الإسلام المنشود….والإسلام المرفوض(8)

قال بعضهم تعليقاً على العنوان المختار لهذه السلسلة من المقالات إنى مخطىء غير موفق فى إختيار ما عنونت به السلسلة ، ففى مفهومه ليس هناك إسلام مرفوض وإسلام منشود بل إسلام واحد وهى إجابة خاطئة وصائبة فى آن ،إنما ما يجعلها محسوبة فى الصواب أو الخطأ زاوية النظر.فإن كان الكلام عن الإسلام الموحى به فهو إسلام واحد ومقاصده واحدة ولكن ما أن يتنزل على الفهوم وعلى الوقائع حتى تتعدد صور تنزله فى واقع الحال الفردى أو الاجتماعى. ولو شئت فأقرأ حديثه صلى الله عليه وسلم (من حُسن إسلام المرء تركه ما لايعنيه)حديث حسن رواه الترمذى ومفهوم المخالفة أن من سوء إسلام المرء حشره أنفه فيما لا يعنيه.فنرى ههنا أن إسلام المرء قد يحسن وقد يسوء وكذلكم إسلام الجماعة أو الطائفة قد يحسن وقد يسوء ولكن مرجع الوصف على السلوك أى إلى الدين الذى هو تدين لا إلى الدين الذى هو تنزيل وقد يتدين المرء بما هو باطل ويحسبه إسلاما وهوإنحراف عن الاسلام وربما نكول عنه بالكامل.

إسلام الغلو والتشدد هوالمردودالمرفوض:
وإسلام الغلو والتشدد(لا أقول التطرف ) هو الاسلام المرفوض لأنه مخالف لهدى الدين خلافاً بيناً مناقض لمقاصده ومفارق لمناهجه فراق باتٍ ومبتوت.وقد ظل أفراد الأمة وعلماؤها يتقاذفون تهمة الغلو والتشدد فيما بينهم ،يرمى بها أهل التشيع أهل التسنن ، ويرمى بها أهل السلف أهل التصوف، ويرمى بها الآخرون الأولون ، ولكنها من هؤلاء وأولئك تهم تلقى على عواهنها بلا تمييز ولا تحقق ، مما يصم جميع الأطراف بوصمة الغلو فى المخاصمة والتشدد فى المعاملة . وكل ذلك مفارق لمقاصد الدين ومناهجه وطرائقه وسننه.وهذا النمط من الغلو الذى لا يرى أصحابُه عند الضفة الأخرى إلا الباطل المبين ، هو غلو عدم الإقرار بالحق الذى نهى عنه رب الكتاب أهل الكتاب فقال تعالى (قل يأهل لكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل) وإنكار الحق أو غمطه أو تزييفه هو أسوأ أنواع الغلو. وذلك أن معرفة الحق والإقرار به هو أصل العقائد والشرائع . وإنكار الحق وتزويره هو أصل البلايا والرزايا والمظالم .وهذا النمط من الغلو المتصل بجحد معرفة الحق والإقرار به هو مسألة من مسائل العقائد . وقد ضل أناس كثير بنسبة غير الحق لله سبحانه وتعالى ، أو بسوء تفسير أو تزوير ظواهر الخلق والطبيعة والكون والحياة . ومن بؤرة هذا الغلو الأكبر تخرج بدع الإشراك والتكفير وإستحلال الدماء والأموال والأعراض. والنمط الثانى من الغلو هو من نمط التزيد والتشدد مثل الرهبانية وإلزام النفس والآخرين لزوم لا يلزم أوكمثل أولئك الثلاثة الذين إجتمعوا على التزيد فى الدين فى الحديث الذى رواه البخارى (عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال :جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلي الله عليه وسلم فلما أخبروا كأنهم تقالوها وقالوا : أين نحن من النبي صلي الله علية وسلم وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر
قال أحدهم : أما أنا فأصلي الليل أبدا
وقال الأخر : وأنا أصوم الدهر أبدا ولا أفطر
وقال الأخر : وأنا اعتزل النساء فلا أتزوج أبدا
فجاء رسول الله صلي الله عليه وسلم إليهم فقال : ( أنتم الذين قلتم كذا وكذا ؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكنى أصوم وأفطر ، وأصلى وأرقد ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس منى ).
وقد روى حذيفة بن اليمان فيما روى من أحاديث الفتن فقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن مما أتخوف عليكم رجل قرآن حتى إذا رؤيت بهجته عليه وكان رداؤه الإسلام إعتراه إلى ما شاء الله انسلخ منه، ونبذه وراء ظهره ،وسعى على جاره بالسيف ورماه بالشرك)
قال : قلت : يا نبى الله أيهما أولى بالشرك المرمى أو الرامي ؟
قال :بل الرامي
فهل من وصف للفتنة التى تظلنا أدق وأصدق من هذا الوصف؟
غلو أهل التدين :
وما من جماعة من أهل التدين إلا فشا فيها الغلو بل إن الغلو أصبح ثقافة إجتماعية حتى عند غير المتدينين . فهم لا يسلمون لصاحب حق بحقه ولو بوجه جزئي و لا يفسد الدين شىءٌ مثل التعصب والغلو.ومن الملحوظ من الظواهر أن غالب الغلو ينشأ فى حاضنة التعصب العرقى أو السياسى . فما من بدعة غلو إلا والحاضنة لها جماعة سياسية أو جماعة عرقية.وأسرع ما تفشو فاشية الغلو فى أحضان سلطانٍ يتعصب له أصحابُه حتى يتجاوز بعضهم الحد فيكادون يؤلهونه ، فإن رفض بدعتهم كفروه . وأنظر إلى تاريخ التدين لدى الملل والنحل كافة وإلى تاريخ التدين الاسلامى خاصة. فأكثر الناس تعصباً للإمام علي كرم الله وجهه هما طائفتان آمنت إحداهما بحقه أكثر إيمانه هوحتى خرجت عليه فقاتلته وهم الخوارج ، وتعصبت طائفةٌ من أصحابه تعصباً مفرطاً له حتى زعم بعضهم أنه إله يعبد ، وزعم آخرون له مقاماً فوق مقام النبوءة . وقد أنكر علي كرم الله وجهه على هؤلاء جميعاً وعاقب بعضهم عقاباً عسيراً فلم يرتدعوا وظلت ظواهر الغلو يخلف بعضها بعضاً. وإستمر الغلو الشيعى طوال عهود الأئمة جميعاً فقد زعم المتنطعون لأئمة أهل البيت ما لم يزعم أهل البيت لأنفسهم قط ، بل إنهم نهوا المتعصبين لهم عنه فلم ينته فئام منهم كثير. وقد بلغ الغلو فى مقام الأئمة عند بعض الشيعة مبلغاً لا يصدقه إلا ذاهب العقل مأفون.وأشد غلو الشيعة ينصب حول فكرة الإمامة التى تبدأ من الإيمان بمظلومية سيدنا على رضى الله عنه وبأنه تم تجاوزه فى الخلافة عن النبى إلى إعتقاد بعض طوائف الإسماعلية الباطنية بتأليهه وتأليه الأئمة من بعده. وتمحور غالب مظاهر الغلو حول قضية الحكم والزعامة ينبيك بالأصل السياسى للغلو فى غالب الأحوال .ولم يقتصر الغلو المتصل بالإمامة على أهل التشيع بل تعداهم إلى من يزعمون أنهم أهل السنة. فهم على الرغم من كون عقيدتهم فى الإمامة أنها إمامة دين ودنيا يكون تحصيلها بالكفاءة والجدارة إلا أن بعضهم يجعل من شروط هذه الكفاءة الإنتساب إلى قريش إعتماداً على حديث لم يتفق العلماء على صحته مع مخالفته لأحاديث أعلى منه رتبة ، مثل حديث (أسمعوا وأطيعوا ولو تأمر عليكم عبد حبشى كأن رأسه زبيبة) وقوله فى حديث آخر (وإن أُمِّر عليكم عبدٌ مجدعٌ يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا) (صحيح مسلم:1298)،  ويلزم من الحديث طاعة الأئمة مهما كان عرقهم ووضعهم إذا كانوا متمسكين بالإسلام والدعوة لكتاب الله. ولا شك عندى أن الحديث الأول الذى رواه الإمام أحمد بن حنبل وكان أُشيع بالسياسة لتحقيق مآرب بنى أمية فى مواجهة دعوى أحقية أهل البيت، لا يعدو أن يكون واحدا من دعاوى السياسة التى لا يؤيدها مفهوم الدين العام فى أن الحق والتكليف مستنده على الجدارة والإستحقاق لا إلى العرق والإنتساب. والقائلون بأحقية قريش من السلفيين خاصة إنما يلتقون مع دعوى الشيعة فى كون النسب هو أصل الإستحقاق. ولا شك أن إستخلاف سيدنا ابى بكر على السقيفة كان أمرا مخالفاً للدارج من أعراف التولية والخلافة على السلطان . فإنما وُلى أبوبكرلأنه أقرب الأقربين فى الدعوة للنبى صلى الله عليه وسلم وهو كان ساعده الأيمن ومستشاره الأول وهو خليفته على إمامة الصلاة . وكما قال القائلون ( إرتضاه رسول الله صلى عليه وسلم لديننا أفلا نرضاه لدنيانا )بيد أن ذلك كان أمرا خارجاً عن العوائد فى ذلك الزمان وتلكم البيئة، بقدرما كان الاسلام نفسه ثورة على العوائد الجاهلية فى ذلك الزمان وتلكم البيئة . وكذلكم كان ترشيح أبى بكر رضى الله عنه لعمر رضى الله عنهما قائماً على مبدأ الجدارة والإستحقاق. ومما لاشك فيه أن طائفة من الصحابة كانوا على إعتقاد بإستحقاق سيدنا علي كرم الله وجهه ، ولكنهم قبلوا ببيعة المسلمين العامة عندما بايع المسلمون عمراً ثم عثمان رضى الله عنهما فيما بعد مع بقاء شىء فى النفس من ذلك الأمر الذى يرونه تجاوزاً لحق مستحق ، ولكنهم آثروا إطفاء نار الفتن ، حتى أصبح الأمر بين على ومعاوية رضى الله عنهما فأنفجرت أزمة الإمامة والسلطة التى لم يخمد أوارها تماماً حتى زماننا هذا الذى نعيش.وقد إستخدمت عبارة الوصى إستخداماً لغوياً أول الأمر بما يفيد إدعاءً أن النبى أوصى لعلى بالخلافة ، ولكنها حُورت من بعد وأخذت معانى عقدية لما إشتد التعصب وعلا كعب الغلو بين الاتباع.والمعنى المعتاد لكلمة الوصى نجده فى رسالة الحسين رضى الله عنه لأهل البصرة إذ يقول : (أما بعد …فإن الله إصطفى محمدا صلى الله عليه وسلم على خلقه وأكرمه بنبوءته وأختاره لرسالته ثم قبضه إليه وقد نصح لعباده وبلغ ما أرسل به صلى الله عليه وسلم وكنا أهله و أولياءه وأوصياءه وورثته وأحق الناس بمقامه فى الناس فإستأثر علينا قومنا بذلك فرضينا وكرهنا الفرقة وأحببنا العافية ونحن نعلم أنا أحق بذلك الحق المستحق علينا ممن تولاه وقد أحسنوا وأصلحوا وتحروا الحق فرحمهم الله وغفر لنا ولهم وقد بعثت إليكم رسولى بهذا الكتاب أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم )(فهكذا ترى فى رسالة الحسين رؤية بالإستحقاق وشهادة حق فى حق من تولى الأمر سواهم ، ولعله يشير إلى الخلفاء الثلاثة الراشدين ومطالبة الحسين بالحق لأنه مستحق عليهم وليس لهم أى هو واجبٌ متعين عليهم بحكم موقعهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم حسب ما يعتقد الإمام الحسين . وأما الوصاية بمعنى خاص مما يجعلها وكأنها حق إلهى ، فقد نسبوا أول تأويل تفسير الوصى بهذا المعنى لعبد الله بن سبأ والذى ينقلون عنه أنه قال لكل نبى وصى ووصى النبى صلى الله عليه وسلم هو علي ،كما نسبوا إليه سنة لعن الخلفاء الثلاثة الاوائل رضى الله عنهم ولعنه إن كان قال بما قيل إنه قاله.ولاشك أن غلو الشيعة مرجعه إلى فكرة الحق الإلهى التى كانت سائدة فى ذلك الزمان فى كل أرجاء المعمورة وهى تتجاوز فكرة الاستحقاق الإلهى إلى إدعاء شىء من المفارقة الأنسية للحكام وأن دماءهم ليست مثل سائر دماء الناس وأحوالهم ليست كأحوالهم .
زمان الفتن الشعواء :
لئن كانت حروب الخلافة فى وقعة الجمل وصفين والنهروان هى بداية الفتنة الكبرى، فإن ما أعقب قتل الحسين رضى الله عنه فى كربلاء والفتن التى تتالت بعده هى ما شكل مسارالتاريخ الاسلامى من بعد تلكم الاحداث الجسام.ورغم أن علياً زين العابدين أبن الحسين رضى الله عنهما قد إعتزل السياسة إلى العبادة والعلم حتى لقب بعلى السجاد فإن الشيعة ما تركوها لترك الإمام لها . وقد تنبأ على زين العابدين بفتنة الغلو فى التشيع فقد كان يقول فيما روى عنه 🙁 إن اليهود أحبّوا عزيراً حتى قالوا فيه ما قالوا ، فلا عزير منهم ولا هم من عزير ، والنصارى أحبّوا عيسى حتى قالوا فيه ما قالوا ، فلا عيسى منهم ولا هم من عيسى وإنا على سنّة من ذلك وإن قوماً من شيعتنا سيحبوننا حتى يقولوا فينا ماقالت اليهود في عزير ، وما قالت النصارى في عيسى بن مريم فلا هم منا ولا نحن منهم ) وكان الإمام السجاد يروى تبرؤ على كرم الله من الغلو كما ترويه مصادر الشيعة انفسهم(وفي الخصال قال أمير المؤمنين عليه السلام : إياكم والغلو فينا ، قولوا : إنا عبيد مربوبون وقولوا في فضلنا ما شئتم .ويروى الكليني بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال : جاء رجل من الأحبار إلى أميرالمؤمنين عليه السلام فقال :يا أمير المؤمنين متى كان ربك؟ فقال له عليه السلام : ثكلتك أمك ومتى لم يكن. حتى يقال متى كان. كان ربي قبل القبل بلا قبل وبعد العبد بلا بعد ، ولا غاية ولا منتهى لغاية ، انقطعت الغايات عنده فهو منتهى كل غاية فقال : يا أمير المؤنين افنبي أنت. فقال : ويلك إنما أنا عبد من عبيد محمد صلى الله عليه وآله وسلم .وفي رواية أبي الحسن الموصلي قوله كرم الله وجه ( إنما أنا عبد من عبيد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم).
بيد أن زهد السجاد فى السياسة لم يوقف النزاع فإن أبناء محمد ابن الحنفية قد حلوا محل أبيهم وعلى زعامتهم عبدالله بن محمد ابن الحنفية المكنى أبا هاشم .وقد تجمع النادمون على التفريط عن حماية الحسين فى حركة التوابين فى الكوفة وهؤلاء تجمعوا لحرب يزيد بن معاوية وإزداد الإضطراب بعد موت يزيد المفاجىء ثم موت معاوية أبنه وخليفته فى أقل من عام . وتولى مروان بن الحكم للخلافة وجمهرة الصحابة والتابعين له مبغضون ، فكثرت الثورات والفتن لكن مروان لم يعمر طويلاً.وأما فى الكوفة فقد إشتد الولاء لآل البيت بعد ضعف حكم بنى أمية وتنازع الأميين على الخلافة فى دمشق . وبرز فى العراق من بين الزعماء الموالين لآل البيت المختار الثقفى الذى آلى على نفسه وجيشه الإنتقام لدم الحسين وكانت حركته أول حركة ترفع شعار الانتقام بدلاً عن شعار طلب الحق لأهل الحق.وقد حاول المختار إستمالة محمد ابن الحنفية بعدما إستأس من إعتراف على السجاد بحركته وأطلق المختار الثقفى أسم المهدى على محمد ابن الحنفية رغم أن الاخير نهى الناس عن مناداته بهذا الاسم بل باسم محمد وبكنيته أبى القاسم كما هى كنية النبى صلى الله عليه وسلم.هذا وقد إحتشدت فارس لأول مرة من خلف المختار الثقفى عسى أن تأتى ثورته بابن الحسين الذى هو ابن بنت كسرى ان هى سقطت دولة بنى أمية التى قامت على التعصب للعرب دون سائر الأجناس التى دخلت دين الله أفواجا. وقد خلف عبد الملك بن مروان أباه وأستقر الحكم ملكاً عضوضاً يتوارثه الأبناء عن الأباء القرشيين بدعوى أن الخلافة فى قريش، وكأن أهل بيت النبى صلى الله عليه وسلم ليسوا من قريش.وأما المختار الثقفى فقد رفع شعار ( يا لثارات الحسين ) وإستطاع هزيمة الجيش الأموى فى أكثر من موقعة وإستطاع أن يقتل عبيد الله بن زياد وعمر بن سعد وحرملة بن كاهل وشمر بن أبى الجوشن ممن قتلوا الحسين وكان للمختار دور كبير فى نشر التشيع المتعصب حتى أنه أختلف مع طائفة من أهل البيت ومع عبد الله بن الزبير و مصعب بن الزبير الذى إستطاع القضاء عليه وعلى حركته فى العام 67 الهجرى.وبانتصار الزبيريين وتولى مصعب فى العراق وإستقلال عبد الله بن الزبير فى المدينة كاد الأمر أن يستقر لآل الزبير لولا أن مسألة هدم الكعبة لإعادة تشييدها على مقام إبراهيم قد فتنت الناس عن عبدالله فأنحازوا إلى عبد الملك بن مروان ، الذى بعث الحجاج لحرب ابن الزبير فدارت المعارك والمذابح بالحرمين الشريفين كما لم تحدث من قبل فى إسلام ولا جاهلية وقتل الألوف فى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى وقعة الحرة .
ومن حركة المختار الثقفى خرجت الشيعة الكيسانية وولاء هؤلاء لمحمد ابن الحنفية مثل الثقفى ولأغبنه عبدالله من بعده ، ذلك أن الإمام السجاد قد نأى بنفسه عن السياسة وفتنها الشعواء.وكان كيسان المنسوبة إليه هذه الفرقة أشد غلواً من المختار الثقفى فقد ذهب إلى إتهام الخلفاء الراشدين بالشرك وزعم كيسان أن المختار الثقفى قد خوطب بواسطة جبرائيل وزعم أن محمد ابن الحنفية هو الوصى من بعد على كرم الله وجهه بوصية من أبيه دون أخويه الحسن والحسين . وقال بعض الكيسانية من بعد بالتتالى بين محمد ابن الحنفية وبين الإمامين الحسن والحسين رضى الله عنهم جميعاً . والكيسانية هى مبتدعة فكرة الغيبة لما زعمت أن محمد ابن الحنفية لم يمت بل إستترفى جبل بأنحاء المدينة ، وهم من أشاعوا دعوى المهدية من بعد المختار الثقفى وزعموا ان أبن الحنفية هو المهدى المنتظر المستتر. بيد أن الأمور إتجهت إتجاهاً جديداً بعد أن تولى الإمام محمد بن على بن الحسين السجاد المعرو ف بالباقر موقع والده بعد وفاة الأخير فى العام 94 الهجرى . وكان الباقر من أئمة العلم فقد تتلمذ على يدى عبدالله بن عباس فكان حبراً من أحبارالعلم ولقب الباقر لما قيل أنه بقر بطن العلم فأنكشفت له الاسرار.فبتولية الباقر بدأ الإهتمام يعود مرة أخرى لأبناء الحسين وبخاصة بعد موت عبدالله بن محمد ابن الحنفية فى العام 94هجرية ووصيته لعبدالله بن على بن عبدالله بن عباس ، فزعم العباسيون أنهم أصحاب حق مع إستمرار تواليهم مع أهل البيت ضد بنى أمية.وقد إلتف الشيعة من فارس خصوصاً حول الإمام الباقر، بل زعم بعضهم مثل المغيرة بن سعيد أن الباقر كان إلهاً ، ورغم تبرؤ الإمام الباقر منه إلا أنه لم يعدم من يتابعه فى تعصبه وغلوه الباطل.ويذهب كثيرون أن المذهب الشيعى قد أخذ صورته المعلومة على عهد الامام الباقر إذ ضعفت الدعوة الكيسانية ، وبدأ الشيعة وهم يرون الدولة الأموية تتداعى فى أوج نشاط دعوتهم.وكانت الدعوة تتمحور حول أحقية أهل البيت بالإمامة وواجبهم فى القيام بحقها . وكان غالب الشيعة ينأون بأنفسهم عن الغلو المتمثل فى التطاول على الخلفاء الراشدين وأمهات المؤمنين عائشة وحفصة . وكانوا يتحاشون المبالغة فى نعت أوصاف للأئمة ترفعهم فوق مقام الإنسية. وكان ذلك التحفظ بسبب شدة الائمة من أهل البيت على المتجاوزين من أتباعهم ،لكن الأمر لم يخل كما ذكرنا من جماعات غالية متشددة بل وخارجة عن الملة أحيانا،ليس بزعم تأليه أهل البيت فحسب ، بل بتأليه بعض زعماء أهل البدع هؤلاء. ولا تقف طامتهم عند تعظيم وتأليه الأئمة والزعماء ، وإنما تذهب إلى شيطنة خصومهم وتكفيرهم وإستحلال دمائهم وأعراضهم ، وهو المشهد الذى ساد على مر العقود والقرون ولا نزال نراه يتكرر أمام الأعين والأبصار صباح مساء فلا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.
نواصل