الأحزاب السودانية والمسئولية الإجتماعيَّة

يبلغ عدد الأحزاب السودانية «116» حزباً. غير أنها على كثرتها الوافرة تفتقد بالكامل إلى المبادرة والمسئولية الإجتماعية. بل في هذا السِّياق تسجّل غياباً تاماً مزرياً. وتجسِّد حقيقة فاقد الشيء لا يعطيه. حيث لا تجد بينها حزباً واحداً يتحلَّى اجتماعياً بما كان يتحلَّى به «طرفة» . إذا القومُ قالوا مَن فَتىً خِلت أنني عُنيت فلم أكسل ولم أتبلَّدِ. وإذا كان «سالم الأرباب» «قيدومة العيال»، فلن تجد في الأحزاب السودانية على تكاثرها تكاثر الفطريات ، سالم أرباب واحد. لن تجد أبداً بين الأحزاب السودانية «قيدومة العيال». ولكن كما يقول الصالحون إنَّ «المبادرة» إلى عمل الخير من توفيق الله للعبد. لن تجد حزباً سودانياً واحداً مبادراً، بل جثث ومومياءاتٍ. إجراء «إختبار المسئولية الإجتماعية» للأحزاب السودانية المائه وستة عشر، سيكشف نتيجة «لم ينجح أحد». في الدول النامية هناك العديد من الأحزاب السياسية التي برهنت على إنسانيتها العميقة وحسَّها العالي بالمسئولية الإجتماعية . حيث حاز حزب «العدالة والتنمية» في تركيا ثقة الناخبين في ثلاث انتخابات متتالية، وذلك ما لم يُحظى به ولم يحرزه أى حزب تركي منذ قيام الجمهورية. إنتصارات حزب العدالة والتنمية التركي ذات صلة وثيقة بالعمل الإجتماعي الإسلامي الذي ظلت تقوده لعقود طويلة «حركة بديع الزمان سعيد النورسي». وهي تجربة عملاقة في العمل الإجتماعي الإسلامي. في لبنان ساهمت المشروعات الإجتماعية التي أقامها «حزب الله» في تعزيز مكانته السياسية وتصاعد شعبيته. وقد فاقت أحياناً مشروعات «حزب الله» الإجتماعية التي تخدم المواطن، ما تقدِّمه الدولة في محاربة الفقر والصحة والتعليم، وغيرها. على نفس النهج جاء انتصار الإسلاميين في الإنتخابات المصرية. حيث استند ذلك الإنتصار الإنتخابي الديمقراطي الباهر الذي أحرزه حزب «الحرية والعدالة» إلى قاعدة صلبة من عمل الجمعيات الأهلية الإسلامية في مصر، والتي ظلت عشرات السنين تقدم خدماتها لملايين المصريين. حيث هناك ستّ منظومات تنطوي تحتها الجمعيات الأهلية الإسلامية في مصر، هي «الجمعيات الإسلامية» التي ترتبط بالتراث الإسلامي والثقافة الإسلامية والفكر الإسلامي والتاريخ الإسلامي، و«جمعيات المساجد» التي نشأت في إطار أنشطة أحد المساجد وأطلق عليها اسمه وأصبح محور نشاطها، و «جمعيات الحج» التي ترعى تسهيل الحج والعمرة. وهناك أغراض أخرى ترعاها «الجمعيات» تهمّ المواطن، كما ترعاها «الجمعيات المركزية»، و هي تخدم أغراضاً متعددة ولها فروع في المحافظات «الولايات»، مثل «الجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالقرآن والسنة المحمدية» و «جمعية الشبان المسلمين» وجمعية «الشابات المسلمات» و «جماعة أنصار السنة المحمدية»، وغيرها من الجمعيات الخدمية الإسلامية التي أنشأت مستوصفات طبية «إسلامية» ومدارس إسلامية ، وغير ذلك. المدى الإجتماعي لنشاط الجمعيات الأهلية الإسلامية المصرية يتجاوز بكثير نطاق عمل حركة الإسلام السياسيّ. كما لا توجد صلة مباشرة بين تلك الجمعيات الأهلية الإسلامية وجماعات الإسلام السياسي، غير أنها توفّر الأرض والمناخ لنمو وازدهار الإتجاهات الإسلامية السياسية. وفقاً لمسح الجمعيات الأهلية في مصر، التي بلغ عددها في مطلع التسعينات «13.239» جمعية، بلغت نسبة الجمعيات الأهلية الإسلامية منها «34%». حيث استخدمت الجمعيات الدينية منهجاً أفاد من منهج «البعثات التبشيرية»، مثل تقديم الإعانات إلى الفقراء وإنشاء المدارس المجانية للتعليم وتحسين مستوي المعيشة للكادحين وتلبية احتياجات الطبقات المسحوقة وإنشاء المساجد. وغير ذلك من مشاريع الإصلاح الإجتماعي. بعض تلك الجمعيات انخرطت في العمل السياسي منذ بداياتها مثل جمعية «الشبان المسلمين» التي تأسست عام 1927م و «الإخوان المسلمين» التي نشأت عام 1928م.
*نواصل