الصحافة تفتح جراب ذكريات بروفيسور الجزولي دفع الله «1/2»مبادرات معظم القوى السياسية انتهت بتحقيق الاستقلال وأنا لا ألومهم

حوار: حنان كشة/تصوير: الطاهر ابراهيم

مارس بروفيسور الجزولي دفع الله العمل الطوعي والإغاثي وقبل هذا وذاك هو طبيب وسياسي … إنطلاقا من ذلك كله ولأهمية إفاداته جلسنا إليه ودونا شيئا من الوقائع التي احتجبت خلف عباءة الزمان وفتحنا جراب ذكرياته الممتلئ عن آخره بصور أثرت في تشكيل واقعنا بكافة أبعاده خاصة البعد السياسي والإجتماعي، فهو شاهد عيان على الإستقلال ورئيس التجمع النقابي الأول ونقيب الأطباء خلال عامي 1982م ــ 1986م كما أنه تقلد منصب رئيس الوزراء خلال الفترة الإنتقالية التي أعقبت إنتفاضة أبريل ويشغل منصب رئيس اللجنة القومية لمكافحة المخدرات وفوق هذا وذاك فللرجل تجارب عديدة في تلك المناحي وغيرها صقلته بخبرة استحقت الوقوف أمامها … وضع القضايا تحت مجهر تشخيصه الدقيق وشرع يفصل في أوجه القصور وكتب روشتات علها تعيد الأمور إلى وضعيتها المثلى…

صف لنا المشهد الوطني أبان دخولك جامعة الخرطوم؟
المرحلة التي سبقت الاستقلال اتصفت بتوق السودانيين للحرية وكانوا يعتقدون أن كافة المشاكل ستحل بنيل الاستقلال وبذا اهتموا بتحقيق الاستقلال وقلما يهتمون بما بعدها وذلك إنطلاقا من رؤيتهم الجماعية بأن الاستقلال سيكون عسيرا فعلت أصوات الأناشيد الوطنية وأبرزها صه يا كنار وكانت هناك أحزاب واختلافات وكان الجميع يتحدث عن الاستقلال بفرحة آمال عراض.
وقتها كانت البنيات الأساسية مكتملة؟
نعم فقد كانت لدينا خطوط جوية وبحرية وخدمة مدنية وبوستة حتى أنه كان يتم التحايل لإيصال البوستة عن طريق الجرارات للمناطق التي توقفت فيها خطوط الطرق البرية في أنحاء نائية بمقاييس ذلك الزمان وكان لدينا نظام تعليمي جيّد وكانت كلية الطب جامعة الخرطوم أحسن كلية طب بين القاهرة وجنوب أفريقيا، وكان لدينا مشروع الجزيرة والنقل النهري والبحري لكن ذلك وغيره كثير إضمحل قليلا قليلا حتى ذاب.
بعد مرور ما يزيد عن الستين عام هلا قيمت لنا تجربة الاستقلال؟
من الواضح أن تفكير معظم القوى السياسية ومبادراتها انتهت بتحقيق الاستقلال وأنا لا ألومهم فذاك انجاز كبير بدونه لا يمكن فعل اي شيء وباتجاه آخر فإن جهودهم لم تتواصل.
هل نفتقر للتخطيط؟
نعم وإذا تحدثنا بدقة أكثر نحن نفتقر للتنفيذ فكل مشكلة في البلاد تمت دراستها وأعيدت دراستها لكن العبرة دائما بالتنفيذ ونحن لا نملك إصرارا ويبدو جليا أننا لا نتفق ودليل ذلك أننا واصلنا العمل في المؤسسات التي تركها الإنجليز لكننا فشلنا في إبتداع مؤسسات جديدة تدعم البنية التحتية وهنا ثمة سؤال يطرح نفسه لماذا أنجز السودانيون في دول المهجر وعجزوا في بلادهم.
في رأيك ما هي مسببات عدم الإتفاق للإنجاز الجماعي؟
كل يود أن ينسب النجاح لنفسه ونحن نفتقر للتفكير الجماعي وسنظل مختلفين، كذلك فإن القوى السياسية تفتقد الثقة فيما بينها وهذا أفقد الرأي العام الصدقية وسلبنا القوة كما أن السودانيين صاروا ماضيين أي أنهم يتحدثون عن الماضي ويحنون إليه على أنه الأفضل.
إذن هل الواقع محبط؟
نعم محبط جدا.
ما هي أبرز أوجه الإحباط؟
حكومة الإنقاذ الوطني كادت تكمل ثلاثين عاما منذ أن جلست على كرسي الحكم لكنها لم تقدم إنجازات ملموسة تقنع الشعب وذات الأمر ينطبق على المعارضة التي تفتقر لمشروع يتضمن برامج محددة بزمن وإذا كان الذين يحكمون والمعارضة ليسوا مقنعين فلا غرابة أن يشعر السودانيون بالإحباط الذي لا يصل درجة اليأس فالشعب السوداني لديه من الإمكانيات ما يخرجه من الواقع الذي لا يرضاه.
في رأيك هل مازال الشعب السوداني متمسكا بالخصال التي عرفت عنه؟
بالطبع لا فالظروف تغيرت وتغير معها الشعب والحكومات أثرت في ذلك والصور كثيرة أهمها أن تحقيق الأغراض صار لا يتم في الغالب إلا عبر طرق ملتوية مثل تقديم الرشوة التي صارت تعرف بالتسهيلات وإنعكس ذلك على البنية الإجتماعية وكثير من القيم بدأت تتآكل
كل حزب ينادي ويعمل لتحقيق مصلحته الذاتية؟
لا أتفق معك جزئيا لكن المصالح جزء من العمل الحزبي والمصالح الذاتية موجودة والمهم أن لا تكون المصالح الذاتية هي الهدف الأوحد ويمكن إستصحابها مع مجموعة الأهداف الأخرى.
إذن ما هي المشكلات التي تعاني منها الأحزاب؟
أحزابنا تفتقر للبرامج الواضحة المحددة بزمن بما فيها الحزب الشيوعي وهذا ضعف أساسي كذلك هي تعاني من عدم وجود مبررات وذلك يكرس للتشتت.
أين كان بروفيسور الجزولي دفع الله يوم الاستقلال؟
كنت أدرس في السنة الرابعة بكلية الطب جامعة الخرطوم.
ما هي الآمال التي كنت تختزنها في مخيلتك؟
كنت أطمح لتأمين المستقبل بشكل أفضل مما عايشنا وكنت أرى أن بإمكان البلاد تحقيق مكتسبات أكبر، في ذلك الوقت كنا كطلاب مهتمين ومشاركين في العمل السياسي بقوة وكان السياسيون أنفسهم يخاطبون الشعب عبر جامعة الخرطوم وهكذا كانت آمالنا عريضة وقد حلمت في يوم من الأيام أن أصبح رئيسا للبلاد.
كاد الحلم يتحقق فقد شغلت منصب رئيس مجلس الوزراء. كيف تقلدت المنصب؟
قبل الإنتفاضة كنت نقيبا للأطباء وكانت النقابة وقتها على درجة من القوة وكانت مهتمة بالعمل السياسي وفي أبريل من العام 1982م نظمنا إضرابا استمر شهرا كاملا وطالبنا النظام المايوي بتوفير ظروف عمل أفضل للطبيب وباءت كافة مساعي النظام لكسر الإضراب الذي كان سياسيا في واقع الأمر وإنزعج الناس وقتها خوفا من أن يرتكب الرئيس نميري وقتها حماقة لكسر الإضراب فأرسل لي الراحل أحمد الميرغني من يخبرنا بضرورة فك الإضراب فإمتنعنا وآخر المطاف ما كان من الرئيس نميري إلا أن دعانا للقائه بالقصر الجمهوري وتفاوضنا معه وإتفقنا على إلتزامه بشروط قبل أن ننفذ مبتغاه.
ما هي أبرز المكتسبات التي حققتموها ؟
المكتسبات كثيرة أهمها أن مرتبات الأطباء التي كانت أقل من مرتبات عاملات المنازل زادت أكثر من الضعف كما أننا كنا نسعى لتوفير بيئة عمل أفضل للطبيب وبالفعل تم الإرتقاء ببيئة العمل وغير ذلك كثير والأهم من هذا وذاك أن الإضراب كان بداية قادت لتشكيل التجمع النقابي الذي تكون من نقابات الأطباء والمحامين والمهندسين والمصارف وأساتذة الجامعات وعمال جامعة الخرطوم والهيئة القومية لموظفي التأمينات العامة وتم إختياري رئيسا للتجمع النقابي الذي نظم إنتفاضة أبريل 1985م التي فجرها الشعب السوداني.
ما هي تفاصيل الضغوط التي مارستوها على الحكومة؟
قررنا نحن كتجمع نقابي تنظيم إضراب سياسي يوم الأربعاء الثالث من أبريل 1985م وقد كان حيث توقفت الحركة تماما بما في ذلك دواوين الحكومة وهكذا سقط النظام بالكامل وظل الحال على ما هو عليه ذلك اليوم والأيام التي تليه وصبيحة السبت أعلنت القوات المسلحة وقوفها إلى جانب الشعب أما نحن فتم إقتيادنا منذ اليوم الأول إلى سجن كوبر وبعد الإنتفاضة قام المواطنون بتكسير السجن وخرجنا مشاركين في الإحتفال بسقوط النظام بعد أن سقطت الحكومة جلسنا ممثلين للنقابات السبع التي كونت التجمع النقابي لنختار الوزراء وغيرها من ترتيبات المرحلة الإنتقالية وتم إنتخابي رئيسا للوزراء من قبل التجمع النقابي.
كانت تلك فترة حرجة من تاريخ السودان؟
نعم الفترة كانت حرجة جدا خاصة فيما يتعلق بعدم وجود وقود سيارات وكان كل شيء بالصفوف بما في ذلك الحصول على الخبز أما الماء والكهرباء فكانتا منعدمتين تماما كما أن علاقات السودان الخارجية كانت سيئة جدا وضربت المجاعة إقليم دارفور وكانت المهمة صعبة لكن استطاعت الحكومة الإنتقالية الدخول بممثلين لكل القوى السياسية والقوات المسلحة والشرطة وحاولت الحكومة أن تكون كل القوى ذات التأثير في المجتمع السوداني ممثلة في الحكومة واستطاعت كل المكونات العمل بانسجام طوال الفترة الإنتقالية كما أن كافة الخدمات الأساسية سجلت استقرارا تاما ولم يكن ذلك صعبا فكل وزير قام بدوره لا غير.
هل أحدثتم جديدا في ملف علاقات البلاد بغيرها؟
نعم حسنّا العلاقات بل وقضينا على المجاعة في دارفور حيث أن الأمريكان أمدونا بعيش ريغان كما أن الدول الأوروبية ساهمت بتقديم عون عبر ما عرف بالإناء وكانت الحكومات تدفع أموالا حتى يحصل السودان على الوقود.
ما هي أبرز الدول التي وقفت بجانبكم؟
كل الدول كانت مع ثورة السودان في ذلك الوقت حتى أن السفير الأمريكي وقتها كان من أصول إيرانية كان متعاطفا مع السودان يدعى موران وكان يرى أن الثورة في السودان هي البداية الصحيحة للديمقراطية أهداني كتاب بنائية الثورات يتضمن عن خمس ثورات منها الثورة البلشفية والإنجليزية والفرنسية والأمريكية.
وقد زرت معظم الدول العربية ويوغندا وكينيا محاولا اللقاء بجون قرنق أملا في الوصول إلى حل يوقف الحرب التي كانت في أشد أوجها وتحقيق السلام وقابلت رئيسي الدولتين لكنهما لم يتمكنا من تحقيق أي شيء فجون قرنق وقتها كان يمكث مع الرئيس الأريتري مانقستو وكانت تلك الدول وغيرها مع ثورة السودان.
ما هو الخيار الأنسب الذي يمكّن البلاد من الإستفادة مع دول الجوار والمنطقة؟
السودان دولة مهمة في محيطها بحكم موقعها فيمكن تصنيفها مع دول شرق أفريقيا وشمال أفريقيا وغير ذلك لكن رغم أهميتها تلك يمكن أن تصنف على أنها دولة هامشية فنحن عرب هامشيين مع أننا أكثر عروبة من بعض الجنسيات الأخرى كما أننا أفارقة هامشيين أيضا لكن بالرغم من ذلك يمكن أن نلعب دورا بقبولنا للعرب والأفارقة كمحايدين بتقريب وجهات النظر إذا لعبنا ذلك الدور بحكمة وروية.