حينما احتفت السحب بالأرض وعزائم الرجال.نيالا و ( البشير ) .انتفاضة (تاريخية)وحشد مذهــــــل

 

نيالا: محمد حامد جمعة

هبطت نيالا صباح أمس ، وحينما كانت الطائرة تميل للهبوط كانت خضرة ممتدة مثل البساط تنتشر علي مد البصر ، هبات الهية منحت المشهد ملامح اختيارات فريدة لاشكال أشجار ضخمة تشبه المانجو ، وقوائم شجيرات «دوم» إستقامت تدلي اطرافها مثل حسناء مدت شعرها في بهاء ، المدرج بدا لامعا سميك الاسفلت بسخاء تماسك اظهر علامات ارقام مما يفك شفرته الطيارون ، شعور مريح يغشاك ، المطار الحالي جميل وان كنت اظن ان بعض الجرأة قد تجعله منارة ، يتكامل عجبك لحظة خروج المسافر بهواء منعش ، حماسة اشراقة الشمس لم تهزم عزم انسام معطرة مع امتدادات رحيبة يقوم في زاويتها مشهد جبل اظنه «ام كردوس» تقع المدينة خلفه او يظلها بمهابته ، قطعت طريقا يجتهد عمال وعمالات في تنظيمه بالطلاء ، واخر رتوش التهيئة ، مسار للذهاب وللاياب ؛ كان ينحدر بنا الي قلب المدينة التي يلفت نظر الداخل اليها ، مع طقس تحسست فيه حواف تعبير «أجواء خرافية» ، في «نيالا» كأنما الملائكة تلثم الارض ، ويكاد الغيم يصافح الطرقات ، لو كنت مكان وزير «السياحة» لما ترددت في جعل المدينة مهبطا للاسر والعائلات ، حراك وازدحام ، الجميع هنا فيما يبدو يعمل ويكد في الرزق ، شكل المركبات ، هيئة ماركات السيارات ، اكتظاظ المصالح يشير الي حياة فيها جهد العطاء الوافر ، ورغم اني غبت عن المدينة لعقود لكني يمكنني القول ان المدينة التي شهدت عمارها الانسان ، ويبدو ان كل الولاة الذين سبقوا فيها قد وضعوا اسماءهم في لوحة من حكموا اكثر من وضعهم لوحة لمن حكموهم ، مساء نفس يوم وصولي تأكدت اكثر من ان الوضع بدارفور تجاوز الحرب ، المدينة تتحرك بالانس والتجارة والضجيج حتي منتصف الليل مثل الخرطوم ، حينما تجولت بين العصر ومنتصف الليل وثقت ان «نيالا» صرة السودانيين وآصرة قربهم وتواصلهم وان هذا الوطن في واقع الامر اوسع واطيب من خزعبلات الرواة.

الأمانة تقتضي القول اني لم أشهد قريبا او بعيدا إحتشادا مماثلا لإستقبال البشير ، كما يحدث أمامي الان نيالا ، ولاول مرة واكتب من زوايا الطريق خارج مكان الاحتفال الرسمي لاول مرة اشعر ان الحشد غير مدعم بحشود الموظفين والطلاب ، حضور يمكن ان اقول …عفوي ، الوف كانت تزحف علي طول إمتدل اكثر من «11 » كيلو متر ، من المطار الي ساحة المولد و«السحيني» ، حضرت مشادات بين رجال الأمن والمواطنين ، بعد ان رفض بعضهم التحرك لتنظيم مرور الموكب الرئاسي ، قال المواطنون ان الرئيس رئيسهم واتوا لمشاهدته والاستماع له ولن يتزحزوا شبرا ، عجوز معمم قال لي وهو يعيد صف عمامته ويصلح اطار نظارة طبية ، يعدل ارتكازها علي عينيه ، لقد جئت من الضعين بشرق دارفور لمشاهدة الرئيس والاشتراك في زيارته ، قلت له هل انت مؤتمر وطني اجاب بشكل حاسم «لا» انا مواطن والبشير رئيسي ، واضاف مستفسرا أليس هو رئيس الجميع قلت مؤمنا بالتأكيد ، ثم سكتَ وسكتْ استرق السمع لنقاش بين الحشد عن نيالا وانها اكبر من الخرطوم إن وجدت «شوية خدمة» وبعض جهد.

قصدتها عمدا ، ستينية ، مربوعة ، عريضة السمرة ، علي وجهها اثار شلوخ درست ، كانت تربط رأسها ووسطها تجزل التنبيهات لعاملات معها ، في مطعم صغير او دكان اصغر ، وفناء توزعت فيه الاواني ، ومغسلة ، وطفل صغير يصنع بعض الفوضي اظنه حفيدها ، جذبني ضوع أبخرة المأكولات البلدية الذي دل علي كريم صنع وموهبة ، تقدمت اليها «سلام عليكم» ردت «مرحب السلام» ، سألتها عن مطايبها قالت كذا وكذا وكذا ، مع كل وصف تعقد بنصرا وتطوي خنصرا ! كان الزبائن قد جعلوا اعزة صحونها ، مثل فعل الملوك بالثروات ، اهدروها ، جلست وقد اسرني ورود اسم «البامية» ضعيفة نفسي أمام هذه النبتة او الثمرة ! دقائق وحضر طلبي ، كسرة خاطفة لونين هي الي الاحمرار المصفر اقرب ، كانت ساخنة «بوخها» يتلوي ، وكذلك الطبق الذي فيه ملاح البامية ، ثواني وطبق اخر حوي بصلا وقطعا من «التبش» المقطع بعناية ، جواره محتوي من شطة حمراء المواقد من السخونة ، شطة ذات بذور ، وملح دريش ، سميت الله ، جبنت من الشره ان انادي عابراً لمحني للتفضل ، ثوان اقل من الثانية كان الطبق مثل فؤاد ام موسى فارغا ! حتي اني اجريت احد اصابعي اجمع بواقي نثار الكسرة ولزوجة الملاح ، كنت مع ذلك قد نثرت الملح والشطة فوق «كراضم» التبش والبصل ، اقيم موسما للمضغ ، والتلذذ مسرحه لساني وبعض جوفي ، صخت هتفت يا لهول هذا الطعم ، لابد ان منابت هذه النعم جزء من حافة الجنة ، فرغت وجلست مثل الذاهل عند حيرة صحت بالسيدة يا حاجة اسمك منو ؟ قالت «زهرة» قلت لها سلمت يداك وطاب سعيك الحلال رزقا وعافية ، قلت لها انت ماهرة في الطبخ ، قالت بفخر تبدي في وجهها تبسما ..دي دارفور و«نالا» يا زول! ، خرجت بعد ان حاسبت – السعر اقل كثيرا من الخرطوم – وغادرت المكان ونفسي تحثني علي العودة وتقبيل يد السيدة وطلب ..عصيدة.

كذبت امس جنوب دارفور سنوات من اضعاف العزائم ، وبث سموم الفرقة ، والولاية في عاصمتها نيالا و«قريضة» تعيد ترتيب الاوراق واعادة زوايا اللواقط وتصوير المشاهد ، لو ان في تاريخ البلاد مواكب وحشود في الكره والفرح والاحداث والوقائع فيمكنني القول عن ثقة ان يوم امس كان يوما للتاريخ و«البشير» سيكون موجعا علي قلوب كثيرة ادمنت التخريب والخراب، الاقرار بان نيالا امس اقترعت للبشير قبل 2020 ، وبعده ، به وبدونه ، ترشح ام اعتزل وإعتذر ، كل هذا لا يهم ، المهم ان شمس الحقيقة قد توسطت الامس السماء ومطلع السهل والجبل ، وحق للبشير ان يمتدح اهل جنوب دارفور وواليها المهندس ادم الفكي الذي دشن مسيرة عملية وسياسية جديدة وهو ينال الثناء الرئاسي جهرا وعلي الهواء الطلق ، وسيكون وقع ما قال البشير شاقا علي خصومه بالمركز وعلي بعض جيوب الحانقين عليه بالولاية اذ لا بعد قول بعد قول الرئيس ، الحشد العظيم والتدافع العفوي شهادة لصالح «الفكي» لانه ان لم يكن مقدما ومرضي عنه لما اتي كل هؤلاء، والسودانيون شعب شديد المراس وواضح تجلبه قناعاته وليس مواعين السلطة.

لفت نظري في نيالا جهدا لمنجز سيغير ، استهلال الزائر للمدينة ، كان ذاك هو طريق المطار ، الممتد الي داخل المدينة وهو نتاج فكرة ومبادرة اظن انه من المفيد تعميمها في كل الولايات ، شارع المطار والمعرف باسم «مسار الزائر» نتج من مقترح سياسة الارض مقابل التنمية ، لتشرع ولاية جنوب دارفور في تنفيد عدد من المشروعات وشملت شارع المطار «مساقين» بعرض 14 مترا وطول 6.345 كيلو متر «تتكرر المسافة» باعتباره مسارين ثم شارع دريج الي جانب شارع وزارة التربية والتعليم وشارع الجمهورية وشارع المستشفى لتبلغ الجملة ما يقارب الستة عشر كيلو متر ومتوقع ان تنتهي هذه الاعمال بنهاية اكتوبر المقبل ، الطرق صممت باشراف وزارة التخطيط العمراني بالولاية فيما تم التنفيذ بواسطة شركة مان للبنية التحتية احدي الشركات المعتمدة لدي الهيئة القومية للطرق والجسور الاتحادية وهي المقاول الرئيسي لتنفيذ الطريق القاري «نيالا ، عد الفرسان ، رهيد البردي » وسددت الولاية تكاليف المشروع عبر سياسة الارض مقابل التنمية وفقا لقرار مجلس الوزراء الولائي في العام 2016 حيث فضت الشراكة حول مشروع مركز المال لتوظيف قيمة الارض في تنفيذ اعمال الطرق الداخلية وشمل قرار فض الشراكة بتشييد مول تجاري متوافق مع مواصفات المراكز التجارية العالمية حيث من المقرر ان ينتهي في فبراير 2019.

عبرت في طريقي الي ساحة «السحيني» من مدخل شارع جبل مرة ، هو الطريق الذي يتخذه المسافر من نيالا الي جبل مرة ، كان حي النسيم ، والجمهورية ثم السد العالي وانعطفت الي شارع «الكنغو» بدت تلك الاحياء جميلة النظام مرتبة الشوارع والواجهات ، لفت نظري حجم الاشجار الكبيرة المتخمة بالخضرة والظلال ، احياء دلت علي ذوق رفيع للسكان ، ابنية جميلة مع نظافة واضح انه سلوك مجتمعي راسخ ، ربما لا يوجد منزل في الاحياء التي عبرتها لا توجد امامه شجره او تقوم قريبا منه ، بعض الشجيرات عريضة الجزوع طليت جزوعها بخليط من لون ابيض واخضر اكسبها جمالا ، وعندما انعطفت قريبا من ساحة الاحتفال توسطت موقفا للمواصلات كانت الحركة فيه متصلة ، ومنظمة ، مع اتساع وتعدد مسميات الخطوط فاني لم اشهد اختناقات ، لفت نظري كذلك ان التنقل في المدينة يتم بيسر وباسعار تبدو اقل كثيرا من الخرطوم وان طالت المسافات.