حوار تعبان

يبدو من حسن التدبر وسلامة الذوق العام ، ألا يعلق صحفي على عمل أنجزه ، ومادة طرحها للجمهور والرأي العام ، اذ ان هذا يخالف سلامة الذوق ، وصحيح الحياد المهني في الأعمال والرسائل وقياس جدواها ، كما انه في سياق اهم قد يشير الى مظنة خيلاء مبغوضة في الانفس وتعافها العقول والأفئدة ، لكني سأعلق علي حوارنا في «الصحافة» و«السوداني» مع النائب الاول لرئيس دولة جنوب السودان الفريق أول تعبان دينق ،ومفتتح تعليقي اولا عظيم ثناء احيط به الصحفي النابه الشاب «عمرو شعبان» ، الذي يتنفس صحافة وينبض قلبه بسبوقاتها ، وكل حركة وسكنة منه اما تقصيا خلف قصة او مطاردة للاستيثاق من مصدر معلوم وقد كانت له بصمته في الحوار والنقاش مع الضيف الكبير ،او المضيف بتعبير أدق ، وودت بهذا اثبات إعتراف لصالح الفتى ، الذي أعده من «أشطر» من رافقت وصحبت ، مع تهذيب وتأدب و«سودانوية» ذات عطر في اوقات رخاء التعارف ولحيظات ثرثرات السفر كشفت عن تبحره في معارف الحياة والصحافة وهي سمات تجعل مثل هذه الاسفار ممتعة ونابضة.
وبعودة للحوار الصحفي مع النائب الاول لجمهورية جنوب السودان ، وقد شاع تعريفنا لها بالدولة ، وقد استفسرت احد رجال المراسم بجوبا قبل دخولنا عن ايهما أليق ، وأقوم لدبلوماسية ضبط التعريف ان نقول جمهورية جنوب السودان ام الدولة فصمت الرجل برهة ويبدو انه إعتبر سؤالي من بعض حموضة ذائقة فضول الصحافة فأسلمني للصمت ، فلم ارهق نفسي في التبيان وان طاف حولي بصيص ضوء من معارف سابقة ان الجمهورية رئيسها منتخب والدولة معين ، فاستنبطت وطالما ان المقابلة مع النائب الاول لسفاكير فمن الافضل ترجيح الاجتهاد فالاول منتخب والثاني معين وعليه جوزت ان اقدمه بوصف النائب الاول مع تلطف خيار من يكتب جمهورية ومن يقول دولة ! وما ابشع حذلقات تتبع التفاصيل غير المهمة والتي نتركها وان كنت اري اهمية الضبط بالتوافق علي تعبير جمهورية جنوب السودان وهو التعبير المستخدم دبلوماسيا وسياسيا فيما يصر الإعلام علي مسمى الدولة.
وبعودة للحوار – ولا داع لتلخيصه – فمن المهم وضع الناس ومن يهتم باجواء المقابلة وملاحظتي الاولى حولها الثبات اللافت والسيطرة علي مسارات الرسائل التي اراد «تعبان» إرسالها ، يجب الاعتراف ان قدرات الرجل في الحضور الاعلامي تطورت بشكل لافت ، اذ اعرفه من قبل وتتبعت غير قليل من نشاطه الخطابي والإعلامي ، واشهد ان له انتقالات بدت سلسلة بين المحاور مع ارتدادات للنقاط التي يرغب في تجذيرها كما تحلي ببرود عظيم وضبط لانعكاسات الاسئلة علي ملامح وجهه الذي طلاه بتعابير محايدة تجاه الرفض او الضجر واما لغة الجسد فقد تحكم فيها تماما وبقدر لم يضطر معه الي رفع يد او إمالة رأس !.
ظني ان النائب الاول لجنوب السودان كان يتحدث بيقين راسخ وصدقية عالية فيما طرح ، واظن فوق هذا انه كان يعرف اين يسقط الرصاص على شواخص شواغل الخرطوم واين يفتح المعابر لرغبات تحركها ، ووضح لي بشكل لا يحمل ضبابية ان منظار الرؤية فيه قد مسح بواقعية وضع جديد يقدره – هو على الأقل – لشكل اتجاهات العلاقات مع السودان الشمالي ، ليبقي الإستفهام هل هذه رؤية جمعية للمكون الحاكم في جوبا ام انها تمثل توجه تيار وجناح وهو الامر الذي يمكن اختباره بموازين اخري خارج ارصفة العرض الصحفي والإعلامي.
تركيبة الحكم في الجنوب معقدة وتوزيعات اللاعبين لا تتقيد بالمراكز ، هذه حقيقة ، لجهة تداخلات الاطراف والاجندة ورطوبة الجو الاستوائي الخانق ، الذي لا فواصل فيه بين حالة الغيم والصحو او تدافع اصوات الرعد ولمع البروق ، وبالتالي من العسير بناء وضعية خاصة بطقس محدد لكن ومما رأيت ضمن مشاهدات عديدة فيبدو ان قلم «تعبان دينق» من الراسمين الاساسيين لمقترحات خارطة طريق التوجهات الجديدة بدلالة ان ما طرح يبدو مشيرا الى جرأة عالية ما كان الرجل ليقدم عليها من تلقاء نفسه وفى بلد تبرز فيه الان ملاحظة التزام «الحذية» وتفادي الخروج عن النص.