سباحة حرة في نهر عطبرة «3»

«1»
عند سن التاسعة تقريبا و انا في السنة الاخيرة من المدرسة الاولية عرفت ان الناس ينقسمون الى شايقية وجعليين و دناقلة وهدندوة و دينكا وفور وغير ذلك، وعرفت على وجه التحديد انني وأهلي نوبيون. وكان التقليد ان تسافر الاسرة مرة كل عام الى وادي حلفا لقضاء كامل الاجازة المدرسية الصيفية، وذلك تحت الشعار الخالد: «عشان الاولاد يعرفوا اهلهم ويرتبطوا ببلدهم». ولزمن ما بعد ذلك استقر وجداني على ان حلفا والحلفاويين هم اصل الحياة ومركزها واساس كل شئ، وأن بقية الناس والاشياء تدور حولهم كما تدور الكواكب حول الشمس!
وقد انبنت عقيدتي تلك على شواهد متعددة، واحدة من تلك الشواهد ان الحلفاويين في ذلك العهد لم يكونوا يقبلون تزويج بناتهم لغير الحلفاويين. وكان اذا تزوج احد الحلفاويين من فتاة غير نوبية من القبائل الاخري – و ذلك من النادر الذي لا حكم له – واراد احدهم الاشارة لذلك الزواج قال: ان فلانا « تزوج سودانية»!

ولأنني اثناء فترات اقامتي في وادي حلفا كنت اقضي غالب ايامي في منازل اهل والدتي فقد كان من الطبيعي ان يكون ذلك الجانب من الاسرة الممتدة هو اول من اتعرف عليه واكثر من تترسخ علاقتي به. كان جدي لأمي، عباس افندي محمد ابراهيم، من اوائل خريجي المدارس في السودان، وقد عمل موظفا اداريا متميزا في مصلحة السكة الحديد حتي وصوله سن التقاعد، و كان يتحدث اللغتين العربية والانجليزية بطلاقة الى جانب الرطانة النوبية. و اذا كانت الاشارة لاجادة اللغة العربية غير ذات مغزي عند غالبية السودانيين حيث ان العربية لديهم هي « لسان الام» كما يقول الفرنجة ، فان الامر يختلف عند كثير من النوبيين الذين كانوا يتحدثون النوبية كلغة اولي ثم يتعلمون اللغة العربية بعد ذلك في المدارس تماما كما يتعلمون اللغة الانجليزية. وهكذا جازت الاشادة بفلاح من افلح منهم في اجادتها.
«2»
ومسألة اللغة هذه كانت من أعوص المشكلات التي واجهتني في سنوات طفولتي فقد كان الكل في وادي حلفا يتحدث الرطانة النوبية الى جانب نوع من العربية يشابه في فكرته ومضمونه ما يعرف في جنوب السودان باسم «عربي جوبا»، وان كان الاخير اكثر ابانة و فصاحة. و اذكر ان امرأة نوبية عجوز من اهلي ارادت ان تقول لي بالعربية-الحلفاوية انها تعاني من الصداع فقالت وهي تتوجه الىّ بالحديث: « رأسك بتوجعني». و لم افهم كيف ان رأسي انا يمكن ان «يوجع» شخصا آخر!».
غير انني مع توالي الايام تمكنت من فك كثير من ألغاز اللغتين، الرطانة و»عربي حلفا»، تماما كما فك شامبليون ألغاز اللغة الهيروغلوفية، فأصبحت افهم الرطانة النوبية فهما جيدا وان لم اتقن الحديث بها. ولامر ما ساد اعتقاد داخل العائلة الممتدة انني فشلت في تعلم الرطانة، وقد اكتشفت في وقت باكر ان من مصلحتي ان اترك ذلك الاعتقاد ينمو و يضطرد دون تصحيح، اذ كنت قد لاحظت ان الكبار اذا ارادوا الحديث في موضوعات معينة في حضوري قلبوا من العربية الى الرطانة النوبية على ظن من الوهم انني لا استوعب ما يقال، فكان ترك هؤلاء «على عماهم» افضل واكثر فائدة بالنسبة لي من تبصيرهم !
«3»
و مع ان جدي عباس افندي محمد ابراهيم كان من ذوي الكسب المقدر تعليما وتوظيفا ومركزا اجتماعيا، الا ان عميد ذلك الفرع من العائلة كان بلا منازع هو ابراهيم أحمد ابراهيم شقيق جدتي طاهرة أحمد ابراهيم. و ابراهيم أحمد هو نفسه الذي يرد اسمه في الكتب والمدونات باعتباره رئيس مؤتمر الخريجين و رافع المذكرة الشهيرة التي انهت الى ممثلي المستعمر رغبة المؤتمر في حصول السودان على استقلاله، وقد تولي وزارة المالية في اول حكومة بعد الاستقلال. وكان ابراهيم هذا رجلا مهابا يتمتع بسلطة معنوية اسطورية في اوساط العائلة وبين سائر الحلفاويين اجمالا، و ربما بين كل من عرفه و خبر سيرته من السودانيين، فلا اذكر انني سمعت حديثا عنه قط طيلة حياتي في غير لغة التبجيل والاجلال باستثناء ما سمعته من شخص واحد فقط هو المغفور له الشيخ حسن الترابي. فقد وردت سيرة ابراهيم أحمد ذات مرة عندما كنت اجالس الشيخ في رفقة الأصدقاء حسين خوجلي ود. خالد التجاني و السفير «حاليا» خالد فتح الرحمن في العام 1995، فقال الشيخ الترابي عن ابراهيم أحمد انه كان متشببا بالانجليز متشبها بهم في هيئته و سلوكه، ثم شرع في نوع من التعبير الحركي الجسدي في محاولة لتمثيل جانب من ذلك التشبه المزعوم، واتبع ذلك بفاصل قصير من ضحكاته المميزة الساخرة. وأنا أنفي عن عميد اسرتنا، رحمه الله، انه كان متشببا بالانجليز. والحقيقة انه ليس في اسرتنا الكبرى متشبب بالانجليز غير عمنا العزيز رجل الأعمال ابراهيم كبارة الذي لا يخشى في محبة الانجليز لومة لائم، فلا يجد بأسا من المجاهرة بحبهم والاعجاب بهم، وهو يسافر بانتظام الى انجلترا لتأكيد الولاء وتجديد البيعة للملكة اليزابيث، أطال الله عمرها وبارك فيه.
«4»
كان لابراهيم أحمد اشقاء اخرون جميعهم ذوو مراكز اقتصادية واجتماعية مرموقة في العاصمة وغيرها، فضلا عن أصهار ذوي بأس مثل زوج شقيقته القاضي محمد صالح الشنقيطي، الذي تولي في مرحلة الاستقلال مناصب دستورية رفيعة. و كانت والدتي اذا نشب شجار بينها و بين والدي ذكرته بان والدها هو عباس افندي و ان خالها هو «الوزير» ابراهيم أحمد، لكأنها تلمح من طرف خفي بأن اسرة والدي ليست على ذات القدر من الرفعة و علو الشأن. و لم يكن والدي يقيم وزنا لذلك الهتر و يقول لنا ان والدتكم ناقصة عقل ودين و انها تهرف بما لا تعرف. و الحق ان والدي كان هو نفسه ذو صفة و مقام و هيئة بمقاييس ذلك الزمان فقد اكمل دراسته بمدرسة حلوان الثانوية في ضواحي القاهرة بمصر قبل ان يأتي الى السودان ليعمل بمصلحة السكة الحديد في اربعينات القرن الماضي. و كان شقيقه الاكبر، كامل، مهندسا تخرج في جامعة الملك فؤاد « القاهرة حاليا»، وهو من اوائل من هاجروا للعمل في المملكة السعودية، حيث تعرف على محمد بن لادن، والد أسامة بن لادن، و عمل معه و قيل انه شاركه في بعض المشروعات الكبرى، و لكن ارادة الله شاءت ان يقضي نحبه في حادثة صعق كهربائي اثناء عمله في احد المشروعات الانشائية بارض الحجاز.
ثم ان خال والدي مباشرة هو العمدة محمد داؤد عمدة حلفا دغيم. والعمودية راسخة عند اسرة اخوال ابي منذ عهد سحيق. و عمودية دغيم ليست مما يستهان به اذ ان دغيم هي رأس وادي حلفا و عمودها وذروة سنامها. ويذكر السودانيون هتاف النوبيين الشهير الرافض لإغراق أرض النوبة وتهجير سكانها الى منطقة خشم القربة في بداية الستينات: « حلفا دغيم و لا باريس». و هناك هتاف آخر منغم و مقفّي كان البعض يهتف به عندما يستبد بهم الغضب فيخرجهم عن طورهم وهو: « حلفا دغيم و لا برلين / خشم القربة يطلّع ….».
وعلاوة على ذلك كان لوالدي أقرباء اصابوا نجاحا مشهودا، وكان هو يعتز بهم وبنجاحهم اكثر من اعتزاز هؤلاء الاقرباء انفسهم بانفسهم، ومن ابرز هؤلاء ابن خالته وصديقه عوض عبد المجيد الذي وصل في النصف الثاني من الستينيات الى مرتبة نائب محافظ بنك السودان، و لكن والدي كان اذا تحدث عنه الى الاخرين قال انه «محافظ بنك السودان». وقد حدثت في أمر هذا التجاوز احد أخوالى فرد علىّ بالقول: « ما اصلو ابوك تربية مصريين»!
غير ان عوض، مهما يكن من أمر، لم يخيب لأبي ظنا فقد تولي بالفعل في العام 1971 منصب محافظ البنك المركزي، ثم زاد عليها فأصبح وزيرا للمالية في العام 1985، ومع التسليم بان مقارنة العم عوض عبد المجيد بالعميد ابراهيم أحمد غير واردة من الوجهة الموضوعية، إلا ان تولي عوض الوزارة قد حسم، على الاقل من الزاوية الحسابية المحضة، مسألة التنافس الوزاري بين أبي وأمي بالتعادل الايجابي: وزير واحد لصالح والدتي مقابل وزير واحد لصالح والدي!