدتني وظيفتي لحضور حلقة حول الاعلام وخطة التنمية في فرنسا وبعد انتهائها دعت مؤسسة ايريال الاعضاء الناطقين بالانكليزية وهذه سنة استنها بالاتفاق مع معهد الصحافة والاعلام باستراسبورج منظمة الحلقة. وبالفعل نزلنا على حسابها في فندق محترم في بيكاديللي هو «ريجنت بالاس» لمدة عشرة أيام وليس لمدة شهر وبعدها أقمت مع صديقي عبد السلام ادريس وأنا له شاكر حسن استقباله واخاه الصادق ووفاءه الأكيد وأشعر بتقصير شديد نحوه ولكن ثقتي في حسن تقديره أكبر.
العربة «الهيلمان الجديدة لنج» اشتريتها من المدخرات المحولة من غانا وليس من آلاف الدولارات. مفهوم؟ تكاليف ترحيلها لميناء بورتسودان – وأنظر كيف حشر طريق رأس الرجاء الصالح لاحداث الأثر الدرامي دفعت بالسودان للادقاع الذي ألم بي هناك، ودفعها المخلص السيد عز الدين عثمان والمرجو من شيوعيي بورتسودان وكل من أعطى صوته لعمر مصطفى الكذاب هناك الاتصال به ليعرفوا شيئاً من معاملتي المالية المتعلقة بالسيارة معه وقد كلفتني هذه السيارة شططا، وهي سبب ربكتي المالية حالياً وعجزي عن الوفاء بكثير من ديون الاخوان الذين قبلوا دعابتي «الدين في الكتوف والاصل معروف» بطيب خاطر ومنهم عبد الله الحسن وتوفيق التجاني والعاقب محمود وكثيرون لا عدمتهم ولا جاء يوم شكرهم. وقد كان كل من له صلة بي يعرف سبب المهمة التي جئت من أجلها وقد زار معي زميلي «ممثل الصومال وممثل سيراليون» السفارة السودانية ولكن عمر مصطفى لا يتورع عن الكذب والتلفيق ما أحقر لجنة مركزية ومكتباً سياسياً يضمانه ومن هم على شاكلته. هل عقرت حواء الا من مثل هذا الموسوس الموهوم؟
ما مع المدافعين بلا تحفظ أو استبصار من أهل اليسار فقد كان موقفي على النقيض، كان موقفي التركيز على فضح عيوب النظام وتجسيدها، على كشفها بقسوة، متناهية كما أفعل الآن بعيوب الحزب الشيوعي السوداني التي منها عمر مصطفى المكي الكذاب رغم انني لم أفشل في كتابة مقالتين طويلتين دفاعاً عنه ايام حله والهجوم عليه أحداهما بعنوان «ليفتح الشعب عينه جيداً» نشرت بالايام والأخرى وقد بذلت فيها مجهوداً أكبر اضاعها السيد محجوب محمد صالح قبل نشرها وإن قرأها منه بعض اصدقائه لعل منهم جمال محمد أحمد، مع المدافعين جزافاً كنت أبدو كما لو كنت أشن هجوماً على النظام بل هي عيوبه والانتهازية التي تنخر فيه كالسلال والانحراف الذي أودى به وخيانته للجماهير الكادحة التي انطلقت ترقص مرحى يوم ان سقط كأنه بيت من الورق المقوى ولم يقف أحد ليدافع عنه أو يحامي دونه.. تلك العيوب التي فضح بعضها بشجاعة الرجال النائب «ادريسو» قبيل الانقلاب حين أشار باصبع الاتهام الى الوزراء وكبار رجالات الحزب واعضاء اللجنة المركزية واوشك لولا التقيه ان يتهم الاوساجيفو نفسه بالتواطؤ. وجرد ادريسو من نيابته وطرد شر طردة من الحزب وأخذت الصحافة الحزبية والرسمية تنهش سيرته في حملة منسقة مركزة شاملة كلها سباب محكم «وانزل ملفه» كما يقولون – كمعتاد مثل هذه الأحزاب لمن يبدي شجاعة إزاء عيب فيها. وقد أتاح لي عملي بالقسم العربي من الاذاعة الغانية ان أشاهد كيف لم ترحم سمعة ذلك المواطن «ادريسو» من النهش حتى أمام المستمع الأجنبي، فصار ادريسو بجرأته تلك من مسببات الانقلاب على نحو ما ومن أبطال الشعب المغلوب على أمره لفترة من الزمن. ولولا حدوث الانقلاب لسيق الى «قلعة أشر» أو إلى سجن «نسووام» مثل سائق السيارة التي كتب عليها «الحياة شاقة» فاذا به يقذف في غيابة السجن وينسى فيه دون محاكمة حتى أنقذه زوال ذلك الحكم.
عمر مصطفى الجاهل لا يعرف كل هذا وهو من انبرى يكتب المقالات المطولة في شيء لا يعرف عنه شيئاً بل ينقله نقل مسطرة من كتب نكروما وخطب نكروما واذاعاته المتبجحة الكاذبة من كوناكري التي كانت تسلية أهالي اكرا بما تحدثت عن «حمام الدم» ولا حمام دم وعن حظر الموهوم للتجول في اكرا والشعب يتجول ويرقص ويحرق صور «مسيح افريقيا» ومنبع الشرف والصادق الوعد والمنقذ في الزنقات وعبقرية العبقريات – وهذه كلها من ألقابه.