التسرب المدرسي

«1»
تشكل ظاهرة التسرب المدرسي اشكالية كبرى في السودان ، تتعدد المظاهر والمستويات وتتنوع الصور وتبقى القضية ماثلة وشاخصة ، تهدد مستقبل الامة وتمثل (وصمة ) عيب في جبين الدولة والمجتمع ، ومع غياب ارقام فعلية فإن التقديرات تشير الى أن النسبة تتجاوز 40% ، وربما تصل في بعض المحليات نسبة 73% ، وهو امر مخيف في وقت تتجه فيه الانسانية الى محطة محو الأمية فإننا نواجه تجدد هذه الظاهرة المحزنة ، ولعلنا نرد الاسباب بتوقعات (كسولة ) الى الظروف الاقتصادية ، دون دراسة واقعية تتضمن حلولا واقعية ، فهذه الظواهر ذات طبيعة معقدة ما بين الاسرة والمجتمع والبيئة المدرسية والوسائل التعليمية ، وقبل كل ذلك الحافز والشغف . ان التسرب المدرسي يمثل إهدارا تربويا هائلا وتأثيره سالب على جميع نواحي المجتمع وبنائه ، فهو ( يزيد من حجم الأمية والبطالة ويضعف البنية الاقتصادية الإنتاجية للمجتمع والفرد، ويزيد من الاتكالية والاعتماد على الغير في توفير الاحتياجات، ويزيد من حجم المشكلات الاجتماعية من انحراف الأحداث والجنوح كالسرقة والاعتداء على الآخرين وممتلكاتهم مما يضعف خارطة المجتمع ويفسدها. والتسرب يؤدي إلى تحول اهتمام المجتمع من البناء والإعمار والتطور والازدهار إلى الاهتمام بمراكز الإصلاح والعلاج والإرشاد ) ، ويعطل الطاقات والقدرات الابداعية ويؤثر على العملية الانتاجية . إن الامم الشابة والناهضة تتطلع الى شباب بقدرات تعليمية عالية . لقد انحسرت المهن والحرف التي تتطلب مستويات تعليمية محدودة ودنيا او وسطى ، وقد فرضت التنقية سيطرتها على كل مجالات العملية الانتاجية وتتطلب قدرا من التعليم والمعرفة.
(2 )
لقد ابتكرت ولايات كثيرة افكارا لاستيعاب اكبر عدد من التلاميذ في سني التعليم ، وآليات ومحفزات اخرى للحفاظ عليهم في مقاعد الدراسة من خلال انشاء داخليات وتوفير وجبات ومساعدة الاسر الفقيرة ، والمطلوب اكثر من ذلك دراسات تحدد اسباب النفور من التعلم ، وقدرة المعلم على تحفيز التلاميذ واستقطابهم وفاعلية المدرسة في توفير جو معافى ، وجهد الحكومة في انزال تشريعات الزامية التعليم الاساسي ومنع ظاهرة (عمالة الاطفال ) ، وضمان جودة التعليم وفق معايير عالية تسمو بالذهن والفكرة والعقل ، وفوق ذلك تزكية التفكير الجمعي المجتمعي والذي يجعل الانصراف عن التعليم امرا (معيبا ) . إن اكبر إستثمار مستقبلي هو توسيع مظلة التعلم والتعلم ، واكبر خسارة هي جيل ضائع دون تعليم ، ومثلما ابتدرت الحكومة حملة لجمع السلاح ، فإن إبتدار حملة لإزالة الأمية وايقاف هذا النزيف ذات اولوية قصوى وأهمية بالغة . إن كثيرا من مشاكلنا سببها الافتقار الى التعليم والجهل ، لان علامة المعرفة وعنوانها الالتزام بالقانون والاحتكام اليه.
ووفقا لارقام واحصائيات اليونسكو فإن 17% من الراشدين في العالم لم يتجاوزوا محطة محو الامية ، والتحدي إن أغلبهم من الجيل الشاب . لقد فرضت الحروب والازمات والأوضاع الاجتماعية والإقتصادية ظروفا خاصة تحول دون تحقيق إنتقال تام الى مرحلة الالمام بالقراءة والكتابة ، ولكنها في تأريخ السودان وتجارب الإنسانية فإن الارادة للتعلم والعطش للمعرفة تتحدى كل الظروف ، وأكثر ما علينا فعله هو إيقاظ الشعور الحي وإعطاء الامل والحافز ووضع خارطة الطريق وتوسيع مشاركة المجتمع . انها مهمة الجميع ، وللاسف فإن الكثير من وزارات التربية الولائية تتعامل مع هذا الهم بخجل وتواضع ، إن على القوى السياسية دورا في أن تناشد وتدعو وتشترط على عضويتها الحرص على العودة الى مقاعد التعلم ، حتى لا تترسخ مقولة ان بعض القوى السياسية ترى ان استدامة غياب الوعي تمثل حضورا لوجودهم … دعوا هذه العقول الغضة تنمو في سوح التعليم والمعرفة.. والله المستعان