رفع العقوبات الأمريكية .. تحريك ساكن التفاوض بين الحكومة والحركات

من المتوقع ان تشهد الساحة السياسية حراكا في ملف التفاوض بين الحكومة والحركة الشعبية قطاع الشمال والذي حالت فيه الخلافات وتباعد الرؤى دون التوصل لمنطقة وسطي لتجاوز محطة الفشل التي صاحبت جولات التفاوض الـ«13».
ولكن مياها كثيرة جرت تحت جسر التفاوض منذ اخر جولة منتصف اغسطس 2016 ، انهارت بسبب تباعد المواقف حول ادخال المساعدات الانسانية للمناطق المتأثرة من الحرب.
ولعل قرار رفع العقوبات الأمريكية عن السودان «الجمعة» يعد مؤشرا علي تقارب محتمل بين «الخرطوم» و«واشنطون»،يلقي بأثر سالب علي مستقبل العلاقة بين الاخيرة والحركة الشعبية قطاع الشمال علي نحو ربما يغير من الموقف التفاوضي ويحرك ساكن مياهه التي ظلت راكدة تحت الجسر بسبب تباين وجهات النظر بين اطراف النزاع ، وتعطي بصيص أمل بانطلاقة محتملة لجولة جديدة للتفاوض في الفترة المقبلة برعاية افريقية ممثلة في الالية رفيعة المستوى بقيادة ثابو امبيكي والتي تنتظر ما سيسفر عنه مؤتمر الحركة الشعبية العام التأسيسي وحسم ملف الخلافات بين اطراف الصراع داخل «الشعبية» والاتفاق علي وفد تفاوضي موحد .
قراءات عديدة مضت الي امكانية تأثير رفع العقوبات الأمريكية علي ملف المفاوضات وتحريك جموده ، لاسيما واقرار الادارة الأمريكية باحراز الحكومة تقدما في المسارات الخمسة والتي من بينها الوضع الانساني وايصال المساعدات الانسانية للمناطق المتأثرة وهو الشرط الذي قصم بعير التفاوض في الجولة الاخيرة بين الحكومة و«الشعبية» بالعاصمة الاثيوبية «اديس ابابا».
تمترس خلف المواقف
ثمة اتهام يلاحق الحركة الشعبية قطاع الشمال بالتمترس خلف مواقفها خاصة فيما يلي الملف الانساني واصرارها علي دخول المساعدات عبر دولة جنوب السودان ، الأمر الذي رفضته الحكومة جملة وتفصيلاً وتمسكت بدخولها عبر السودان تمهيداً لانسيابها للمتأثرين بالمنطقتين.
الحكومة في موقفها شككت في نوايا الحركة الشعبية باستغلال عملية ايصال المساعدات لاغراض عسكرية لاطالة امد الحرب.
تباعد مواقف الطرفين ، دفع المبعوث الأمريكي دونالد بوث للتدخل وتقديم مقترح يزاوج بين الموقفين نصح فيه بايكال أمر دخول المساعدات الانسانية بواسطة المعونة الأمريكية بتوفير ونقل المساعدات الطبية الانسانية إلي المدنيين من سكان المناطق التي تسيطر عليها الحركة الشعبية في المنطقتين بعد تفتيشها من السلطات السودانية عبر مدينة «اصوصا» الاثيوبية الواقعة بالقرب من الحدود مع السودان.
ولكن تفجر الخلافات داخل الحركة الشعبية قطاع الشمال بين القائد عبدالعزيز الحلو ورئيس الحركة مالك عقار وأمينها العام ياسر عرمان ، ادخل ملف التفاوض في أزمة جديدة صعبت استئناف التفاوض وفرض انتظار قسري علي الاطراف المتصارعة لمآلات المؤتمر التأسيسي الاستثنائي الذي دعا له «الحلو» بولاية جنوب كردفان دون تقديم الدعوة لكل من «عرمان» و«عقار» .
اعتراف ضمني
اقرار الولايات المتحدة الأمريكية عبر بيان وزارة خارجيتها الصادر «الجمعة» الذي استبق الموعد المضروب لرفع العقوبات في الثاني عشر من اكتوبر الجاري باحراز السودان تقدما فيما يلي المسارات الخمسة الخاصة بالوضع الانساني ، ربما يفتح بصيص أمل لانطلاق جولة جديدة للمفاوضات بين الحكومة والحركة الشعبية قطاع الشمال بمعطيات جديدة قد تحدث تغييرا جذريا في مسار التفاوض لجهة تمسك الحركة الشعبية بملف المسارات الخمسة وبالاضافة الي اعتمادها علي كرت الخلافات بين واشنطن والخرطوم والدعم اللوجستي الأمريكي ،لكن التقارب الاخير الذي صاحب قرار رفع العقوبات وتطلع الطرفين لتطبيع علاقتهما ربما ينسف بامآل الحركة ويضعف من قوتها بالمقابل يعزز من موقف الحكومة.
تأثير مباشر
المحلل السياسي بروفيسر الطيب زين العابدين رأي ان قرار رفع العقوبات سيكون له تأثير مباشر علي الحركة الشعبية لجهة انها تعتمد بشكل كبير علي الخلاف بين الخرطوم وواشنطن والدعم اللوجستي بيد أنه قال ان في الوقت الراهن ليس لديه أمل كبير للدعم الأمريكي باعتبار ان التحدي الذي يواجههم في الوقت الراهن يتمثل في انقسام الحركة وانحياز الجيوش في المنطقتين التي أعلنت تبعيتها وتأييدها لرئيس الحركة عبدالعزيز الحلو.
زين العابدين خلال حديثه لـ«الصحافة» ، توقع انضمام بقية القيادات السياسية لمجموعة رئيس الحركة المُقال مالك عقار والامين العام الاسبق ياسر عرمان ،وقال « مشكلة الحركة الداخلية لا تجعلها تلتفت لاي دعم أمريكي والانقسام يعتبر التحدي الاكبر امامها».
واسترسل زين العابدين بان الآلية الافريقية دعت عبدالعزيز الحلو للتفاوض بالمقابل بدا تحالف قوى نداء السودان هو الاخر واطلق نداء للحلو وحثه للذهاب لذات المنحي مما يرجح كفة الاخير بالاضافة الي الحكومة نفسها ايضاً ستخاطب «الحلو» وهذا ما مضي اليه نائب رئيس مجلس الوزراء ،وزير الاستثمار مبارك الفاضل، وقال ان قرار رفع الحظر الاقتصادي سيؤثر بصورة كبيرة في تحريك جمود التفاوض لانه يمثل أكثر من 70% من مطلوبات استكمال السلام بالبلاد خاصة «دارفور والمنطقتين»، وعد الفاضل مواقف «الحلو» بالايجابية نحو استئناف العملية التفاوضية ،وأكد ان الحكومة تريد حركة موحدة للتفاوض معها ،ونوه ان المجتمع الدولي والإقليمي يدعم التسوية السياسية بعد التزام السودان بكافة المطلوبات لتحقيق السلام بالبلاد ،مؤكداً جاهزية الحكومة لاستئناف العملية التفاوضية لإحلال السلام والاستقرار بالبلاد.
الشعبية ..صورة قاتمة
الطيب زين العابدين رسم صورة قاتمة لمستقبل الحركة في الوقت الراهن ، لكنه عاد واشار الي ان الحلو اشد تطرفاً من «عقار وعرمان » لانه ظل يطالب بتقرير مصير جبال النوبة وفي ذات الوقت يريد الاحتفاظ بجيش الحركة الشعبية قطاع الشمال»، بيد انه قطع باستحالة موافقة الحكومة علي مطالب الحلو.
ولفت زين العابدين في حديثه لـ«الصحافة»الي ان الأزمة لن تكون أقل قدرا مما هي عليه الآن بل ستكون أشد تأزماً ، لان الحركة الشعبية الان تنظر لمسألة العقوبات مسألة ثانوية بالنسبة لها لانها مشغولة في الوقت الحالي بترتيب البيت الداخلي،بينما ذهب المحلل السياسي دكتور ازهري بشير لاتجاه نقيض ورأى ان قرار رفع العقوبات يعتبر خطوة جديدة ومحركا لملفات الحكومة الدولية بما فيها التفاوض وشدد علي ضرورة الاستفادة منها وتوظيفها، واضاف «الكرة في ملعب السودان الآن ولابد من الاستفادة من هذه الفرصة لحلحلة جميع القضايا».