أسرار وخفايا محاكمات المقدم حسن حسين ورفاقه (2/2)لم أسمع من حسن حسين أية إشارة لشخص أو جماعة سياسية داخل المحاكمة

نقد الله نفى معرفتهم برجال الانقلاب وقال : لاشفناهم ولا بنعرفهم

حوار: ماجد محمد علي

ليس بعيدا في تاريخنا يقبع ما اصطلح على تسميته بالانقلاب الغامض والمختلف حول حقيقته واهدافه وابعاده، وكعادة الاحداث الكبرى
في هذا البلد طمست السنوات المتلاحقة سير ووجوه من شارك في هذه العملية، بحيث لم تبقَ غير صورة المقدم حسن حسين ببذته العسكرية وملامحه الباعثة على التأمل، ولأن شهر سبتمبر وذكرى المحاولة الانقلابية سعت « الصحافة» الى ممثل الدفاع في المحاكمات التي تلت فشل المحاولة المحامي «عبدالحليم الطاهر»، علها تسلط مزيدا من الضوء على ماحدث في سبتمبر (1975)، وعلها تنجح في استنطاق الرجل الذي اختاره حسن حسين من دون بقية المحامين الكبار للدفاع عنه وعن رفاقه في محاكمات «عطبرة» الدموية.
ونشير إلى أن الحلقة الأخيرة من هذا الحوار سيتبعها نشر كامل لمرافعتي الدفاع والاتهام لاغراض التوثيق لا غير.

َ{ مازلت تصر على أن انقلاب «5» سبتمبر لم يكن يستهدف خدمة توجهات عنصرية؟
ــ نعم وسأصر على ذلك الى يوم الدين، فهؤلاء الضباط ومن تبعهم من العساكر ضاقوا بالاستبداد والفساد وتنعم قلة من الناس بأموال البلاد، فيما الجماهير تعيش في جوع وفقر ومسغبة، وبعض المشاركين كانت ظروفهم أشد ضراوة.. فلا يجدون ما يأكلون او يعمل.
{ وهل انت على يقين مما تقول؟
– نعم انا على يقين من ان المحرك الاساس كان دوافع الضباط الوطنيين أنفسهم
{ طيب .. هناك دلائل على تورط سياسيين من حزب الامة وغيره في الامر؟
– يوجد اناس من « حزب الامة» وهناك عثمان عبدالسلام « وطني اتحادي» وهذا شهد في المحاكمة لصالح المجموعة.
{ وماذا عن بكري عديل تحديدا..؟
-والله هو قريب للمجموعة.. لكن مافي واحد عارف الحقيقة بالضبط
{ طيب ألم يرد في التحقيقات او يصلك ما يفيد بتورط سياسيين آخرين؟
-لا كما قلت سابقا.. وتردد حينها وجود كثيرين لم تذكراسماؤهم
{ هل تستر المقدم حسن حسين عليهم؟
-الرجل لم يذكر اسم احد ونفى وجود آخرين، وتحمل مع الضباط المسؤولية. وخلال سير القضية لم يتعرض الضباط الثلاثة لذكراسم اي شخص آخر، بل انه كانت توجد بينات ضد «عبدالرحمن جلجال» الذي كان عسكرياً قديماً في الطيران، ورغم ذلك نفى حسن حسين تماما اشتراكه في المحاولة.
{ كل ماتقول يذهب في تأكيد مشاركة آخرين في الانقلاب؟
-انا اقول انه لم ترد في المحاكمة ولا التحقيقات اسماء آخرين، ولم يعترف الضباط على آخرين،ولكن كانت هناك شخصيات سياسية كبيرة مشاركة ومنها من سارع لزيارة المطار والمواقع الاخرى بعد استلام المجموعة لها، ومنها من كان يحاول المشاركة في الانقلاب والوضع الجديد. وهم من احزاب اخرى. ولكن الاغرب ان بعضهم بعد فشل الانقلاب وبداية المحاكمات شارك في محاكمة الضباط.
{ كيف ؟
-شاركوا في اعمال التحقيق والمحاكمة من خلال مواقعهم، لكن الضباط لم يتعرضوا لذكر اي احد وانا شخصيا لم اسمع من حسن حسين وبقية المجموعة اي اشارة لشخص او جماعة سياسية داخل المحاكمة او خارجها.
{ بماذ تفسر ذلك؟
-الضباط تمتعوا بنبل غير عادي ولم اعهده ونفوا لي منذ البداية وجود اتصال بينهم واي قوة سياسية، لا الترابي ولا حزب الامة. وهذا رغم ان عبدالرحمن نقدالله شارك في المحكمة كشاهد اتهام، وكان ان قدم شهادة في صالح المتهمين، وذلك لان شاهد الاتهام الاساسي محمد بخيت قال انه كان مع المجموعة وينتمي لحزب الامة الذي يساند الانقلاب،
وادعى ان المخطط كان عنصرياً ويستهدف عمليات اغتيال وغيره.
واهمية شهادة نقدالله في انه نفى اولا انتماء الرجل لحزب الامة واكد ان بخيت لم يكن حزب امة لاماضيا ولا حاضرا. ثم ان نقد الله نفى معرفتهم برجال الانقلاب تماما وقال : لاشفناهم ولا بنعرفهم.
{ على ماذا ارتكزت شهادة محمد بخيت؟
-قال في التحقيقات ثم في المحاكمة ان جميع المتهمين اشتركوا في التخطيط والتنفيذ، وان الامر كان يتم باسم « الجبهة القومية»، وانه المسؤول العسكري عنها بتكليف من نقد الله وعمر احمد عمر، ثم قال انه اختار عباس برشم كنائب له، وانه اخطر من قبل نقدالله بأنه سيتم انقلاب وان برشم اعلمهم باكتمال التجهيزات.
وعموما هذه الشهادة احتوت على العديد من المتناقضات مما ادى الى نسفها حسب تقديري كمحام فيما بعد عبر شهادة كل من نقدالله وعثمان عبد السلام.
{ وما هي دوافع محمد بخيت؟
-الرجل سلم نفسه للمحققين واي حاجة عايزنها بقولوها ليهم واتضح كذبه اكثر من شهادة نقدالله ، والاخير لا يكذب ابدا ولا ويوجد ما يدفعه له لانه لم يكن متهما.
{ هل كانت اجواء تلك المحاكمات عادلة..؟
-اعتقد ذلك، كان في مقدمتهم اللواء عبدالله حسن سالم وهو معروف بأنه «حقاني» ثم انه مؤهل وحاصل على ماجستير في القانون من جامعة لندن، وانا شخصيا كنت متفائلاً باختياره لانه ليس زول ساكت. وهناك لواء آخر من البحرية اسمه يوسف حسين، وغيرهما، ولم يكن اعضاء المحكمة من المتشنجين واعتبرتهم معقولين. ومنهم ايضا رئيس المحكمة خالد المقبول الامين.
{ هل تعاملوا مع الدفاع والمتهمين بعدالة ام ان المحكمة كانت صورية؟
-لا كانوا ممتازين جدا ويلبون كل طلبات الدفاع، وينصتون باهتمام لكل ما يقال.
{ هل كان نميري يتدخل في المحاكمة؟
-لا لم يكن يتدخل اطلاقا، لكن في ناس من طرفه كانوا يتابعون المحاكمة
{ مثل من؟
اللواء محمود عبدالرحمن الفكي وكان زي مشرف على المحاكمة وكان بيقول انو المجموعة دي لازم يعطفوا عليهم وكده.. كان في موجة تعاطف شديد معهم. واهمية كلام هذا اللواء انه يعكس اتجاه نميري من القضية، ودا مفهوم لانهم لم يرتكبوا ما يستحق الاعدام.
{ اذا ما الذي دفع المحكمة للانحراف عن هذا المسار التعاطفي للاعدامات؟
-ما معروف انا مشيت في اتجاه ان تعاقب المجموعة بالسجن، لانو السياسي عندما يسجن « بيطلع» في يوم من الايام ولو حوكم بمائة عام، وتفكيري في مستقبل وحياة هذه المجموعة دفعني لعدم التشدد في المحكمة وتحويلها هي ودفاعي لمهرجان استعراض ضد مايو ينتهي بإعدامهم. واحب انا اوضح بأن مواقفي من كل شئ واي شخص كانت معروفة قبل اختياري للمحاكمة لكل الناس ومن النظام وحتى اعضاء المحكمة .
{ ماذا تعني ؟
-لا يمكن ان ننتظر ان تطلع قيادة من محكمة عسكرية صاغ سليم، خصوصا في مثل هذه المحاكمة ، القيادي لمن يسجن ما عنده مشكلة.
{ هل بنيت دفاعك فقط على تحاشي العقوبة القصوى؟
-لا انا بنيت دفاعي على نفي كل التهم خصوصا وان الشهادت الرئيسة في قضية الاتهام غير صحيحة، لكني تعاملت بعقلانية داخل المحكمة ومع اعضاء المحكمة حتى لا استفزهم واستفز الآخرين من قيادات مايو فيبطشوا بالمجموعة و…
{مقاطعة: هل تعرضت لمضايقات كمحامي دفاع في هذه القضية..
-ابدا .. وكل ما حدث في بداية المحاكمات ان البعض تضايق من وجودى في هذه المحاكمة الكبرى ايضا،وتحدثوا عن ذلك امام نميري،
ونقل لي ان نميري رد عليهم بالقول: لو دايرين دخلوا مع المجموعة في القضية.
{ أين كنت لحظة النطق بالحكم؟
-كنت في الخرطوم، ونظام المحاكم العسكرية اعلان الحكم بعد التداول والتصديق عليه، وهذا تم بعد رفع المحكمة. والغريب انهم اعلنوا الاحكام بعد تنفيذها ، اي بعد اعدام المجموعة.
{ ماهي ملاحظاتك على الجلسة الاخيرة؟
-تليت مرافعة الدفاع واستمعت بعدها لمرافعة الاتهام وكان ذلك في يوم 19/ 12(1975) وللامانة اجواء المحكمة لم تكن بشئ مما اعلن في الصحف ولا تعبر الاعدامات عن رأى اعضاء المحكمة.
فقد وجدت المجموعة تعاطفا كبيرا من الاتهام والقضاة، وحواراتي الجانبية مع الاتهام والقضاة تؤكد ذلك، فقد قالى لي احدهم ذات يوم : ياعبد الحليم اعمل ليك اي حركة عشان نحن نتحرك معاك. وتجربتي كمحام فضلا عن ما لمسته خلال الجلسات كانت تشير الى ان المجموعة ستسجن لا غير.
{ هل تشدد ممثل الاتهام تجاه المجموعة في مرافعته الختامية؟
-كان ممثل الاتهام المستشار بكري سر الختم وقدم مرافعة طويلة لكنها لم تكن متشددة، فهذا الرجل عندما لمس اتجاهي غير التصعيدي في المحاكمة، ومحاولاتي لان تضع المحكمة في اعتبارها مجموعة من الحقائق المتصلة بالقضية مثل عدم قتلهم لاحد او عدم وجود صلة لهم بتهم العنصرية المزعومة والكريهة او مخططات الاغتيال او علاقة بالاحزاب السياسية. ولم يطالب ممثل الاتهام بتوقيع عقوبات قصوى،
ولم يكن بحدة ممثل النيابة المعهودة. وقد شعرنا من المستشار بكري بأن اتجاه الاتهام يذهب للمطالبة بالسجن. ولذلك انا ادعم ان اتجاه النميري كان سجن المجموعة.
طبعا المحاكمات العسكرية ما فيها استئناف.. لا ترفع الاحكام لنميري للتأييد او التخفيف، وتداول حينها انها رفعت
لنميري كي يجعل الحكم (14) سنة، وانه كان غير موجود وتحولت الاحكام للاعدام على يد أبو القاسم محمد إبراهيم.
{ وهل كان نميري سيتعاطف مع المجموعة؟
-لا يوجد سبب يمنع ذلك، فهم لم يقتلوا له احداً او يخربوا، وعلمت انه كان متعاطفاً فعلا، وهناك ما يساعد على ذلك فالمجموعة التي اعدمت لم يكن من بينها قيادات كبيرة في الجيش فحسن حسين مقدم والآخران نقيب وملازم اول.. الانقلاب ليس به لواء او حتى عميد!! ثم ان بقية المجموعة عساكر لا يتجاوز عددهم (300).
{ لكن الامر انتهى حتى بإعدام المدنيين في هذه المحاكمة؟
-نعم اعدم مع الضباط الثلاثة مجذوب النميري واحمد المبارك وعباس برشم وعبدالرحمن جلجال.
{ هل انت راض عن ادائك المهني في هذه المحاكمة؟
-انا وازنت موازنة دقيقة وليست سهلة، اتجاهاتي وطنية اشتراكية، لست حزبياً وكنت نظيفاً لم اشيل من الحكومة قرش رغم اني عملت في القضاء والنيابة. كنت حريصاً على التوازن الكامل في هذه القضية حتى لا يُضارالمتهمون.
{ نعود للسؤال..
-انا شايف انو المجموعة لم تعمل ما يستفز الناس لم يقتلوا احدا او يستهدفوا اشخاصاً، نعم عملوا انقلاب ومشوا الاذاعة اعلنوا بيان يشبه « توتو كوره»، لانو بيانهم الاصل ضاع في ظروف غريبة. حياة هؤلاء عندي كانت اقيم من ان اكسب قضية. وموقفي ومساري في الدفاع قاد المحكمة واغرى الاتهام في نفس الطريق، لم احول المحاكمة لمظاهرة سياسية، ولكني لم اسلبها طابعها السياسي المعتدل.
اما في النواحى القانونية فقد تعرضت للتعديل الدستورى واكدت ان المحاكم غير دستورية لان الضباط كان يجب ان يحاكموا بقانون القوات المسلحة لا قانون امن الدولة المستحدث، والمدنيون يحاكمون امام محاكم مدنية مش عسكرية. وبعدين ارتكزت على عدم وجود بينة في القضية الا من شريك مثل محمد بخيت، لان القانون يقول بأن البينة
عندما تأتي من شريك لا يعدم المتهم، واكدت ان الحكم بالاعدام كان خطأ في القانون. وبعدين شهادة الشريك في الشريعة ذاتها «شبهة»، «وخير للامام ان يخطئ في العفو من ان يخطئ في الادانة».
{ في حواراتك الخاصة مع الضباط الثلاثة هل حملت وصايا حسن حسين والآخرين؟
-لا لم احمل وصية منهم لاحد
{ ولا حتى رسائل؟
-لا مع انو كان ممكن لكنهم لم يبادروا بطلب ذلك.
{ هل قابلت ايا من اسر المجموعة بعد الاعدامات؟
-ابدا لم اسعَ لذلك وهم لم يسعوا، وربما كان لتكليفي عبر المعونة القضائية دورفي ذلك.
{ وهل التقيت بهم اثناء المحاكمة؟
-لا طيلة اكثر من شهر تقريبا في عطبرة لم ألتق بهم، ولا اعلم ان حضروها ام لا.
{ لماذا اختيرت عطبرة لهذه المحاكمة؟
-والله ما بعرف!. ثم عاد ليقول بعد ان ران الصمت:
هم عايزين يبعدوا من المدينة هنا، وبالذات امدرمان.
وطبعا عطبرة مافيها ..؟
{ هل كان ذلك خوفا من احتجاجات..؟
-اعتقد كده
{وماذا عن مصير الـ (300) الآخرين..؟
-سجون تقريبا ، كانوا اعدادا كبيرة واطلق بمرور الزمن سراح المحامين
{ هل التقيت فيما بعد باي من اعضاء المحكمة؟
-نعم رئيس المحكمة خالد المقبول واكثر من مرة
{ وماذا دار بينكما؟
-بادرته بالسؤال : ده شنو العملتو دا؟
فرد علي بعد ان لوح يديه « ديل ما نحن ياعبد الحليم»!.
{ وكيف تنظر لما انتهت اليه القضية بعد كل هذه السنوات ؟
-والله الناس ديل ظلموا تماما، رغم انهم كانوا تركيبة بسيطة من الناس ولم يفعلوا ما يبرر الاعدامات. واتمنى ان يسهم هذا الحوار في توضيح صورة المجموعة امام الناس ويصحح التاريخ المغلوط والمشوه عن انقلاب 5 سبتمبر 1975.