بكري أحمد عديل وحديث الذكريات مع «الصحافة»…«2» براءة إمرأة أجهضت محاولة اغتيال نميري…

حوار:نفيسة محمد الحسن

يعد من أهم قيادات حزب الأمة لوقت قريب في اتخاذ العديد من القرارات… هو شخصية سياسية لمع نجمها إثر ممارسته النشاط السياسي بجامعة الخرطوم التي درس فيها الاقتصاد وتشبع منها بالنضال والمعرفة… وعقب ثورة أكتوبر أصبح قياديا بارزا في صفوف الحزب… أوكلت له مهام كبيرة في عملية الإعداد لغزو الجبهة الوطنية للخرطوم….
تولى بكري عديل منصب حاكم إقليم كردفان وفي حكومة الديمقراطية الثالثة بقيادة الصادق المهدي تولى حقيبة وزارة التربية والتعليم…وبعدها انخرط في العمل التنظيمي للحزب.. أمسك بالعديد من الملفات بحزب الأمة الذي تدرج فيه…ورغم تاريخه الطويل الناصع في مسيرة الحزب ومقدرته على العطاء إلا أن المرض أقعده ومنعه من ممارسة دوره المطلوب…
ولد القيادي بحزب الأمة الأستاذ بكري أحمد عديل بمدينة أبوزبد …درس الثانوية في أعرق مدرستين بالسودان حيث اقتسم تلك المرحلة بين حنتوب وخورطقت ثم درس الاقتصاد بجامعة الخرطوم …كان «للصحافة» الشرف بالجلوس اليه بداره في حوار مراجعات سياسية وتوثيقية استطاع عديل تذكر كل تفاصيلها المرتبطة بقضية الوطن والبلاد ابان حكم الانجليز واحداث الحكومات التي توالت على السودان ووصف عديل الاحزاب السودانية ب«الفطيرة» ، وقال انها تحتاج الى مرحلة الحضانة ثم النضج بما فيها حزب الامة القومي الذي يعد عديل من قياداته…الى التفاصيل…..

*ذكرت في الحلقة الماضية انك قدمت استقالتك من وزارة الطاقة والتعدين بعد 6 أشهر من التعيين…ماهي الأسباب؟
حدث اختلاف بيني ومجلس الوزراء حيال وزارتي ، حيث عمت السودان امطار غزيرة عصفت بكل كوابل الكهرباء وبما انني وزير للطاقة من مسؤولياتي هذا الضرر لكن المطر يأتي من السماء لماذا تتم محاسبة احد؟ المهم انه صادف في نفس اليوم اي قبل اجتياح الامطار والسيول للبلاد كنت مسافراً للندن بغرض اجراء الفحوصات وبعد اقلاع الطائرة جاءتني رسالة من مكتبي بالوزارة تبلغني بالكارثة التي حلت على البلاد فأخبرت مكتبي برد لرسالتهم انني سأعود على الفور ولن اكمل رحلتي وحدث ذلك عدت الى السودان مباشرة بعد وصول الطائرة الى مطار لندن فقط لكني فوجئت بقرار من مجلس الوزراء قضى بفصل كل القسم المختص بالمياه في الوزارة وكان لدي رأي واضح في هذا القرار لعدم وجود اي سبب مباشر لفصلهم وعندما قلت لهم ذلك قالوا هذا تأديب لهم! فقلت لهم هل تم تكوين لجنة لاصدار القرار دون الرجوع لي قالوا لا …فأقمت الدنيا ولم اقعدها مع مجلس الوزراء على هذا التجاوز وقدمت استقالتي حينها.
* تأريخك في الجبهة الوطنية والتي اسماها الرئيس نميري بالمرتزقة؟
كنت عضوا بالمكتب السياسي الذي كان يكون من 10 اعضاء وهو الذي قاد العمل العسكري ضد مايو الى ان سقطت، كان الصادق المهدي رئيس المكتب والفاضل الجاك وكمال الدين عباس وشريف التهامي ونقد الله ودكتور بقادي وبكري عديل وعباد برشم وعمر نورالدائم، وعملنا بجد ضد مايو وتم تشكيل المجلس العسكري وجمع الصفوف العسكرية والانصارية وتم تكليفي بعدة سفريات منها انجلترا والنمسا ومصر والمانيا لجمع السلاح والدعم واعلام جيوبنا هناك ما الذي يحدث ، وبعد ضرب الجزيرة ابا خرجت اعداد كبيرة من الانصار الى الحبشة وبعد تكوين الجبهة الوطنية نقلناهم الى ليبيا حيث اقمنا المعسكرات هناك، وذهبنا انا ومحمد نورسعد وعمر نورالدائم الى السيد الصادق بلندن وحددنا السلاح الذي نريده ثم ذهبت الى النمسا ثم القاهرة وجده ثم الخرطوم حتى قيام سبتمبر1983م.تم تكليفي بالجانب العسكري عام 1972م والمعلومات عن الجيش وتوزيعه وتحركاته ومن يتبعون لنا داخل الجيش، واكتمل تواجدنا في ليبيا بعد نقل الانصار من الحبشة الى ليبيا لكن ليس كل افراد الجبهة ذهبوا عن طريق الحبشة فمنهم من ذهبوا عن طريق اوروبا واخرين بالعربات وغيره من وسائل النقل وتم تدريبهم عسكرياً واصبحت قضيتنا هي اسقاط النظام.
*من أي دولة تم دعمكم؟
اول ماقمنا به هو تأمين مصادر الدعم من ليبيا والدول المجاورة والشريف الهندي لعب دوراً كبيراً في ذلك لعلاقاته المتعددة والجيدة مع الدول المجاورة كما ان هذه المهمة كانت تتم في سرية تامة.
*متى انضم لكم محمد نور سعد ؟
لم يكن معنا محمد نور سعد بل يعقوب اسماعيل لكن نظام نميري استطاع كشف امره ،ففضلنا التعامل مع محمد نور سعد من بعده حيث كان ضابطاً مميزاً بالقوات المسلحة ودرسنا شخصيته واذكر اننا تزاملنا في خورطقت وجندت بعض الاخوان للحديث معه واقتراح ان ينضم لنا وبعد قبوله قابلته لكن سرعان ما انكشف امره ايضاً بعد ملاحظة تواجده معنا وتم فصله من الجيش وكان رأينا ان يذهب لليبيا حتى يتعرف على اوضاع معسكراتنا هناك ومستوى التدريب لقواتنا لكن واجهتنا معضلتان اولها كيف يخرج ومن سيكون معه، فأصدر قرار ان اذهب انا معه واتفقت معه ان اسافر انا اولاً الى السعودية ثم لندن لمقابلة المعارضة هناك وان يسافر هو الى المانيا ويتصل بي لاذهب اليه لمقابلة السيد الصادق ثم ندخله الى ليبيا.
* لكن لماذا اخترتم المانيا تحديداً؟
كان لدي محمد نور سعد ابن من زوجة المانية انفصل عنها،فطلبنا منه تقديم طلب الى الاستخبارات ان يذهب الى المانيا لرؤية ابنه ومواصلة الدراسة بعد انقطاعه عن العمل في الجيش،ومن جانبنا نعلم ان عمر محمد الطيب تربطه علاقة صداقة قوية مع محمد نور سعد وطلب من عمر محمد الطيب اقناع نميري بالسماح له بالسفر الى المانيا لعدم ارتباطه بشئ في السودان واستطاع اقناعه فوافق نميري وكنت حينها مدير تسويق في مؤسسة النيل الازرق للتغليف، واتفقنا ان اذهب للسعودية لمقابلة المعارضة لاخذ اموال ثم اقابل الصادق والهندي في لندن واقابل محمد نور سعد وعمر نورالدائم بالمانيا،اقمت في «لكونده» فرانكفورت والسيد الصادق في «لكونده» بجوارها وهو بثالثة بالقرب منها وقابلنا السيد الصادق انا ومحمد نور سعد ولم يكن معنا عمر نورالدائم كما نشرته الصحف.
* ماهي المهمة التي اوكلت لمحمد نور سعد داخل الجبهة؟
كانت مهمته هي تحديد الاسلحة التي يريدها وان يتعرف على المقاتلين وعددهم هل يكفي ام نحتاج لزيادة، فجلسنا انا ومحمد نور سعد والسيد الصادق في اجتماع مغلق منذ ال9 صباحاً حتى 11 مساءً وحددنا حاجتنا استناداً على حديث محمد نور سعد لانه خبير في الاسلحة، لكن كيف يتم شراؤها ومن اين هي مهمة الهندي ، وتقرر ان انقل هذه التفاصيل الى المعارضة الداخلية في السودان«لعدد بسيط » وهم كمال الدين عباس والفاضل الجاك وعباد برشم،وحددنا خطتنا التي تركزت على عدد كبير من الشباب يتم تجنيدهم هنا حتى يكونوا مرشدين لمن يأتون من ليبيا لانهم كانوا بعيدين عن السودان لفترات طويلة وان نجند بعضا منهم وتسفيرهم لليبيا كانت مهمة الفاضل الجاك، وذهبت الى القاهرة لهذا الغرض لان هنالك اعداد كبيرة من الشباب العاطل بمصر لكننا لم نتوسع في ذلك كثيراً لخوفنا من الاستخبارات المصرية وعلاقتها بليبيا وللتمويه طلبت مجئ اولادي الى مصر ومنها الى جده وحضرت الى السودان في 15/7/ 1975م.
*ماهي طبيعة الخطأ الذي حدث في سبتمبر وانت شاهدٌ على ذلك؟
كانت بالمرخيات مجموعة من العساكر ولديهم «دبابات» ونحن استطعنا الحصول على كل انواع الاسلحة عدا الدبابات ففضلنا تعطيل دبابات المرخيات حتى لا تستهدفنا واوكلنا تلك المهمة لعبد الغني «الهارب»ومعه 14 من العساكر هو قاضي … لكنه تراجع عن ذلك وهرب وتلك الدبابات نفسها التي قادها ابوالقاسم وبابكر محمد علي لضرب ناسنا في الاذاعة وتم احتلالها وانتهت سبتمبر.
*لكن الاعتماد على شخص واحد لمثل تلك المهام يعتبر خللا وخطأً؟
ابداً…مثل تلك المهام لانستطيع الاعتماد فيها على اشخاص كثر لان عامل السرية في تلك المرحلة كان المهم،وكان هدفنا جميعاً هو اسقاط نظام نميري .
*مقارنات في الحكم منذ حقبة اكتوبر 64 وابريل 85 والفترة الانتقالية ؟
اغلبها حكومات عسكرية حتى المدنية جاءت بإنقلاب عسكري مثل نميري وعبود النظام الحالي،وخلافاً لسوار الدهب لايوجد نظام قدم حكمه لاخرين.
*هل صحيح انكم خططتم لاغتيال نميري في سبتمبر؟
نعم…لكن حدث خطأ بعد اكمال كل الخطط وهو ان من المنفذين يوجد عسكري تم توكيله بمهمه معينة في الاغتيال لكن طرق باب منزله زميل له وعندما فتحت الزوجة سألها عنه الا انها قالت له لديه انقلاب ذهب اليه حينها اسرع هذا العسكري الى موكب الرئيس الذي كان يتأهب للخروج فابلغهم المعلومة وتم تغيير خط سير نميري حيث ذهبوا به الى الحاج يوسف حتى استطاعواالتأمين على حياته ، وخطتنا تركزت على ان احد اصدقائنا «ضابط» في الجيش كان مريضا وذهب الى انجلترا للعلاج وبعد اطمئنانه على صحته اراد اقامة«كرامة» واقترحت عليه دعوة نميري وطلبت منه الاكثار من الويسكي وسنأتي نحن بكمين داخل الجيش ونقوم بقتله لكن زوجة العسكري «خربت علينا» ببراءة.
*ماهي رؤيتك للبرلمانات السودانية من حيث الاداء ونظام الحكم؟
لن يتم الحديث عن البرلمان بمعزل عن الاحزاب لانها التي خرجت من رحمها قيادات البرلمانات، وللاسف الشديد ان احزابنا «فطيرة» وتحتاج الى مرحلة حضانة ثم نضج.
*حتى حزب الامة الذي تنتمي له؟
نعم …حتى حزب الامة مازال «فطير»، لذلك النواب الذين يأتون للبرلمان يعلنون مطالب حزبية فقط ولازلنا في طور مبكر من الممارسة الديمقراطية الصحيحة.
*هل هذا يعني انه لم يمر على السودان برلمان مثل رأي الشعب؟
نعم …لم يأت حتى الان برلمان قال كلمة الشعب لان النواب يمثلون احزابا تعاني من خلل داخلي ، حتى حزبنا عندما يأتي الاختيار لن يكون قائما على الكفاءة والمعرفة بمشاكل البلاد ومقترحات حلولها بل يتم الاختيار على اساس الى اي مدى يستطيع هذا العضو ارسال توجهات القيادة العليا في الحزب في المنطقة التي يمثلها.
*كيف تنظر لبيت المهدي قديماً وجديداً عطفاً على الانشطارات بدءاً من خروج الصادق عن الامام الهادي وفصل الامامة عن السياسة؟
للاسف الشديد توجد الانشقاقات والخلافات في منزل المهدي ومازالت واتسعت كثيراً خاصة بعد دخول الشباب للسياسة بعد مايو وحتى الان، صحيح ان الصادق طالب بفصل الامامة عن السياسة وهذا في تقديري اصلاح لكن انتكست الان لان الصادق يمارس السياسة وامام وهذه قضية يجب ان تحسم ماهي وظيفة الامام ووظيفة رئيس الحزب وايهم يخضع للتمثيل الشعبي الصحيح؟!
*في تقديرك هل بحزب الامة ديمقراطية كما نص عليها دستورالحزب؟
لاتوجد ديمقراطية في كل احزاب السودان، وهي ليست كإدخال الخيط في «ابرة» بل هي ممارسة، لكن عموماً يوجد نقص في الديمقراطية لدي كل الاحزاب والامة تحديداً، لكن مازال المجال متاحاً للتجويد في الممارسة الديمقراطية.
*قال الامام الصادق انه سيتنحى عن رئاسة الحزب كيف تقيم تلك الخطوة وانت كنت من المقربين له؟
في تقديري ان هذا قرار صحيح واقترح عليه ترك السياسة بعد اكثر من 40 عاماً وان يجتهد في القضايا الفكرية والدينية ويتفرغ لاعادة كتابة تأريخ الانصار والمهدية لان به تشويشا كثيرا بعد ان كتبه الانجليز والمصريون والشوام وخربوا الكثير من احداثه، كما نريد ان نضع خطة لعلاقة الانصار بالحزب لانها مبهمة ويجب تحديدها لانها لاتتماشى مع الحديث الذي قاله الامام عبدالرحمن «ليس كل حزب امة انصاري وليس كل انصاري حزب امة»وانسب شخص ليقوم بهذا التصحيح هو السيد الصادق ولايمكن ان يؤتمن شخص آخر غيره على هذا العمل.
*وفقاً لتجربتك هل ينجح نظام ليبرالي في السودان؟
النظام الليبرالي هونظام وعي ،بمعنى انه ان مورست الديمقراطية بوعي وتجرد واكتفاء ذاتي لكل المرافق سينجح لكن ان تمسك الناس بالحزبية الصارخة والقبلية والاصرار على الطائفة السياسية الدينية سيقلل من فعالية الحركة الديمقراطية داخل الانظمة.