تعليمك على قدر فلوسك

الجدل المثار الآن حول قضية القبول للجامعات على النفقة الخاصة وخاصة لكليات الطب ،وما أحدثه من مفارقات مكنت بعض أبناء الميسورين وذوي البسطة في المال من دخول هذه الكليات بنسب ضعيفة تسندها أموال كبيرة يدفعونها ،بينما يحرم منها أبناء الفقراء وذوي الدخل المحدود رغم النسب العالية التي أحرزوها والتي تفوق التسعين بالمائة ،هذا الجدل أعاد الى ذهني ما سبق أن قاله القيادي بالمؤتمر الشعبي كمال عمر، انه أتى الخرطوم من دنقلا للدراسة الجامعية بشنطة حديد، وحديث كمال هذا يذكر بذاك الزمان الماضي وببعض القيادات الحاضرة، كما يذكر أيضاً بتلك الطرفة التي تُروى عن الطالب الإقليمي الذي تم قبوله بجامعة الخرطوم أيام كانت جميلة ومستحيلة، قيل إن موعد وصول هذا «البرلوم الدايش» إلى الجامعة بل إلى الخرطوم لأول مرة تزامن مع ساعة الغداء، وبعد أن وضع شنطة الحديد داخل الدولاب توجه مباشرة إلى قاعة الطعام «السفرة» وتصادف أن كان ذاك اليوم هو يوم الوجبة الخاصة «special meal» حيث كانت السفرة تحتشد بالمحشي والمحمّر والمشمّر وما لذ وطاب من لحوم البر والبحر والفاكهة والتحلية. فأقبل عليها صاحبنا بنهم وشراهة و«شراسة» وعبّ منها أقصى ما تسعه بطنه حتى «وقف قربة» ثم عرج على مبرّد المياه «الكولر» وعبّ منه «كوزاً» كبيراً أتى عليه و«قرطعه» بتلذذ حتى آخر قطرة فيه، ثم تمطى وتدشى «عااااع» وجذب نفساً عميقاً وقال «آآآه من كدّ وجد » ، ولكن الصورة الان انقلبت تماما اذ أصبح من يكد في تحصيل العلم لن يجد ، وصار الذي « يجد » هو من ينكب على تحصيل المال بالحلال أو بالحرام وبالحق أو بالباطل ..
تلك كانت أيام خالدة للتعليم وذكريات حالمة خلت نعلم أنها لن تعود ولا نحلم بالعودة إليها فالزمان ليس هو الزمان والناس ليسوا هم الناس والحال ليس هو الحال، رغم أن القيادات التي تقود شؤون الدولة الآن في التعليم وغير التعليم كانوا هم طلاب ذاك الزمان، وكان أغلبهم أيضاً مثل كمال عمر دخلوا الخرطوم بشنط حديد ومن كان منهم أيسر حالاً كان الى جانب شنطة الحديد يحمل معه أيضاً«مجوز زوادة»، وهذا «المجوز» لمن لا يعرفونه من الأجيال الطالعة، هو جوز من الصفائح الفارغة تقرنان مع بعضهما ويصنع لهما غطاء وقفلاً مشتركاً يحمل عليه المسافرون وطلاب الداخليات ما يتيسر لهم من مأكولات، ولو أن حال التعليم على زمان هذه القيادات التي خرجت من أصلاب آباء فقراء ومن بيوت الطين والجالوص ودرادر القش ورواكيب القصب وجريد النخل وخيم السعف والشعر والجلود، كان مثل حاله اليوم لما كان لكثير من القيادات والكبار حالياً أي ذكر، ولما كانوا شيئاً مذكورا، فما رفعهم الى هذا المقام هو أنهم في زمانهم أكلوا في المدارس وشربوا وسكنوا وترفهوا ووجدوا العناية الطبية فيها من المراحل الأساسية وإلى ما فوق الجامعية بالمجاااان، ثم بعد أن قفزوا من حضيض الفقر والبؤس والشقاء إلى مراقي العائلات المخملية و«الناس النقاوة» والمجتمعات الارستقراطية، أصبحوا يصطافون في جزر هاواي وهونولولو والريف السويسري والفرنسي ويعلمون أبناءهم في مدارس الاتحاد وكمبوني وسان فرانسيس وجامعات كيمبردج وكينجز كولدج وهارفارد والسوربون وغيرها من أرقى الجامعات في العالم… و… والله زمان ياتعليم..