عندما تتم المقارنات

لا وجود للإ طلاق في حياتنا الدنيا ، والمطلق لا يزعم به إلا من يخدع نفسه ،حيث لا عدل مطلق ، ولا نزاهة مطلقة ولا إستقلالية مطلقة ، وينطبق هذا على كل فعلٍ وقولٍ صدر عن بشر ، إذ أن وجهات النظر، ومختلف الافعال، والأقوال، قد يجانبها الصواب وقد تحمل درجات ٍ من هذا وذاك .
ومن أجل ألا نكون شاطحين في آرائنا ومسرفين فيما نعمل أو ننوي عمله ، فطبيعة الحياة تلزمنا بأن نفضل رأيا على رأي، وعلاجا على علاج، ومقترحا على آخر ، وأن يكون معيار التفضيل هنا باتباع منهج المقارنات ،وبالتالي يقع الإختيار على الأحسن أو على ماهو أقل سوءاً فيما لو كان المطروح كله سيئا ، أو الأداء الذي تم لا يرقى إلى درجة كاملة من القبول .
ففي عالم الإقتصاد ببلادنا ، مرت علينا فترة من الدهر ، عشنا فيها كدراً ، ومددنا أيادينا سائلين العون والمساعدة بعد أن ذبل الزرع وجف الضرع وشمطت العروق ، ثم دار الزمان دورة أخرى ، فلم نجد من يرثى لحالنا، أو يستجيب لندائنا ، وهكذا تركنا نشكو لطوب الأرض، وننتظر الفرج من السماء .
ودورة أخرى رأينا فيها ، كيف نهض العلماء والطلاب للدفاع عن الأرض والعرض بتقديم النفس فداء، والتضحية بأعز الذي يمتلكه الإنسان .
ومن المنطق ألا نكون منصفين بأي درجة ، عندما لا نقارن بين وضعنا الأقتصادي في فترات الأزمات والندرة والمعاناة، وبين وضعنا الحالي الذي لا يشبه ما كنا نعانيه ونقاسيه من أحزان وآلام ، وذلك برغم إرتفاع أسعار السلع، ومايشتكي منه المواطنون من غلاء.
أما في الإطار السياسي ، فعلينا ألا ننكر بأن الرأي الواحد، والتوجه الأحادي ، قد فارقناهما ، فراق معذور وعاذر ، بدلالة أن الحزب الذي اكتسح الإنتخابات ، وكان بإمكانه أن يستأثر بالسلطة ، قد عرض بأريحية غير عادية سلطته لتوزع بين الآخرين ، في إتجاه عدم الإنفراد، وفي طريق توزيع الثروات .
والكل يعلم بأن المستبد لا يقبل قسمة في سلطة، والطاغية يبطش بمن يهم بأخذ أي نصيب من الثروة ، وهذه كذلك نقطة من النقاط التي تستحق أن نسلط عليها معايير ومنهج المقارنات والسبيل الذي ييسر لإجراء المفاضلات بين الأسوأ والأحسن وماهو أفضل ومفضول .
وعندما نبارح أوضاع الإقتصاد والسياسة ، فالأمر الذي يجبرنا على إجراء المقارنة ، هو عنصر التطلع ، ذلك لأن تطلعات المواطن في زمان مضى ما كانت تتجاوز لقمة العيش ، ولا تذهب بعيداً عن سقف يُرفع ليستمتع البنون والبنات بظل تحته ، ينامون ويسترون الحال .
ولكننا في هذه الأيام نرى بعيوننا كيف أصبح التطاول في البنيان مجالاً للتنافس بين صغار التجار وكبارهم ، وذلك بالرغم من العدد الكبير الذين ظلت تطلعاتهم في مربعها الأول ، وهي لقمة العيش وبيت من الطين متواضع الأثاث والبنيان .
وكيفما يكون الحال ، فالمقارنة بين وضع ووضع ، وحال وحال هي أمثل الطرق للحكم على الأشياء والأقوال والأفعال .