جوبا «الصحافة» كانت هناك … بين الربوع ومن خلف الأطلال تنتظر السلام

اختفاء للآثار العسكرية المسلحة من الشوارع وارتفاع مدهش في الأسعار

اللغة العربية لا تزال من الروابط الحيوية وقيادة سيارة بدون لوحات عقوبته السجن

جوبا:محمد حامد جمعة

حينما تلقيت الدعوة للمشاركة في مؤتمر «النفط والغاز» الذي تنظمه وزارة البترول بجنوب السودان ، لم أتردد في قبول الدعوة ، اذ فضلا عن فيوض معارف الزيارة فانها ستمنح المرء سانحة لا تتاح للوقوف على واقع سير الحياة وتفاصيل الحقائق ، واقعا ومعايشة تطوافا بين الناس وفي الطرقات ، وسأعود للمدينة الي بعد ما يقارب ويفوق الربع قرن ، عبرت بنا الأعمار وسارت مواكب الايام ، احلاما وتغيرات ، واحداث ، كنت استفسر نفسي بخيالات التصور ، هل المدينة ذاتها ام انها تغيرت وحتمية السنن ترجح الخيار الثاني قطعا ، وان كنت سأدخلها هذه المرة ، غريبا ، مواطن من بلد اخر يزور جزءا من وطنه الجديد ، هي الحياة وتصاريف الاقدار وواقعية السياسة التي لا تقر أشواق العواطف او معاطف الدمع النبيل ، حين تغطي شجن الذكريات ، هكذا قدرت ان السفر مطلوب بعض من فرائض واجب المهنة وفضل المشاهدة وقياس ارباع المشاهدة ، ولهذا ومن تلك الزوايا تقف بكم «الصحافة» علي جهد المقل في تنوع الرصد والتطواف فوق رؤية بصرية قلمية لجوبا هذه الايام ، كساحة عرض لعموم الموقف بالجنوب .

العاشرة من صباح الثلاثاء هبطت «جوبا» ، زحام المسافرين الواصلين في طائرة «تاركو» احدث حراكا في أعمال المطار الذي لاحظت فيه ملاحظتين ، الاولى كانت إختفاء اي مظاهر عسكرية لافتة ، جال بصرى في أنحاء المدرج ولم اقع علي اي ملامح لوجود طائرة عسكرية ، وحيث انه المطار الوحيد بالمدينة فان كانت هناك منها للمحتها ، كما لاحظت تبعا لذلك وبالمقابل ان هناك عددا من طائرات الامم المتحدة وبرامج الغذاء العالمي ، قلت لنفسي مظهر غياب الوجود العسكري مؤشر جيد علي حالة خمود للنزاع الذي فشا ، وظهور طائرات «البرنامج » عنت ان امر الاغاثة ربما هو الشاغل الان ، كنت أجر حقائبي ، امضي الي مدخل المعاملات الهجرية واجراءات إستكمال الدخول وعيناي تمسح مدرجا جانبيا كان قبل عقدين او يزيد مربضا لطائرات الميج المقاتلة ، الان يبدو خاليا وقد خصص ربما ليكون موقفا ، ولفت نظري كذلك عدد كبير من الطائرات الخاصة المملوكة لاصحاب شركات نفط اسيوية وغربية مشاركين بالمؤتمر ، كنت ارجو ان يكون من بينهم مستثمرون سودانيون اذ لاحظت مع كثرة بحثي ان الوجود الاستثماري غير الرسمي في هذا المحفل ضعيف ، التقيت شخصا واحدا او شخصين وحتي هؤلاء حضروا ربما لتمثيل شركات غير وطنية ومناديب عنها .
اكتملت إجراءات الدخول في دقائق ، اذ يجب التنويه هنا ان ملامح من حسن الترتيب والنظام قد وسمت كثير من الاعمال ، وغض النظر عن ملمح اثار النزاع السياسي بين الفرقاء فواضح ان بصمات الترتيب والانتقال الي وضع مستقر هي بعض الوضع الراهن ، فخلافا لتوقعي بوجود عسر في اجراءات الدخول قياسا على الحالة الأمنية المفترضة فواضح ان السلطات تتعامل بيسر مع الواصلين ولا محاذير وهواجس ، كما ان عمل الدولة «المراسيمي» ظهرت عليه اكتساب خبرات تلمستها من المرافقين لوفدنا اذ ظهر حسن تنسيق كبير ، وترتيبات غاية في النظام سواء لدى استقبال الوفود وتوفير متطلبات عونهم بما في ذلك شرائح لهواتف الضيوف وبطاقات إتصال ، وتوزيع الوفود علي فنادق المدينة التي انتشرت بكثافة لافتة وان كان اغلبها استثمارات لاجانب خاصة اللبنانيين وهي فنادق اقيمت وشيدت عكس النسق القديم لما يعرف بالفنادق المقامة على «خيام» .
في الطريق الى مقر اقامتنا تبدو المدينة تعاني من اشكالية الطرق المسفلتة ، وظهرت «جوبا» لي كمدينة فيها توجه حازم بشأن ظهور المسلحين ، فعدا عن ظهور عابر لمركبة جند لاحظت مع فوارق اخر زيارة لي بعد الانفصال تراجع الحشود المسلحة ، فيما انتشر رجال شرطة المرور ، في الطريق لتنظيم حركة السير اذ كانت مفارقة وهي وانه ورغم عدم وجود طرق مسفلتة كثيرة فإن هناك جهداً في تشييد الطرق يحتاج إلى بذل المزيد. فهناك ازدحام في بعض التقاطعات بالمدينة ، بما يجعل التحرك يحتاج من مكان الي مكان مدة زمنية اطول ، واضح ان حالة من الأمن المستقر قد تمددت واتسعت رقعتها ، وليس ادل من ذلك ان كوبري جوبا وقد شاهدت ذلك من سطح مكان اقامتي كانت انوار السيارات فيه عبورا بين الشرق والغرب تسير حتي بعد العاشرة مساء ، ذات الاكتظاظ بالنهار لاحظته ليلا حركة سيارات ومارة ، وراجلين ، مع تنامي في عدد المقاهي والاندية التي ينتشر فيها عشرات الشباب لاوقات متأخرة ، وحينما سألت هؤلاء وبينهم بعض السودانيين من سكان المدينة، وعن هل توجد اي اجراءات أمنية ليلا اعلموني ان حضورا خفيفا يركز علي ايقاف اي سيارة بلا لوحات او شخص يضبط بحوزته سلاح حيث ينقل المضبوط الي السجن ولا يخرج الا بقرار من وزير الداخلية شخصيا .
جوبا تعاني من غلاء مدهش ! وارتفاع في الاسعار وصف جنوني لا يحيط به او يكمل الاحاطة به ، سعر صرف الجنيه الجنوبي مقابل الدولار يحدث صدمة ان كتبته هنا ! الانهيار في سعر العملة وصل درجة مخيفة ويبدو ان الصراع الذي تفجر قبل ثلاثة اعوام قد جر جنوب السودان الي دفع فاتورة غالية وباهظة ، مما اوجد حالة معاناة لا توصف ، واسجل هنا ان تمسك الناس بالحياة يعتبر حالة تستحق الثناء ، اذ «يدبر» المواطنون احوالهم على كل حال ، قارورة الجاز او البنزين تباع بالسوق السوداء وبارقام فلكية ، حالة الربح الوفير الذى توفره هذه التجارة جعلت الامر مدخلا لتجارة اخري وهي الحصول علي الوقود بعد انتظار في الصفوف ثم تحويله الي السوق السوداء ، ارتفاع الاسعار طال السلع الغذائية فيما تعاني المدينة من وجود مشكلات في المياه وخدماتها .
اللغة العربية لا تزال من الروابط الحيوية وهي اللسان الغالب ، كنت بسوق «جوبا» ولم اشعر بفرق ، لو انك اغمضت عينيك لظننت انك في اي من مدن السودان بالشرق والغرب ، ورغم محاولات استخدام الانجليزية فان العربية حية حتي بين اجيال ما بعد اتفاقية السلام ، تبدو الثقافة السودانية حالة مصيرية لا فكاك للجنوب منها ، لا يزال الثوب حاضرا بقوة و«الجلابية» وحميمية التواصل مع القادمين من الخرطوم ، حيثما اذهب كنت احظي باستقبال طيب وحتى عمال الفندق من الجنوبيين كانوا يخصون السودانيين بدفء مشاعر بدت لافتة لبقية الوفود.