انتـــهــــــازيــــون

423صديقنا طلحة جبريل، مدير مكتب صحيفة (الشرق الاوسط) بواشنطن، لا يحلو له العيش إلا وسط الزوابع و العواصف. هذا كان منذ أول يوم عرفته قبل أكثر من ربع قرن ونحن في أول مدارج المرحلة الجامعية. ومن المعالم اللامعة في سجل طلحة أنه، حين كان رئيسا لاتحاد الطلاب السودانيين في المغرب، تسبب عبر معركة حامية الوطيس أشعل نيرانها بنفسه مع السفير المرحوم الرشيد نورالدين ومع السلطات المغربية في آن معا، في إدخال جمعيته العمومية – بربطة معلمها- سجن الرباط العمومي. و من لا يخشى أهوال السجن وهو على كتف العشرين لا يهاب ردود آفعال الرأي العام وهو على عتبة الخمسين!

طلحة جبريل

طلحة جبريل

قبل فترة من الزمن شغل طلحة بعض المنابر الإعلامية بمقولة خرج بها عبر مقال له مؤداها أن السودان، في حضَره و مدَره، لا يعرف فضلا لجامعة الخرطوم سوى أنها كانت مصنعا لتفريخ الانتهازيين من المنظرين والكوادر السياسية والتنفيذية و القانونية التي أقامت النظم الشمولية على سوقها وجهدت، ما وسعها الجهد، لمدها باسباب الحياة والديمومة وهيأت لها من امرها رشدا. ولم يكن غريبا، والحال كذلك، أن تنهض ثلة من خريجي الجامعة للتصدي لتلكم الأطروحة، وسال بين يدي حملة التصدي المجيدة مداد غزير تراوح بين الانفعال والموضوعية، ولعل أفضل ما قرأت في هذا الصدد مقال رصين لسفير سابق رأي أن قضية ميل قطاع عريض من المثقفين و المتعلمين السودانيين واستعدادهم التلقائي للوثوب الى سفائن النظم الشمولية اوسع مدى و أعمق جذرا، في خصائصها و تجلياتها، من أن يستوعبها ربط متعسف بمؤسسة تعليمية بعينها وحقبة زمنية بذاتها.
الذي شد انتباهي حقا هو تلك القائمة الطويلة من العلماء والاكاديميين الذين تسنّموا مناصب القيادة في العهد المايوي التالف، والتي استند اليها طلحة في تعضيد حجته. بدا لي أنه لم يمر مدير للجامعة إلا وانتهى به الأمر وزيرا أو شاغلا لمنصب دستوري، حتى المدير الوحيد الذي يبدو أنه حالت بينه و بين المنصب الدستوري حوائل ذكّرنا الكاتب أنه كان أول من افترع بدعة إرسال مدير الجامعة البرقيات الى الرئيس المخلوع مهنئا بحلول ذكرى» الثورة»، وذلك فضلا عن الصفوف المتراصة من عمداء الكليات والاساتذة الذين تدافعوا الى ارائك السلطة، المُقعد على ظهر الاعمى، عند أول صفارة.
ولكن الحديث عن انتهازية المثقفين و المتعلمين السودانيين قديم قدم السودان نفسه! وأجد نفسي دائما اقرأ أو أسمع مثل هذا الحديث ثم اتجرعه مع شئ من الملح، كما يقول تعبير امريكي تعذرت على ترجمته على وجه الدقة. ذلك أنني أقرب الى الظن أن لفظة «انتهازي» و مشتقاتها في التداول العام الشفاهي، كما في المدونات الموثقة على مدى تاريخنا السياسي و الاجتماعي المعاصر، قد بلغ بها الاستخدام المكرور مبلغا انتهى باللفظ الى ما يشبه الابتذال! و لقد كانت هذه الفكرة وما زالت تلاحقني كلما وقعت على عبارة(الانتهازي عوض عبد الرازق) الشهيرة، التي تكررت بثبات محيّر ولافت للنظر في بعض أدبيات الحزب الشيوعي، حتى أصبحت لفظة «الانتهازي» لازمة من لوازم الاسم لا يستقيم الجرس بدونها رغم أن من شهدوا الوقيعة، التي الحقت الصفة بالموصوف، أنبأوا بأن الأمر في طويته أقرب الى تداعيات المبدأ التاريخي الشهر: الويل للمغلوب، منه الى الانتهازية!
06-09-2016-03-6الانتهازية في المصطلح تمتُّ لتدليل الذات و تلبية الشهوات بنسب وثيق، وتدور وجودا وعدماً مع نزعات بشرية أساسية جوهرها الرغبة في اختزال المسافات على حساب المبادئ و القيم المستقرة، والارتقاء بأهواء الفرد خصما على حقوق المجموع. و ليس ثمة شك في أن بريق السلطة وصولجانها يظل، و كما كان دائما على مدار التاريخ الإنساني، العامل الأفعل و الأكثر خطراً في حفز كثير من المتعلمين السودانيين لاهتبال كل سانحة للولوج الى ابوابها. ومن قبل قال العلامة ابن خلدون في توصيف السلطة و توظيفها (الوزارة منصب شريف ملذوذ) ! ولاغرو أن أجيالا كاملة من المتعلمين أقامت عقيدتها في الوظيفة العامة، لا علي أنها التزام بخدمة المواطن، بل على أن الوطن كله بستانا لها، فتغزّلت بالوظيفة العامة غزلا حسيا فاضحا و غنّت لها هي تضع اولى خطاها على ابوابها:
خلاص يا ادارة جيناكي
حلاوة القدلة بالكاكي
والعربية ملاكي
الحقبة الزمانية التي صوّب طلحة النظر اليها و ما تلاها من حقب، تقدم شواهد في حب السلطة والتمسك بأعنّتها، جديرة بالاستبصار و التأمل. إحدى هذه الشواهد تتجلى في تجربة اختيار السيد الصادق المهدي نفراً من اخلص خلصائه لتولي مناصب دستورية رفيعة إبان العهد المايوي في إطار تعاقد سياسي استوعبه برنامجه للمصالحة الوطنية آنئدٍ، و كان الظن، تبعاً لمقتضيات العرف السياسي، أن استمرار مشاركة هؤلاء الخلصاء في السلطة رهن بانفاذ شروط ذلك التعاقد. غمرت الدهشة كل المراقبين حين نكص النميري و ارتد على عقبيه فلم يحترم ميثاقا و لم يف بعهد، فقرر الحزب المُصالح الانسحاب من السلطة. لم يكن مصدر الدهشة وقائع الخلاف ولا قرار الانسحاب، بل التخاذل ثم الرفض الصريح من قبل ابرز ممثلي الحزب لمغادرة مقاعد السلطة رغم انتفاء مسوغات شغلها. ثم ما كان من تشبث هؤلاء النفر بأهداب الحكم و ركلهم بين عشية و ضحاها تاريخا طويلا من المدافعة السياسية تحت رايات الحزب العتيد، وما تلى ذلك من أمر التحاقهم بالمعسكر المعادي بغير تردد و دون أن يطرف لهم جفن، وكأن مشاركتهم في السلطة في الأصل و المبتدأ لم تكن رهنا بمعطيات و مبادئ وشروط وأهداف معلومة، فكان التكالب على المقاعد (الشريفة الملذوذة) بمثابة إعلان صريح بأن: تباً للمبادئ والأهداف، و «والله لا اخلع قميصا كسانيه الله!»
ثم إذا بالتاريخ يعيد نفسه حين دفع السيد مبارك المهدي بأقرب معاونيه، في حزب الإصلاح والتجديد الذي كان قد انشأه قبل سنوات، الى مناصب الوزارة و الولاية والسفارة وديوان الرئاسة. والذي حدث بعد ذلك خبره عند الكافة. غضب دهاقنة العُصبة المنقذة على قائد المصلحين والمجددين ذات صباح أغبر فأنزلوه من صياصه و سحبوا البساط من تحت قدميه، فنادي من فوره على رفاقه و اتباعه أن اتركوا مناصبكم و الحقوا بي نتفكّر بليلنا ونتدبّر ثم نقرر ما عسى إن يكون الموقف عند صياح الديك. ولكن هيهات. وإذا بالحبيب مبارك وحيداً مستوحشا و قد تركه أقرب الأقربين من أساطين حزبه و آثروا عليه طنافس السلطة وصحاف الفالوذج، و أنهم ما تعاهدوا بالامس على مبدأ ولا اقسموا على كتاب!
ولأمر ما استقر في العقل الجماعي، وغير قليل مما استقر في العقل الجماعي يفارق المنطق، ان داء الانتهازية يشبه داء النقرس الذي يصيب الملوك وعلية القوم ومن يليهم من وجهاء وعلماء. ولكن الحقيقة تبقي ان العقل و السلوك الانتهازي اوسع مجالا واعمق وجودا في حيواة الناس، فهو لا يقتصر علي الطليعة الفاعلة في مدارات السياسة والمال والعلم والثقافة، بل يسري في ثنايا المجتمع من مخامص القدمين الي محاجر العينين. كما ان الانتهازية كظاهرة سوسيولوجية لا تقف حصرا ? من حيث المُعطي والمضمون – علي طلب السلطة والارتهان لاستحقاقاتها، اذ انها في افقها العام اكثر سعةً و شموليةً بحيث انها تستوعب انماطا متباينة من السلوك المُشاهد في الممارسة اليومية، كالاستغلال غير المشروع للقدرات والموارد والمواقع لخدمة المآرب الذاتية، الي جانب انها تستغرق و تفسّر في ذات الوقت ضعف التربية الوطنية التي ترفد الشعور العام بمعانٍ راكزة كضرورة مراكمة العطاء الفردي المتجرّد باتجاه منجزات و اهداف و قضايا عليا و الايمان بدور كل من تلقي حظا من التعليم بدوره في تقديم مقابل من عمل طوعي..
و الحال كذلك فإن الشواهد على انتشار السلوك الانتهازي في مناطق و زوايا متباينة تتعدد و تتمدد فلا يكاد يبلغها الإحصاء. وإلا فما قولك في الآلاف المؤلفة تنهل علمها وتبني مهاراتها من عرق الكادحين ودموعهم، عبر عقود من الزمان، ثم تفر من خدمتهم فرار السليم من الأجرب عند أول بارقة للثراء. وما قولك في الآلاف من الكوادر الدنيا والوسيطة في مرافق الخدمة المدنية و قد اتخذت من سلطة المنح و المنع، مهما تضاءلت، اداة للمحاورة و المداورة والتربّح و الاكتناز. و ما قولك في آلاف المصرفيين وموظفي المؤسسات العامة، ائتمنتهم الامة على مقدراتها فلم يؤجلوا عمل اليوم الى الغد واضحى انتهاب المال العام تحت ابصارهم و مباركتهم و مشاركتهم سنةً ماضية ترسّموا خطاها خلفاً عن سلف، حتى تفاحشت الاختلاسات و بلغت ارقاما استعصت على الحساب. و ما قولك في معلّمين يضنون بالعلم شُحّاً على ابناء الفقراء في قاعات الدرس، فما يبذلونه إلا في حلقات دروس خصوصية ضيقة تقصر قصرا على أبناء و بنات الموسرين ايثارا للدرهم و الدينار على امانة العلم و رسالته، و ما قولك في تسعين الفا من موظفي الدولة عصفت بهم رياح «التمكين» عصفاً فباتوا بين عشية وضحاها في قارعة الطريق، ثم يأتي ليحل محلهم تسعون الفا «متمكّن» يتقافزون بين الوظائف والمناصب والحزن الذي ران على عيون الاطفال من حولهم يدمي القلوب و الجزع الذي اغرق نفوس من فقدوا كرامتهم وموارد رزقهم يملأ كل بيت.
ثم ما قولك ايها القارئ الكريم، اصلحك الله واصلح بك، في هذه المجاميع التي رأيتها وخَبِرتها في طول امريكا الشمالية وعرضها، عبر سنين طويلة، و قد كان مدخلها و طريقها الى البطاقات الخضراء و الجنسية يمين غموس وادعاءات كاذبة بالتعذيب في بيوت الأشباح و روايات صفيقة مختلقة بالانتماء إلى أسرة المرحوم مجدي محجوب و المرحوم د. علي فضل، و أخرى بلهاء عن اغتصاب نساء و مصادرة أموال و قتل أطفال! و قد بلغ تزاحم هؤلاء المتكذّبين و نهّازي الفرص على مراكز اللجؤ مبلغاً حرم ضحايا التعذيب الحقيقيين من كل حق أصيل هم به أجدر الناس؛ و لكأني بهم يشكون الى ربهم ظلم من اتخذ من محنتهم و مأساتهم سلماً و مطية لأغراض الدنيا، وقد تكسّرت على صدورهم نصال السلوك الانتهازي الذي لا يعرف خلقاً و لا مبدأً، فوق نصال التعذيب الذي لم يرقب إلآ ولا ذمة.
كلنا في هم الانتهازية شرق، ومن كان منكم بلا خطيئة فليرجم جامعة الخرطوم بحجر!