مسرحية كتمت … نظرات في ضنك مخاليق

أبوطالب محمد
تعرض الآن على خشبة المسرح القومي السوداني مسرحية كتمت، وهي من تأليف الأستاذ نصر الدين عبد الله، تمثيل محمد صالحين، أمل محجوب، إبراهيم شنتو، أمنية فتحي، نصر الدين عبد الله ، وإخراج حاتم محمد علي.
ومسرحية كتمت مسرحية اجتماعية أسقطت خطابها الفني والأيديولوجي نحو المجتمع السوداني اليوم ومايمر به من ضنك معيشي، مكاني، نفسي، واقتصادي.
نظرت المسرحية لهذا الضنك وجسدته في رؤاها الفنية بمستويات متعددة، ولكل مستوى فني يشكل حلقة ترابطية مع المستوى الذي يليه.
بدءاً من مدلول الصورة المشهدية العامة « الديكور» وفضائها الداخلي الذي حمل وحدات صورية تكمل بعضها بعضاً. وأصبحت الرؤية الإخراجية قارئة لهذه الدلالات البصرية وفقاً لما تحمله كل دلالة من ضنك.
خذ مثالا محمول الصراف الآلي مقابل طربيزة» ست الشاى»، دلالتان أدتا معني فيه نوع من التناقض لكنه تناقض مقصود.
وجود الصراف الآلي دال على مصدر اقتصادي مضنوك أو ضانك، قرأ حالة الوضع الاقتصادي المتردي الذي يواجه المجتمع، لأن وجوده في مسارات الرؤية الإخراجية ومتن مجريات أحداثها تعامل معه المخرج بطريقة ناظرة وضحت ضنك المخاليق الاقتصادي في مستويين هما: «اجتماعي وفني»، داخل فضاء المسرحية. بمعني أن منظور الصراف الآلي مع منظور طربيزة ست الشاى دلا على بؤس معيشي.
هنا المسرحية تجاوزت طريقة طرح الفوارق الطبقية بين» غني وفقير» إلى وضع متساوي في الضَنك أي ضاق من كل شيء في محيطه العام. يضاف لذلك الفراغ الفني الذي يفصل بين جغرافية الصراف الآلي وست الشاي له محمولان هما:
أولاً: خلو المكان من المارة باعتبار أن جغرافية ست الشاى في مكان عام ولوحظ عدم تواجد عابرين حول جغرافيتها، نسبةً لأن المحمول الفني ليس القصد منه طرح مهنة ست الشاي لكيما يرتادها عابرون، إنما المقصود مناقشة سوء أخلاقيات الشارع العام، ومدلول هذه الصورة وضح من خلال سرد المواقف التي رؤيت بين المرأة وست الشاي فحواها دائر عن الشارع العام و أخلاق عابريه.
وقاد لهذا المشكل الاقتصادي مما جعل الصورة المشهدية محملة بأفاعيل سيئة تحدث عيانا بيانا، بناءً على هاتين الصورتين» صراف وست شاي» أخذت المسرحية جانباً من جوانب المجتمع مضمونه ضنك الأخلاق أي ضعفها.
ثانياً: الصورة الخارجية» الديكور»، وظف في ثلاثة مستويات مختلفة وتجمعها روابط دلالية تتمثل في الآتى:
ـ جسَد الديكور مبنيٍ فاتحة واجهته على الشارع وتحته ست شاي، ورويت فيه مواقف، أي صار المبنى له اسهام كبير في توضيح الضنك المعيشي والأخلاقي.
ـ جسَد الديكور دور مكاتب حكومية مختصة بشؤون خريجي الجامعات ومن خلاله نوقشت مسائل تتعلق بعدم احترام الكفاءات الأكاديمية.
ـ مستوى أخير تحولت فيه مشهدية الديكور إلى مستوصف طرح قضية التردي الصحي ونتج عن ذلك التشريح الطبي الخاطئ للمريض. أي شروع الأطباء في بتر أعضاء جسمه دون معرفة مرضه.
وعليه ساهمت فضاءات الصورة المشهدية في تحول الشخصيات إلى شخصيات بديلة على حسب تغيرات متخيل الصورة نفسها من مبنى إلى مكاتب إلى مستوصف، مما أدى مباشرةً في تغيير بنية الشخصية المؤدية للفعل الأدائي، من شخصية إلى أخرى، أي من خريجين جامعين يبحثون عن وظائف إلى ناشطين ثقافين، وعمال نظافة، وحتى المنطوق الحواري نجده لعب دوراً في التغيرات التي حدثت للشخصية إلى مساحات أخذت طابع التحول التام. مثلاً شخصية الدرويش الذي يفصحُ عن الفساد الأخلاقي والاجتماعي والاقتصادي بملازمته لأيقونة الصراف الآلي نجده يردد قولاً سائراً مضمونه «ابعدوا البيضة من الحجر» مما اثار ذاكرة التلقي إلى اكمال القول نفسه وصار «ابعدوا البيضة من الحجر والنتاية من الضكر»، هنا وجود الدرويش رامزاً لسلطة دينية تدلل مفهوم الضنك الوارد ذكره في التنزيل العزيز» ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً» سورة طه أيه124
كشف الدرويش لهذا التردي الأخلاقي بمقولته المتكررة أعلاه قاصداً توضيح ضنك المجتمع وضعف إيمانه وبعده عن ذكر الله.
نلاحظ تغير ذات الشخصية بناءً على تحوَل المتخيل الصوري، وتغيرها إلى شخصية طبيب يجسد خطاباً ناقداً لضنك التشريح الخاطئ طبياً. وفي مكاتب الحكومة نجده موظفاً يتعاملُ مع ذوي الحوائج المهنية بمبدأ الواسطة غافلاً دور الكفاءات، واستمر التحول حتى شخصية المرأة من امرأة ناقدة لعيوب المجتمع وتحديداً جانبه الأخلاقي إلى موظف حكومي يتعامل أيضاً بدور الواسطة في مهنته.
إذن تأتي خاتمة المسرحية بوقوع الشباب في أخطاء وتجاوزات بممارستهما لمهنة النظافة في مستوصف ما دون تعينهما لأداء مهنتهما ودون أجر يتلقياه، لان المستوصف لم يسمح لهما بأداء هذه المهنة باعتباره متعاقدا مع شركة «رشو» للنظافة ويدخلا الحراسة ويتوسلا بشخصية الأم كضامنة لخروجهما، وهي نفسها متورطة في شراء قطعة أرض بأوراق مزورة، وجميعهم يصيرون في وضع مكتوم، ويأتي صوتهم عالياً، ويحملون جرادل القمامة ويضعونها على مكاتب الحكومة لأنها رمز للسلطة السياسية القامعة، ويصبحون هم المنتصرون على أوضاع الزيف والنفاق اللذين نخرا بنية المجتمع وتستمر مقاومتهم إلى أن يحققوا مقولة «المنهزمون هم المنتصرون على حالة الظلم الغاشم».
بهذا تمثل مسرحية كتمت خلاصة العهد الجديد للعرض المسرحي المناقش لقضايا المجتمع بكل ما يواجهه من تردٍ.