قصة قصيرة.«آمنة البعاتية»

السمؤال شمس الدين

عانقتني آمنة..جاءت من اللامكان قدرا محتوما.. ألصقت جسدها الأربعيني المكتنز.. بجسدي النحيل.. ثم أفلتتني مانحة إياي نظرة ميتة.. ودمعة حزينة.. صمتت جنبات الحي وتصلبت أزقته.. فقد اختارت «آمنة البعاتية» الراحل القادم..
وتحدث الأسطورة انّا.. حينما كنا صغارا.. صغارا.. كانت آمنة أشهى بنات الحي.. تلقفتها يد المنية في ليلة زفافها الباهي باهر الزينة.. أو هكذا خيل للطبيب الذي أعلن وفاتها في منتصف تلك الليلة.. سوى ان زوجها الكليم اكتشف انقباضا في سطح كفنها .. جعله يعيدها إلى المستوصف بعد ان احتوى القبر نصف جسدها أو يزيد.. فكانت آمنة الآدمي الوحيد الذي أدخل إلى القبر بكفنه.. ثم عاد ليعيش بيننا..
لكنها وعقب يقظتها من غيبوبة استمرت لليال ثلاث.. نهضت عن الفراش رغم إعيائها.. واحتضنت فقط أقرب صديقاتها إلى قلبها.. قبل ان تمنحها ابتسامة مبهجة.. وامتنعت عن ان تلامس إنسا غيرها.. لاقت صديقتها تلك حتفها عقب ليال ثلاث.. كانت أولى ضحايا عناق أمونة المميت..
واصلت أمونة امتناعها عن ملامسة البشر.. فقيل جُنَّت آمنة.. وقيل مُسَّت آمنة.. وبعد إسبوع فقط عقب ان تركها زوجها مرغما.. أصرت على زيارة جارتها العجوز في المستشفى.. في العاصمة.. اناخ والدها العطوف عنان الطاعة أمام إصرارها القاتل.. ومنذ ان دخلت إلى غرفة العجوز المريضة.. ارتمت على فراشها تعانقها.. قبل ان تفلتها.. وتمنحها ابتسامة مبهجة.. فارقت العجوز الحياة في غضون ليلة.. وهكذا بدأت أسطورة «آمنة البعاتية» في التناقل بين الألسنة.. ان تشتهي آمنة عناقك.. فذلك ان يشتهيك الموت.. والموت حين يشتهي.. لا بد ان يقضي وطرا.
سرت باتجاه منزلي.. وكل من رأى ذاك العناق يشيعني بنظراته المودعة.. الآسفة على شبابي الغض.. دخلت المنزل.. القيت ثقلي على فراشي العاري.. وناظرت السماء.. هل انا حقا راحل؟؟ إذا لم لا أحس بدنو الأجل؟؟ لم لا أخاف ولا أفرح ولا أحزن؟؟ لم لا أسعى لصلاة أخيرة تقربني من غفران ربي؟
دخلت أمي الغرفة كإعصار هائج.. سألتني دون مقدمات: آمنة حضنتك؟
قلت: نعم..
فابتدرت سلسلة صرخات لا تنتهي..حق لها.. لم يحدث ان عانقت أمنة «البعاتية» بشرا دون ان يفارق الحياة في بحر أيام ثلاثة.. أذكر يوم ان عانقت «الشيخ مرزوق» إمام الزاوية.. كيف انه جاب أطراف الحي هاتفا: غدا ألقى الأحبة.. محمدا وصحبه..
لكن عناق آمنة لم يمهله للغد.. مات مساءً على فراشه.. مبتسما.. الآن تبكيني أمي.. لم لا أرحل مبتسما كالشيخ مرزوق؟؟ هل انا «فاسق» لهذه الدرجة؟
دائما حين تتقصدك آمنة بعناق.. تظهر أمامك كأنما خرجت من باطن الأرض.. أو سقطت من أحواز السماء.. لا تمهلك لحظة للهرب.. تطوقك بذراعيها.. وتنفحك رائحة الحنوط التي تفوح منها ليل نهار بلا انقطاع.. هيبة الموت بين حاجبيها تمنع حتى الصغار من معايرتها باسمها: «البعاتية».. حاول البعض قديما إقناع والدها بنفيها عن الحي.. معللا ذلك بانها سبب للموت.. قبل ان يقر في إدراك الجميع.. ان آمنة لا تقتلك.. فقط هي تنبهك لدنو أجلك.. هكذا عاشت بيننا صامتة واجمة.. لا تلامس أحدا إلا نادرا.. ولسبب معلوم.
لم أنهض من فراشي ذاك.. وانا أتذكر كل الذين عانقتهم أمونة.. قصص الطفولة.. أبحث بين أضابير الذاكرة عن قصة واحدة فقط.. لبشر عانقته.. ثم نجا.. فلم أجد.. أسمع من حولي صرخات أمي.. همهمات أبي.. أحاديث بعض الجيران.. وانا جسد مسجى على الفراش العاري.. كل حين أتلمس جسدي لأعلم.. هل ما زلت أسكنه.. ام انني محض روح تجوب الفضاء؟
حين غفلة منهم.. وملل مني.. نهضت خلسة.. وغادرت المنزل.. أعلم ان أمي لم تكن لتتركني أخرج خوفا علي.. لذا كان لا بد من التسلل.. واختلاس الطريق.. بعد لحظات كنت أجوب أزقة الحي.. يلفني الظلام والموت.. أسير بلا هدى.. وبلا وجهة محددة.. غاب عن بالي جميع الأصدقاء.. لا قصة تحكى.. فمن يحكي قصة موته؟؟ طاف ببالي ان أذهب إلى دار آمنة.. أسألها.. هل حقا سأموت؟ استحضرت ان أحد الراحلين إثر عناقها كان قد فعل ذلك.. ذهب إلى دارها وصرخ.. ظل يصرخ يسألها من خلف باب الدار المغلق.. حتى انبلج الصبح.. فلم تجبه.. ولم ينج..

تتعرج بي الطرقات كيفما شاءت.. يلفني الظلام أكثر.. وأكثر.. وانا أغيب عما حولي من الموجودات أكثر.. وأكثر.. صرت لا أستطيع ان أرى امامي.. كان الظلام كثيفا.. كثيفا جدا.. كنت كمن يبحث عن الموت في داخله.. أو ربما انا الآن في عداد الموتى.. ألهذا لا أستطيع ان أرى شيئا.. لالا.. مهلا.. أرى من على البعد ضوءا يقترب.. مسرعا.. يبدو كضوء سيارة.. أبتغي ان أبتعد عن طريقها ناهبة الأرض.. سوى انني لم أستطع.. تسمرت قدماي إلى الأرض.. لست خائفاً.. لست مرتجفاً.. لكن قدماي ترفضان التزحزح عن موضعهما.. والضوء يقترب بسرعة مخيفة.. ولا أسمع سوى صوت المحرك.. أهكذا كان موتي؟؟
يغمرني ضوء السيارة.. صوت المحرك.. قبل ان يلفني الظلام من جديد…..

فتحت عيني.. الضوء يدخل ببطء.. إنه ضوء النهار بلا شك.. كم لبثت؟ أين أنا؟ أستطيع ان أرى شبح أمي.. حيطان المستوصف البيضاء المشربة بلون الطين.. أستطيع ان أرى والدي.. صديقين لي في ركن الغرفة.. استحضرت ببطء عناق آمنة.. ليلة الأمس.. صوت المحرك.. الضوء المسرع باتجاهي.. أستطيع ان أسمع صوت والدتي.. طبيب المستوصف يقول لي: حمدالله على السلامة يا بطل..
أراه مبتسماً.. أمي تكاد تنطق عيناها فرحاً.. أحد أصدقائي يقترب من أذني.. ليخبرني: بالمناسبة.. آمنة البعاتية ماتت أمس في سريرها.. بس ما صحت الصباح.. دفناها جد جد المرة دي.
تتسع ابتسامته.. ويعود إلى ركن الغرفة من جديد.. زغرودة أمي ترج أطراف الغرفة.. بل والمستوصف بكامله.. كانت على ما أظن فخورة بابنها المقاتل.. ذلك الذي انتصر على الموت.. وعلى آمنة البعاتية.. كم لبثت؟
اقتربت أمي تحاول ان تعانقني.. وجدت يدي تصدها دون حول مني ولا قوة.. صغرت ابتسامتها قليلا.. لكنها مازالت تزين شفتيها..نظرت إلى صديقي هناك في طرف الغرفة.. رغم إعيائي.. شعرت برغبة هائلة في النهوض.. حاول أبي ان يمد لي يد العون.. منعته أيضا دون حول مني ولا قوة.. شعرت بالتقزز من رائحته.. أبعدته بعنف.. لم أدرك ماذا يحدث.. كنت فقط أحس برغبة عارمة لا تقاوم في الوصول إلى طرف الغرفة.. وعناق صديقي.. كان متوجساً خيفة حينما منحته عقب العناق ابتسامة مبهجة.. وقال لي:
«لماذا تفوح منك رائحة الحنوط؟؟..»