مستقبل الديمقراطية الليبرالية

يدور الان جدل واسع حول مستقبل الديمقراطية الليبرالية في العالم، إذ يرى الكثيرون ان الديمقراطية الليبرالية تشهد تراجعاً في كل انحاء العالم تقريبا، ووفقا للتقارير العالمية، فإن الحرية العالمية تراجعت للسنة الثامنة على التوالي، وان الديمقراطية تراجعت في 48 دولة على المستوى العالمي، وان 27 دولة ديمقراطية قد ارتدت عن الديمقراطية الى السلطوية، وان الربيع العربي قد تحول من (ثورات الى خيبات)، وانتهى الى حروب اهلية وصراعات وفوضى، ولم يحقق اهدافه المطلوبة.
وتتمثل اهم مظاهر تراجع الديمقراطي في تراجع القناعة بالديمقراطية كنمط مثالي للحكم لدى الجماهير في بعض الدول كفنزويلا والفلبين وبوليفيا، حيث خرجت جماهيرها تطالب بإسقاط الحكومات المنتخبة، معبرة عن «حنينها الى الماضي ، بسبب عمق استيائها من القادة الجدد الذين عجزوا عن تحقيق مطالب الجماهير.
وفي استطلاعات للرأي أجرتها Global Barometer) (اتضح أن هناك تراجعاً في معدلات دعم الديمقراطية في افريقيا جنوب الصحراء وفي بعض دول امريكا اللاتينية مثل كولمبيا والاكوادور وغواتيمالا وبيرو وغيرها.
كذلك اصيبت الجماهير بالإحباط إزاء سياسات ومواقف بعض القيادات المنتخبة كما هو الحال في روسيا والفلبين وهنغاريا وغيرها، وقال تقرير بيت الحرية (Freedom House Report) للعام 2014م ان نهج بعض الحكام المنتخبين اعتمد على «شمولية حداثية» عمدوا فيها الى تأطير عمل معارضيهم دون التخلص منهم نهائيا، وتلاعبوا بالقوانين بهدف الحفاظ على شرعيتهم السياسية.
ومن مظاهر تراجع الديمقراطية كذلك عودة ظاهرة الانقلابات العسكرية من جديد بعد اختفائها لعقدين من الزمان بسبب المشروطية السياسية (Political Conditionality) التي فرضتها الدول الغربية على الدول النامية حيث ربطت المساعدات والمنح بجهود الاصلاح السياسي في هذه الدول ، لكن الفترة ما بين 2006 -2012م شهدت انقلابات عسكرية في عدد من الدول مثل : بنغلاديش وموريتانيا وتايلاند وفيجي ومدغشقر وهندوراس ومالي والنيجر وغينيا بيساو وغيرها ، وفي دول أخرى لم يقم الجيش بانقلاب مباشر على السلطة القائمة ولكنه استعاد دوره المحوري في الحياة السياسية كما في المكسيك والاكوادور والباكستان والفلبين .
كما ان حكومات منتخبة في دول ديمقراطية عريقة وراسخة في الثقافة و التقاليد الليبرالية اتهمت باختراقها للمبادئ الديمقراطية وحقوق الانسان ، فقد نظمت سويسرا – مثلاً- استفتاء اواخر العام 2009م حول حظر بناء المآذن بالبلاد ، ووافق على الحظر 57.5% من المصوتين في الاستفتاء مما عرضها لانتقادات واسعة من قبل المنظمات العاملة في مجال حقوق الانسان التي اعتبرت الخطوة لا داعي لها اصلاً ، وانها تثير الكراهية ، وتمثل تراجعاً عن الحقوق الاساسية والحريات الدينية ، ولا تناسب بلدا كسويسرا تضرب الديمقراطية فيه بجذور عميقة في التاريخ .
وعقب الاحداث الارهابية في باريس ، أعلن الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا أولاند عن تمديد حالة الطوارئ بالبلاد ، واتخذت حكومته اجراءات تتعلق بسحب الجنسية من بعض مزدوجي الجنسية من المشتبه بهم ، وتم توسيع مفهوم الدفاع عن النفس لرجال الشرطة مما اطلق ايدي الشرطة في مواجهة المشتبه بهم ، بالاضافة الى التضييق الشديد على الحريات والذي وصل في بعض الاحيان الى فرض الاقامة الجبرية على النشطاء السياسيين ، الى غير ذلك من الاجراءات التي اعتبرها الاتحاد الدولي لحقوق الانسان « إساءات عميقة للحريات الفردية و انتهاكا صارخا للسيادة القانونية في فرنسا».
ويمكن اجمال اسباب تراجع الديمقراطية في العالم في الآتي:
1- ان طموحات بعض القادة العسكريين في الحكم مع ضعف الثقافة السياسية في كثير من الدول قادت الى انقلابات عسكرية انهت الانظمة السياسية الديمقراطية وادت الى الارتداد نحو التسلطية .
2- عدم اهتمام القيادات الجديدة في الدول المتحولة الى الديمقراطية بإعادة هيكلة النظام السياسي بطريقة تمكن من التحول واستدامة الديمقراطية مستقبلاً . فعلى سبيل المثال لم تتغير وضعية المؤسسات السياسية كثيرا بعد الثورة المصرية مما أدى الى اضعاف النظام الديمقراطي ، بينما كان تفكيك المؤسسات السابقة وتشكيلها على اسس جديدة في اسبانيا والبرتغال خلال مراحل التحول الديمقراطي ،سببا في استمرار و استدامة الديمقراطية في تلك البلدان .
3- إن توقعات حدوث نتائج سريعة في البلدان المتحولة والتي ورثت قياداتها الجديدة اوضاعا اقتصادية متدهورة ، قاد الى فشلها في تلبية مطالب الجماهير والتي كانت اقتصادية في غالبها،خاصة وقد تزامنت اغلب التحولات مع الازمة المالية التي اجتاحت العالم وبسسب ذلك فقدت القيادات الجديدة شرعيتها في نظر شعوبها، وانعكس ذلك على نظرتهم للانظمة الديمقراطية بشكل عام .
4- ضعف الاحزاب السياسية والمجتمع المدني في اغلب الدول المتحولة بسبب القمع والكبت الذي تعرضت له في مرحلة الدكتاتورية جعلها عاجزة عن المشاركة الفاعلة خلال مرحلة التحول وفي جهود استدامة الديمقراطية ، وبالتالي لم تجد القوى الجديدة الصاعدة الى السلطة سندا في معركتها مع سدنة الانظمة السابقة ولا في جهودها لترسيخ المؤسسات والممارسات الديمقراطية في بلدانها .
5- فشل عملية التحول في بعض البلدان كما حدث في ليبيا واليمن وسوريا وانتهاؤها الى حروب اهلية ، قاد الى تراجع محاولات الاصلاح خوفاً من العواقب المترتبة على مثل هذه المحاولات .
6- المقابلة بين الامن والحرية وتصوير الديمقراطية على انها تناقض الامن كما حدث عقب تفجير متحف باردو في تونس في مارس 2015م ، وفي فرنسا عقب احداث باريس في نوفمبر من نفس العام ، على الرغم من عدم صحة هذه الفرضية اذ ظلت كثير من الدول الاوربية مستقرة امنة في ظل الديمقراطية والحرية ، وينبغي فصل موضوع الارهاب عن موضوع الحرية والبحث في اسباب الارهاب وطرق مواجهته بعيدا عن هذا الجدل العقيم ، وقديما قال بنجامين فرانكلين « من يضحي بالحرية من اجل الامن لا يستحق أياً منهما» .
7- تواطؤ بعض الانظمة الغربية في دعم الانقلابيين و محاصرتهم للقوى الديمقراطية الصاعدة كما أشارت الى ذلك عدة مصادر موثوقة .
أما عن مستقبل الديمقراطية فليست هذه المرة الاولى التي تتراجع فيها الديمقراطية فقد انتكست الديمقراطية في ثلاثينات القرن الماضي بعد تحالف الفاشية والنازية وحكومة الجنرال فرانكو الاستبدادية في اسبانيا وتهديدهم المباشر للقيم الديمقراطية عبر العالم ، كما واجهت الديمقراطية تحديات المعسكر الشيوعي الذي حشد كل امكانياته لمواجهة الليبرالية والقضاء عليها ،وخرجت الديمقراطية منتصرة من كل هذه المعارك .
ان الديمقراطية تتضمن قيما ومبادئ يصعب رفضها او تفنيدها كالحرية والمساواة والعدالة واحترام حقوق الانسان وهذه المبادئ هي مصدر القوة الاساسي للديمقراطية الليبرالية كونها غدت حلم الشعوب التي تنشد الحرية والعدالة.
لكن الديمقراطية ، بسبب العقبات التي توضع امامها من قبل اعدائها ، كانت دائما تتراجع خطوة الى الوراء ، وتتقدم خطوتين الى الامام ،مطورة آلياتها لمواجهة التحديات الجديدة في كل مرحلة ، وظلت قوة دفعها – دائما – أقوى من العقبات التي التي تجابهها ،و مع أن الديمقراطية شهدت تراجعا وانتكاساً في العقد الاخير ، لكنها ستعود ، كما نعتقد، وهي أكثر قوة من السابق ، فلا يوجد – حتى الان على الأقل – بديل يقوم مقامها أو يحل مكانها .
لكن ما تجدر الاشارة اليه والتنبيه بشأنه هو أن نجاح الديمقراطية واستدامتها يتطلبان توفر قناعة بأفضلية الديمقراطية على سائر النظم السياسية الاخرى ، وتوفير الضمانات الكافية لممارستها والحفاظ عليها بخلق تحالف واسع يدافع عنها ، وأن تتضافر الجهود لتبني ديمقراطية شعبية تتلمس مطالب الجماهير ، وتسعى لتحقيقها ، وأن تعمل على معالجة التفاوتات الاقليمية وردم الفجوات التنموية داخل الدول( متى وجدت) ،وأن يكون هناك تحديد واضح لمهام الجيش والشرطة ، وان تجتهد الحكومات الديمقراطية في محاصرة الفساد ، وتسعى لتحديد آليات الخلافة السياسية ومدة الرئاسة بنصوص دستورية غير قابلة للتعديل .