روايات خاصة: لحن المطامير

«1»
يتوسط القمر السماء ، يشع الضياء في كل مكان ، ومن بين السنابل هناك حركة ويدور همس ، النسيم ينساب عليلا ، ويغرق المكان في السكون ،وحتي السنابل تتقارب كأنها تسند بعضها بعضا ، أحب هذه الأجواء ، أختلي بعيدا ، وأجلس القرفصاء ، أنصت الى قلبي ، وأعيش لحظات صفاء خاص وأستغرق في تفاصيل حياتي الصغيرة وأفكاري الصغيرة وأحلامي الصغيرة ، وأبحث عن إحساس الدفء ، وأسترجع انتصاراتي المرحة وانكساراتي الأسيفة ، ولكن اليوم التفاصيل تبدو مختلفة ، و«ود النزاز ، وود الكرار» يقفان هناك ، يدور أحدهما حول «الجرن» ويحدد مساحة «التقاة» ، هذه لحظات أعرفها ، فقد أمضينا النهار كله سعياً بين أرجاء «الوادي» نجمع سلال الذرة ، ونستمتع في الظهر ببعض الشاي تحت أغصان شجرة.
يتسرب لاسماعنا نقر كسول ، كأنما يهييء المشهد ، ويشحذ الهمم ، يتعالى رويداً رويداً ، ويكتسب الزخم ، تتسق الترددات وتشكل لوحة ذات موسيقى وجرس ، و يعلو صوت أجش يغالب حشرجات ويبحث عن مقام اللحن وصدى الحماس:
دق العيش في القمرا
يا أب راسين نارك حمرا
ويأتي الكورال ببطء : أنا ماني حي
أنس قليل وتسامر تهزمه أصوات متتالية ويزداد الزخم قليلا ، كأنما يتحسسون وقع الكلمات وأُثر الفعل ، وقد انغمس الجميع في المشهد :
الليل برد ، ماني حي
والصيد ورد ، أنا ماني حي
شمه جات ، ماني حي
ولابسة العاجات ، أنا ماني حي
الخدير ، ماني حي
و الأكله الطير ، ماني حي
الأصوات الخجولة تلك تتعالى وتشق الأفق وتنعش ليالي الشتاء الموحشة ، ومع تناثر ذرات الحبوب ، تبعث الحيوية وتشعل الحماس ، وصوت «المدقاق» أكثر وقعاً واتساقاً ، والأجساد شبه العارية تتداعى وتنغمس في همة ، وتتحول الصورة الى سيمفونية تتشابك فيها الكلمات ووقع النقر وتعالى الأنفاس وتناثر قناديل الذرة .
«2»
يضحك ود النزاز بأعلى صوته ، وهو يجمع القناديل عصر ذلك اليوم ، يهييء المكان ويبعد الحجارة ، ويجهز عدة الجبنة ، ويمارس قصصه الأسطورية تلك ، بينما ينهمك ود الكرار في تنظيف «المطمورة» ، يراجع الحواف ، ويتحسس الأرض ويطمئن على توزيع «السيوه» او «السويبة» ، فهذا حصاد موسم وقوت أسر ومخزن إنتاج وعلامة فخر ، وقديماً قال أبو سن في مدح صديقه :
جئت بإمتثال صاحبي المتمم كيفي
إبراهيم ثبات عقلي ودرقتي وسيفي
مطمورة غلاي، مونة خريفي وصيفي
سترة حالي في جاري ونساي وضيفي
تنتصب أمام البيوت ، تمثل أمان القوت في عاديات الأيام ، تخزن فيها الأسر كلها ما يكفي العام ، بنسب معروفة ، وتلك مواسم ذات طعم خاص ، وعنوان الرخاء والارتياح، والحال واحد في صبيحة يوم «دق العيش» وفي يوم «فتح المطامير» ، يتشارك في الفرح الجميع ، وإن تنوعت الملكية فان حق التصرف للجميع ، لا يدخل الفرح بيت دون آخر.
وتمثل «المطامير» علامات فارقة وشواهد في الطريق تمر عليها القوافل بالذكرى ، وكما يقول الصادق حمد الحلال :
عقب عَطشَـــــانْ عَلي ومُطْمَرْ جَلالَه الشَّامِرْ
إدَّفقْ بَلا الضُّــــــهرِي أبْ سِحَابــاً عَامرْ
هَجيـــــمْ دِكَّة الفي عَصــــرُوْ مَالُوْ مقَامِرْ
ايَّا الصبّــــحَكْ مَحنـِـــــيْ وفُؤادَكْ ضامِرْ
ولم ينس الحردلو حتى في لحظات رحيله الشفيف ذاك أن يتذكر مظاهر الكرم ، والأودية والعيش ، وتقول روايات البادية إن الإنسان إذا دنا أجله تهيأت له مشاهد الرحيل ، ورأى منازله ، وصورها في تعبيره «بالزاملة» تهبط من السماء للأرض «الوطا» لتحمل الأرواح وتصعد ، قال في تصوير رقيق:
زُمُـلْ القُـدرَه جَـنْ وفي الوطــا مَـــا خَتَّـــنْ
طـارَن لــي السَمـــاء ومِتلَ القمـــارِي إِسَتَّنْ
الجُــود والحَــــيا مِـن العُـقـــــول إِتْحَـتَّـــنْ
طَالَ الشوقْ علىْ الوَادي أَبْ عُيوشَنْ شَتَّنْ
وفي هذه اللحظات التي تهفو النفوس الى الحياة وتنقبض للرحيل ، فان أكثر ما يهيج قريحة الحردلو ، أن شوقه طال للأودية والعيش ، إنها سجية رقيقة وإحساس دافق بالكرم وعامر بالمعاني الإنسانية ..