قراءة مختلفة لأمل دنقل بمنتدى دال الثقافي.الأستاذ مامون التِلب : أمل دنقل اعتمدَ في أعماله على استقراء أحــداث تاريخــيّة عظيمــة مثـــل حيـــاة اسبـــارتــكــــوس

الخرطوم بحري : حسن موسى
يرى الشاعر والأستاذ الصحفي مامون التِلب ان اعمال الشاعر أمل دَنقل قَد ظُلِمَت ظُلماً فظيعاً بالترويج المُخل لأعماله الشهيرة ، أمثال « كلمات اسبارتكوس الأخيرة « وقصيدة « لا تصالح « ، واللتان رغم جمالهما الفتَّان تقعان في مكانٍ بعيد بالنسبة لأعماله الأخرى .
وقال في الندوة التي نظمها منتدى دال الثقافي بمقره بالخرطوم بحري عن الشاعر المصري أمل دنقل كشاعر مستقبلي والتي حظيت بحضور كبير نوعي ومتميز قال ان ورقته المقدمة عبارة عن إضاءات شخصيَّة لا تدّعي النقد أو العِلمِيَّة ، وإنما تنحو إلى الذاتيّة أكثر من كونها ورقة نقدية تتموضع تحت منهج بحثي محدد الهدف منها قراءة أكبر قدر من الأعمال الخفيَّة كما أراها ، .
وأكد ان ما يمكن إضافته في هذه الورقة والحديث لمامون التلب ان الشاعر أمل دنقل هو شاعر إقتصادي كلمات بإمتياز فكلّ كلمة موجودة في محلّها ، مع القتل العمد لأية عمليّات ثرثرة شعريّة زائدة ، وحسب رأي صديق اخر ان أمل « ده التقول بيدوهو « الكلمات مع بعض على ان لا يزيد عليها كلمة واحدة طوال القصيدة ، مشيراً مامون التلب إلى ان الكثير من القراء يبحثون عن أعماله الشهيرة هذه والتي وردت في « أوراق الغرفة رقم 8 « ، ولكن يا لهولك إن انفَتَحَت لك حفرة « العهد الاتي « ، ذلك الديوان المحيّر جداً والذي يستوقفك ويشدّك معه إلى أعماق إيقاعات العالم الداخليَّة ، وحركات الطبيعة الأشدّ غموضاً وتعبيراً للكشف للإنسان وعن مجاهل ذاته ، وركِّز مامون التلب في هذه الورقة على إضاءَة ديوان « العهد الاتي « الذي يضمّ أعمالاً نادرة مثل « سفر ألف دال « و « سفر التكوين « وقصيدته العظيمة « المزامير» وكذلك قصيدته الحفيّة « بكائية الليل والظهيرة « والمنشورة في دواوينه المبكّرة قبل ان يبدأ منهجه في إستدعاء التاريخ وتحويله تحويلاً مُريعاً ليعكس الحاضر حاضر حياته ومن ثمّ المستقبل .
وناشد مامون بضرورة قراءة الشاعر أمل دنقل كشاعرٍ مُستقبَلي بعيداً عن الرمز السياسي الذي أعمى أبصار القُرَّاء عن أعماله العظيمة ، وأضاف ان أمل دنقل تقوم أعماله الشعرية على التربية خاصة عمله « مقابلة خاصَّة مع ابن نوح « مؤكداً ان هذه الأعمال هي الأعمق والأخْلَد بالنسبة لمشروعه الشعري العريض .
وذهب في إضاءته إلى ان أمل دنقل إعتمدَ كثيراً في أعماله على إستقراء أحداث تاريخيّة عظيمة مثل حياة اسبارتكوس ، حرب البسوس ، وتتبّع الكتاب المقدّس « العهد القديم « عبر ديوانه « العهد الاتي « ، ثمَّ بعض القصائد المتفرّقة في ديوانه الأخير « أوراق الغرفة رقم 8 « والذي كتبه إبان مكابدته لمرض السرطان الذي انهى حياته يوم 21 مايو 1983م ، وقرأ مامون الورقة الأولى والثانية من قصيدة « أوراق أبو نواس «
الورقة الأولى
« ملِكٌ أم كتابة ؟»
صاحَ بي صاحبي؛ وهو يُلْقي بدرهمهِ في الهَواءْ
ثم يَلْقُفُهُ
خَارَجيْن من الدرسِ كُنّا.. وحبْرُ الطفْولةِ فوقَ الرداءْ
والعصافيرُ تمرقُ عبرَ البيوت
وتهبطُ فوق النخيلِ البعيدْ
ملِك أم كتابة ؟ «»
صاح بي.. فانتبهتُ، ورفَّتْ ذُبابه
حولَ عينيْنِ لامِعتيْنِ
فقلتْ: « الكِتابة»
فَتَحَ اليدَ مبتَسِماً؛ كانَ وجهُ المليكِ السَّعيدْ
باسماً في مهابة
ملِكٌ أم كتابة ؟ «»
صحتُ فيهِ بدوري
فرفرفَ في مقلتيهِ الصِّبا والنجابة
وأجابَ: «الملِكْ «
«دون ان يتلعثَمَ.. أو يرتبكْ!»
وفتحتُ يدي
كانَ نقشُ الكتابة
بارزاً في صَلابة
دارتِ الأرضُ دورتَها
حَمَلَتْنا الشَّواديفُ من هدأةِ النهرِ
ألقتْ بنا في جداولِ أرضِ الغرابة
نتفرَّقُ بينَ حقولِ الأسى.. وحقولِ الصبابة
قطرتيْنِ ؛ التقينا على سُلَّم القَصرِ
ذاتَ مَساءٍ وحيدْ
كنتُ فيهِ: نديمَ الرشِيد!
بينما صاحبي.. يتولى الحِجابة!!
الورقة الثانية
من يملكُ العملةَ
يُمسكُ بالوجهيْن
والفقراءُ: بَيْنَ.. بيْنْ
وأوضح ان المثال الذي قدَّمه أمل دنقل كشاعر هو مثالٌ فذ مؤلم ومؤرِّق في نفس الوقت يذكِّركَ بقامات النصوص التي لن تموت ، ويذكِّرك أيضاً بان الحياة التي تعيشها انتَ مَيِّتة بالنسبة لما تُقدِّمه من « مثال « بل إنّه أخطر من الوُعَّاظ الدينيين ، وأخطر من صراخ السياسيين و من مُمَثِّلي الأخلاق ، إنه يتّهمك منذ ان طالعتَ كتابه، ويأمرك بان لا تصالح وإن منحوك الذهب ، وحسب ما يرى مامون التلب والحديث له « إنني دائماً ما انظر لهذه القصيدة كقصيدة مستقبل لا علاقة لها بما حدث بين العرب وإسرائيل ، ولا ديوانه « أقوال جديدة حول حرب البسوس « مُتعلِّقة بقضايا العرب واليهود ، لافتاً إلى إنها متعلِّقة بقضية الإنسان وحده والتحريم التّام لبيعه لروحه وعِزَّته مقابل أيّ مال يدفع له .
وأشار إلى ان أمل دنقل وهو يقرأ الحاضر والمستقبل ان الناسُ جميعاً تملَّكهم اليأس من كل شيء حيث إختفى الإنسان المُلهِم وحلَّ محله بكلِّ أسى الإنسان المُنهَزم ، والسِلَعيّ ، والمُستَهلِك والمنوَّم سوقيَّاً ، وقال مامون ان هذا الحديث يبدو اليوم مهووساً ومتطرِّفاً نسبةً لما يُسمِّيه « العقلاء « الواقع ، لكنني باعتباري ابناً لأمل دنقل أُمرتُ بان لا أصالح ، وكذلك يمتد الخطاب للجميع مهما قال الناس وقالت الحياة ان تغيير العالم مستحيل ، وان الرأسمالية تقهرُ كلّ شيء ، إلا انني إمتداداً من أمل وليس إنتهاءً بشعرائنا وكُتابنا أقول ما قاله الشاعر:
الطيور التي أَقْعَدَتها مُخالطة الناس
مرَّت طمانينةُ العيش فوق مناسرها فانتخت
وبأعينها فارتخت
وارتضت ان تُقاقئ حول العام المُتاح
ماذا تبقَّى لها غير سكّينة الذبح
غير إنتظار النهاية
وأشار لقد جُلت الكثير من بلدانٍ إفريقيّة واسيوية وأوربية في حياتي ولكنّني لم أُصادف ولو حتى بمقدار ذرَّة ثقة السودانيين في الناس وإكرامهم لهم وحبّهم للخير والجمال ، ولهذا دائماً ما انظر للشاعر أمل دنقل « كجنوبي « وانظر لنفسي كذلك كـ « جنوبي سوداني « لشدة صدق الجنوب عادةً أكثر من أيّ مكانٍ في الأرض .
ودعم الأستاذ مامون التلب هذه الورقة بمجموعة من القراءات الشعرية النادرة لأمل دنقل والتي وجدت تصفيقاً حاراً من جمهور المنتدى ، إضافة إلى ان الورقة واجهها عدد من الكُتاب والأدباء بعدد من الأسئلة المفصلية من بينها ان الورقة أهملت السياق العام التاريخي والإجتماعي الذي تكونت منه تجربة الشاعر أمل دنقل .