من أجل الإصلاح …. من يشكل الرأى العام ؟

لقد أصبحت الصحف الورقية ، والمواقع الإسفيرية هى التى تلعب دوراً خطيراً فى صناعة الرأى وبث الخبر ، وتفسير الأحداث وما ورائها ، وقد تحظى تلك الوسائط بقدر من المصداقية ، ولكن فى أغلب الأحوال لا تمثل هذه إلا جانباً محدوداً ، وتلمس وتراً دون بقية الأوتار وأن ما تستخدمه من أصابع لتحريك ذلك الوتر لا يؤثر إلا على الأحاسيس المتجهة نحو السلب وليس الإيجاب.
وتشكيل الرأى العام ، ينبغى أن يوضع فى مثل هذا الزمان ، من حيث الألويات فى مقدمة إهتمام القيادة ، وألا يكون فى هامش حسابها ، بإعتبار أن فساد الرأى ، هو الذى يوسع مساحات الخطر ، ويتلف ما تحقق من إنجاز ، وينشر الفزع والهلع ، حيث يتم نسف الإستقرار ، والقدح فى الأمن ، وذهاب الطمأنينة ، والتشكيك فيما هو حق ، ليتمكن الباطل ويستشرى ، ومن العبث عندئذٍ تصحيح خطأ قد تركَبْ ، ومفهوم تشوش ، وعقيدة طالها المسخ ، وصاحبها التأويل ، إن لم يكن كل التحريف .
ولقد سمحت لى الأيام الماضية بمجالسة شرائح متنوعة من الشعب السودانى ، وكان أغلبهم يتناولون ما يُنشر ويطلعون عليه بالصحف السيارة ، وصفحات المواقع بالشبكة العنكبوتية ، دون أدنى إهتمام لما تفصح به المصادر الرسمية ، وعند ما كان إستفسارى من هؤلاء ، لماذا لا تتجهون نحو الحصول على معلومات من مصادرها الأصيلة ؟ كانت الإجابة بأن ما يذاع فى نشرات الأنباء بالإذاعة ، أو التلفاز ، أو ما عرف عنه بأنه مملوك ، أو شبه مملوك للدولة من وسائل إعلامية ، لا يمثل إلا وجهة نظر مسئولٍ أتته التقارير الموجبة ، وهو لا يصرح إلا بمضامينها ، وأن مثل تلك المصادر لا تصلح لتشكيل رأى ، ولا ينبنى عليها موقف ، وإنما ما يصنع من مواقف ، وما يصدر من تصريحات ، إن كذبه الواقع ، ولم يفرض نفسه بتأثيراته على مجريات الأحداث ، وآراء الجماهير ، لأصبح من قبيل الترف المرفوض ، والبضاعة المزجاة والصناعة التقليدية ، التى لم يعد لها إنتشار أو رواج .
وتشكيل الرأى العام ، قد أضحى صناعة إنسحب التطور فى مجالها ، وتفتق العلم عن وسائل لها وآليات ، فإن عجزت مصادر الخبر ، والمعلومات عن إستغلال ، وإمتلاك مثلها ، والقيادات التى تتمتع بمهارة حاذقة لما تضطلع به من دور ، لتحولت الوسائط إلى أبواق ، والعاملون فى مطابخها التحريرية والمنتجون لمادتها إلى أرزقية ، ونشاط لا يتجاوز ما ينالوه منه إلا ما يغطى بالكاد ، أو لا يغطى ما يطلبونه من مطالب ، ويلح عليهم من ضرورات .
وإذا كان هدفنا أن يشكل الرأى العام وفق الذى نستهدفه ونستهويه ، لانطبق ما نصرّح به على الواقع ، وما ننادى من أجله متماشياً مع الأمل المعقود ، والحلم المنتظر ، والهدف الذى يرجى تحققه ، وليست إضغاثاً كأضغاث الأحلام .
ومن يشتكون من المسئولين عن الذى ينشر فى الصحافة والمواقع ، وهو لا يمثل إلا الكذب الصراح ، والإفتراء البيّن ، عليهم ألا يكونوا صيداً ثميناً للإحباط ، والغضب بقدر ما يحفزهم ذلك نحو الإنصياع لمنطق الحق المبين ، والقول الصريح ، والشفافية التى لا تخفى ما خلفها بل تعكس كل الأبعاد ، وتكشف ما يحويه الماعون من مضامين .
ولقد تطور منهج الإقتناع والإقناع فى هذا الزمان ، بشكل ينافى عدم الموضوعية ، ويناقض من يحاول قسراً وعمداً أن يأخذ النّاس معه ، وهو يسير عكساً للتيار ، وما دام الأمر كذلك ، فإن المسئول الذى يتلبسه التبرم من خبر نسب إليه ، أو تصريح طاله التحريف ، وفاضت بمواعينه الأسافير تغييراً وتبديلاً ، حسب ما يعتقده ذلك المسئول ، فإن الإجراء الأول ، والإحساس الصادق ، والصراحة مع النفس ، كلها جميعاً ينبغى أن تدفعه نحو التفكير فى التصحيح والتصويب ، ولكن فى مجال الرأى العام تبدو مشاريع التصويب وإعادة الأمور إلى نصابها ، ليست سفراً قاصداً ولا نزهة فى برٍ ، أو بحرٍ ، وإنما هى أمر يحتاج إلى صمود ، وصبر ٍ ، خاصة بأن الرياح فى معظم الأحيان تجرى بما لا تشتهى السفن .
والذين لا يأبهون للرأى العام ، ويضعونه سفهاً تحت أقدامهم ، ويستصغرون آثاره ، وإنعكاساته يخطئون النظر والفهم ، وما عليهم إلا بتحسس أقدامهم وهل هى ترتكز على أرضية ؟ أم أنهم كالمعلق فى الهواء وكالطائر الذى يطير بينما هو مهيض الجناح ؟.
وإن كان الرأى العام ، بمثابة الذى لا نعيره إهتماماً ، ولا نضع له وزناً ، لما قال شاعر العرب بأن الرأى ينبغى أن يكون هو الأول ثم تأتى بعده فى المرتبة الثانية شجاعة الشجعان
««الرأى قبل شجاعة الشجعان
هو أول وهى المقام الثانى»»
وقد يسأل متسائل عن المسئولية ودرجة تحملها ، والنسب المئوية التى تحدد من أعطاها حق قدرها ، ومن الذى تسبب فى التفريط بشأنها ، عندما يتصل الأمر بالرأى العام وإستقامته ، أو تشويهه ، أو فى كلتا الحالتين .
وعند الإجابة على هذا السؤال فإننا لا نستطيع القول بأن متخذى القرار بريئون مما يحدث بل هم الذين يتولون كبر الخطأ ، وجسامة الخسارة ، وتنعكس عليهم فى نهاية المطاف النتائج ، غضباً عليهم ، وسخطاً من أدائهم ، ورفضاً مغلظاً بما يعلنون عنه ، أو يصرحون .
ونلاحظ بأن الرأى العام ، قد إتجه فى الأونة الأخيرة إلى أرض الواقع ، فى شكل قصص حدثت وقضايا أمام المحاكم ، ومظاهر للترف تشاهدها الأعين ، وبذخ فى أفراح وأتراح ، وأشخاص كانوا فقراء ، فسالت بين أيديهم النعم ، وأفراد لم يمتطوا سيارة منذ مولدهم ، فركبوا الفارهات ، وغير ذلك من وقائع لم يصدرها تصريح ، أو بيان مكتوب ، أو مذاع بالبث مسجلاً ، أو مباشراً على الهواء ، وهذه الأمثلة ينبغى أن تجد معالجة لدى الذين يودون أن يسير الرأى العام فى إتجاههم .
فالمظهر الفاضح ، والظاهرة الشائعة ، والخبر المنتشر ، وأحاديث المجالس الراتبة ، والقضايا ذات الإهتمام مما يلتصق بحياة النّاس ، هى كذلك ذات تأثير بالغ فى تشكيل الرأى العام ، ولا يظنن أحدٌ بأن الرأى يمكن أن يكون خطاماً فى يده ، أو عجلة قيادة لا يتحكم فيها إلا من يجلس ورائها وقد وظف لمثل تلك المهمة ، ذلك لأنه إن ملك عجلة للقيادة فإن كل مواطن ومجموعة قد أصبحت تملك ما يجعلها تتحكم ، وما أكثر الذين يجلسون وراء عجلات للقيادة ، ولهم أفظع التأثير على الرأى العام .
وفى حقل الرأى العام قد أصبح الإحتكار مستحيلاً ولا يجدى أنئذٍ عجز القادرين على خوض هذا المضمار .