الإعلام الإلكتروني كإعلام بديل

يوسف عمارة أبوسن

يشكل الإعلام الإلكتروني التفاعلي بنوافذه المختلفة بديلا عن الإعلام التقليدي ، ليس لبعده عن الرقابة أو لتعدد منافذ النشر الرقمية وتنافسيتها وإنما لأنه المنصة التي يمكنك عبرها بث ما تشاء إعتمادا علي مصادر من ذات المنصة أو منصة موازية لها بدون أن يكون لأحد حجر علي مصادرك ، ففي الإعلام الإلكتروني تستطيع أن تختار جمهورك والشرائح التي يهمها ما تكتب وهي شرائح بدورها تختار وتنتقي ما تتابع من بين ملايين الرسائل الإعلامية في الفضاء الإسفيري ..
في الإعلام الإلكتروني لا سلطة رقابية غير رقيبك الداخلي وحسك المهني اللذين سيكونان المتحكم فيما تنشر ، وفي هذا تتسع مساحة المسؤولية الأخلاقية حتي في وجود حظوظ النفس وما يتبعها من حب الظهور الإعلامي وسطوة الأفكار وإستخدام الإعلام كسوط إبتزاز للأشخاص والأعمال والحكومات ..
فالإعلام الإلكتروني إعلام مبادرات لا قوالب ، وإعلام تجديد لا تنميط ، وإعلام مسؤولية لا حاكمية ، وهو إعلام مساواة في الفرص لا إحتكار للحقيقة أو تضييق للرأي الآخر ، ولهذا أصبحت التفاعلية هي السمة الرئيسية للإعلام الإلكتروني لكونها «المطلب الرئيسي الذي يبحث عنه الكثير من مستخدمي وسائل الإعلام على مختلف أشكالها وهو ما جعلها أحد إمكانيات القوى الدافعة نحو انتشار استخدام وسائل الإعلام الجديدة »..
لكن لكل صنعة ميزات وإشكاليات ، وميزات الإعلام الإلكتروني عديدة منها : إستقلال الهوية وحصر دوره في خدمة المجتمع، وكون أنه يعتمد علي التجديد والمواكبة المستمرة ولا يستمر بدونهما ، وكونه جزءا مهما من منظمات المجتمع المدني وظهيرا لها ، وأيضا كونه متجذرا في المجتمع ومتشعبا في مؤسساته ومتعددا في أشكاله وأساليبه من صحيفة محلية إلى مدونة أو موقع الكتروني أو محطة إذاعية عبر الانترنت، أو إذاعة خاصة أو إعلام للشتات في المهجر، أو إعلام تفاعلي متعدد الاتجاهات يلتف حوله المتفقون والمختلفون بعيدا عن السياق الرقابي المكبل للإبداع ..
ومن إشكاليات الإعلام الإلكتروني سرعة إنتشار الإشاعات وتمددها وهذه مسؤولية يتشارك فيها ناشر المعلومة مع متلقيها ، فالمتلقي الحصيف يجب أن لا ينشر معلومة أو خبرا لا تعضد مصادر تؤكد صدقيته ، وكذلك الناشر الذكي يجب أن لا ينشر ما من شأنه تعكير الجو العام وما يضر بالأمن العام والأمن القومي علي حد سواء ، ما لم يصدر ذلك عن جهة رسمية ، عدا ذلك وفيما يخص الأخبار الفنية والمجتمعية فهي تعود سلبا علي الناشر فتضعف صدقيته وتنهي ثقة المتلقي فيه ..
ومن الإشكاليات أيضا تحدي التشويش البصري ، فقد لجأت معظم وسائل الإعلام علي إحكام تمدد الجماليات وفنيات إيصال المعلومة عوضا عن إحكام مصادر الأخبار وتجويد التحليل ونقل الوقع كما هو ، وقد يكون ذلك منشأه تمدد ثقافة الصورة في المجتمعات والتي هي ركيزة للإعلان لا الإعلام والفرق بين الإثنين أن الأول لسلعة والثانية لرسالة ولا يجوز بأي حال من الأحوال تسليع الرسالة ولا العكس ..
ومن الإشكاليات كذلك سياسة الإغراق الإعلامي فعندما يبدأ المتلقي يومه بتصفح الإنترنت يجد نفسه في دوامة من التكرار الممل لأخبار مفتعلة ونكات سمجة ومواعظ متكلفة وأخبار ورسائل سياسية محنطة ، هذا بالإضافة للجرعة اليومية من أخبار النشاط الحكومي والتي هي جرعة مملة وموغلة في الإبتذال ، كل هذا يجعل هذا الإعلام الذكي بيد الكثيرين مثل من يشتري كل الصحف السياسية وهو يعرف خطوط وأهواء كل رؤساء تحريرها فيكتفي بذلك ويرميها في سلة النفايات ليشتري في اليوم التالي عددا آخر من نفس الصحف ..
ومن الإشكاليات ضعف مقومات البقاء والإستمرار وهذه ربما في إعلامنا الإلكتروني السوداني تكون بصورة أكبر ، وسببها أن الإعلام يعتمد علي الإعلان والدعاية كظهير مساند وداعم في تمويل العملية الإعلامية ، لكن فكرة الإعلان الإلكتروني لا زالت محدودة لدي أصحاب الأعمال في كثير من البلدان العربية ومنها السودان بطريقة كبيرة ، ومنشأ ذلك ضعف المحتوي الإلكتروني وضعف الإقبال عليه من الفئات المستهلكة للسلع والخدمات ولذلك يكتفي رأس المال بالتوجه للدعاية التلفزيونية وإن كان التلفزيون قد خسر كثيرا من أرضيته لصالح الإعلام الإلكتروني ، لكن هذه الفكرة لم تتنزل بعد علي أرض الواقع الإعلاني متمثلا في سوق الدعاية الإلكترونية ..
يبقي أن نقول إن جُل الحاضر الإعلامي هو للإعلام الإلكتروني وكُل المستقبل له وفقا لمعطيات كثيرة ، فلنوجه طاقاتنا لتطويره والإلتزام بمعاييره التجديدية والسعي لأن يكون مواكبا وجاذبا للأقلام والأفكار ..
**
كثاني مقال لي بصحيفة الصحافة والتي ستكون اطلالتي عبرها يومي الاثنين والخميس من كل أسبوع، فإنني ألفت نظر القارئ الكريم إلي أن ما أكتبه هنا لن يكون مقالا بحثيا طويلا كما عهدني متابعي الأفاضل في صحف أخري وكذلك لن يكون روشتات كما هو الحال في صفحاتي علي فيسبوك وتويتر ، ولكن سيكون ملخصا لعدة أفكار متداخلة في الفن والإجتماع والتراث والسياسة وتحليل الحاضر وفقا لمعطياته ، وأرجو أن أوفق في ذلك ..
كاتب ومدون