تعبان دينق وحوار (الصحافة) .. مغازلة «الخرطوم» كلاكيت ثاني

الخرطوم : متوكل أبوسن

أشعل الحوار الذي نشرته صحيفة «الصحافة» ، مع نائب رئيس حكومة جنوب السودان تعبان دينق مواقع التواصل الاجتماعي ووكالات الانباء والمواقع الالكترونية لاهمية القضايا التي طرحت والشفافية والوضوح التي اجاب بها دينق خاصة في ما يتعلق بالعلاقة بين «الخرطوم» و «جوبا» والتي لم يفتر «ثيرومتر» قياسها صعودا وهبوطا منذ انفصال جنوب السودان ، محاطة باجواء من الحذر والترقب والانتظار ما يمكن حدوثه في قادمات الايام.

نقاط فوق الحروف
«تعبان» وهو يشّرح جذور الأزمة بين «جوبا» و «الخرطوم» فتح ابواب الامل علي مصراعيها ،ولامس موطن الداء بالنسبة لـ «الاخيرة» وهو يعلن قطع علاقتهم مع قوى المعارضة المسلحة السودانية ممثلة في قوى الجبهة الثورية بما فيها الحركة الشعبية قطاع الشمال وحركة العدل والمساواة و حركة مني اركو مناوي ، وسماحهم للقوات المسلحة السودانية بملاحقتهم داخل اراضي جنوب السودان ،وهو ما ظلت ترفضه حكومة جنوب السودان وهي تجابه اتهامات «الخرطوم» لها بالاستمرار في دعم وايواء الحركات المسلحة المتمردة عليها.
تعبان نبه وهو يغازل «الخرطوم» قال انه ابلغ الحركات المسلحة«بشكل صريح ومباشر ان عليهم المغادرة « يمرقوا بس « واضاف :اخطرناهم رسميا بانهم غير «مرغوب فيهم « وبالفعل غادروا،مؤكدا ان بامكان الجيش السوداني ملاحقة المتمردين داخل اراضي جنوب السودان، وتابع : هذا اقتراحنا للجيش السوداني والحكومة ، موسفيني من قبل لاحق جيش الرب في جنوب السودان وطارده حتي افريقيا الوسطي وممكن للجيش السوداني ان يفعل بالنسبة للمتمردين.
رئيس الجمهورية المشير عمر البشير في اكثر من مناسبة هدد بملاحقة التمرد داخل اراضي جنوب السودان، وحذر «جوبا» من مغبة التمادي في عدائها للسودان .
البشيرلدي تفقده قوات الدعم السريع،ابريل 2015 عقب انتصارها علي متمردي حركة العدل والمساواة في معركة قوز دنقو، قال: «سنعطيهم فرصة بأن يتخذوا القرار السليم وتجريد الحركات من السلاح «، وزاد: «من حقنا أن ندافع عن أنفسنا ضد أي عميل أو خارج حتي ولو في راجا أو أويل أو جوبا».
فشل الرهان
تساؤلات عدة طافت حول حقيقة تصريحات نائب رئيس دولة جنوب السودان تعبان دينق والتي بدا فيها اكثر قربا من «الخرطوم» ، هل هي فردية تعبر عن مزاج الرجل ؟ ام انها تمثل طرح رئيس حكومة جنوب السودان سلفاكير ميارديت وتوجهه الجديد في تعاطيه مع الملفات العالقة مع «الخرطوم» بما فيها الملف الأمني والاقتصادي واوضاع مواطني البلدين؟
التساؤلات ربما حركها محصلة زيارة الرجل الاولي للعاصمة «الخرطوم» نهاية اغسطس من العام الماضي بعد تعيينه خلفاً لزعيم المتمردين رياك مشار والتي وصفت بانها لم تخرج من كونها زيارة «علاقات عامة» ، ولم تشهد احراز تقدم في اي من الملفات العالقة بين «جوبا» و «الخرطوم» وابرزها «الاقتصادي» و «الأمني» رغم تأكيدات تعبان الذي حط مطار الخرطوم لثلاثة ايام رفقة وفد رفيع المستوي ، بانه يحمل رسالة من الرئيس سلفا كير لنظيره السوداني عمر البشير تتضمن التزام الحكومة والرئيس الجنوب سوداني شخصيا بإقامة علاقة قوية جدا ومثمرة في المجالات الدبلوماسية والاقتصادية والتجارية العلاقات السياسية بين البلدين في السعي وراء المصلحة المتبادلة وتأكيد التزامهم بتنفيذ اتفاق السلام والمضي قدما.
ولكن رجل الاستخبارات «تعبان» المنحدر من قبيلة النوير عاد الي «جوبا» ولم يحدث جديدا علي مستوي العلاقة بين الدولتين وظل العداء وتبادل الاتهامات طابعها واستمر دعم حكومته للحركات المسلحة المناوئة لـ «الخرطوم» ، وحتي اتفاق التعاون الموقع بين الدولتين نوفمبر 2012 بملفاته التسعة والذي وعد بتحريك جموده لم يحدث فيه جديد ، وهو ما القي بظلال شك في تصريحات «دينق» وقدرته علي التأثير علي مناطق صنع القرار في دولة جنوب السودان.
«جوبا» تترنح
ورغم رهان البعض علي «تعبان» في حل مشكلة جنوب السودان وقدرته علي لعب دور «البديل » لزعيم التمرد مشار الذي انشق عنه يوليو 2016 ، الا ان أزمة جنوب السودان لم تراوح مكانها ما دفع الهيئة الحكومية للتنمية المعروفة بـ «ايقاد» في محاولة منها لاحياء اتفاق السلام الموقع بين «مشار» و «كير » اغسطس 2015 ، بالقيام بجولة للقاء اطراف الصراع مطلع الشهر الجاري ، بدأتها بزعيم التمرد رياك مشار المنحدر من قبيلة النوير و المقيم تحت الاقامة الجبرية في دولة جنوب افريقيا منذ منتصف ديسمبر الماضي بمباركة «ايقاد» بذريعة ان من مصلحة أزمة جنوب السودان وجود الرجل «الافلج» بعيدا عن قواته، وفي الوقت ذاته افساح المجال امام «تعبان» لاستمالة من تبقي من قيادات التمرد.
تصريحات دينق تأتي في ظل تحولات تشهدها الساحة الداخلية والخارجية علي صعيد دولة جنوب السودان والسودان لم تنفك فيها الدولة الوليدة من تأثيرات حربها الاهلية التي اشتعلت في ديسمبر من العام 2013 ومازال نزيفها مستمرا ،وسقط جراءها الاف القتلي والجرحي وتسببت في اجتياح المجاعة لمساحات واسعة وانهيار الاوضاع الاقتصادية.
زيارات المسؤولين بجنوب السودان للعاصمة الخرطوم بحثا عن مساعدة الدولة الام لم تتوقف ، وكان اخرها وصول وفد رفيع المستوي نهاية نوفمبر الماضي ضم وزراء المالية ، النفط ووزير التجارة والاستثمار،لإجراء مباحثات من أجل تطوير العلاقات الاقتصادية بين البلدين في مجالات النفط والتجارة، وبحث امكانية ايجاد تسوية في رسوم عبور بترول جنوب السودان عبر الاراضي السودانية والتوقيع علي اتفاقية لاعادة تشغيل حقول النفط المتوقفة عن الانتاج بالجنوب، والعمل علي رفع انتاج الحقول العاملة بحيث تقوم وزارة النفط السودانية بتوفير الدعم الفني والامداد الكهربائي.
«الخرطوم» تتأهب
وفي المقابل بسطت «الخرطوم» سيطرتها علي مسارح العمليات بولايات دارفور والنيل الازرق وجنوب كردفان ،وتمكنت من حصر التمرد في جيوب صغيرة وشلت قدرته في القيام بعمليات عسكرية كما السابق .
سياسيا ، اعلنت تشكيل حكومة الوفاق الوطني كخطوة في مسار انفاذ مخرجات الحوار الوطني الذي تسلمها رئيس الجمهورية المشير البشير في العاشر من اكتوبر الماضي ايذانا لبداية مرحلة جديدة تمهد لاستقرار البلاد.
وشهدت علاقات «الخرطوم» انفراجا ملحوظا علي المستوي الاقليمي والدولي ، تكلل باعلان الولايات المتحدة الامريكية الجمعة قبل الماضية رفع للعقوبات المفروضة علي السودان منذ العام 1997 وهو ما اعتبره مراقبون تحولا في العلاقات بين الحكومة السودانية والمجتمع الدولي الذي تتحكم في مفاصله الولايات المتحدة الامريكية ،يناقض توجهها في التعامل مع الحكومة والذي غلب عليه ـ سابقاـ طابع العداء مع تقارب ملحوظ بينها والحركات المسلحة المتمردة علي «الخرطوم» وحكومة جنوب السودان الوليدة.
مصدر جنوب سوداني فضل حجب اسمه وصف افادات تعبان دينق بالايجابية لكنه قال لـ «الصحافة» انها مكررة ظل يرددها هو وسلفاكير ميارديت وللاسف لايحدث جديد علي ارض الواقع واضاف : سيأتي غد وبعد غد ولن يتحقق شئ ،مشككا في قدرة تعبان في التأثير علي مناطق صنع القرار في دولة جنوب السودان .
واكد المصدر الجنوب سوداني وجود تيارات ـ لم يسمها ـ قال انها محسوبة علي الرئيس سلفاكير تدير الامور وتدعم الحركات المسلحة المتمردة علي الخرطوم لزعزعة استقرار السودان ،واضاف : هؤلا تجار حرب ،مشيرا الي وجود تناقض بين دعم حكومة جنوب السودان للحركات المتمردة بمليارات الدولارات وترك انسان جنوب السودان نهبا للمرض والجوع والاقتتال .
ورأى المصدر ان رئيس جنوب السودان رغم قبوله بتعيين تعبان دينق نائبا له الا انه لا يثق فيه ،وقال : انها ضرورة مرحلة ليس الا سرعان ما يتخلي سلفاكير عن تعبان دينق لانه يعرفه جيدا ويعرف مواقفه ـ بحسب تعبيره.
ومضي المصدر الي ان الفارق كبير بين السودان وجنوب السودان الذي قال ان انسانه يقاتل فقط من اجل البقاء ،مشيرا الي الاستقرار الذي يشهده السودان والانفراج الذي يعيشه علي مستوي علاقاته الخارجية، وقال : الفرق كبير، الخرطوم بها مؤسسات ومستقرة وقريبا ستحقق طفرة في كل شئ واستطرد : اما جنوب السودان فهو دولة ناشئة وصل اليها من لا خبرة له وهو الان في حالة موت سريري بفضل الصراع والمجاعة .
المحلل السياسي بمركز دراسات الشرق الاوسط وافريقيا محمد حسن الركابي في حديثه لـ «الصحافة» قال ان افادات تعبان دينق تمثل رأيه الشخصي نظرا الي انه لاتوجد ما يمكن ان يطلق عليه حكومة في جنوب السودان ، واضاف : هو تعبير ايجابي ،مشيرا الي معاناة الدولة الوليدة من الاقتتال القبلي .
الركابي نبه الي ان هناك مجموعات في جنوب السودان مازالت متمسكة بدعم وايواء المعارضة السودانية ،مشيرا الي اتساع مساحة الحدود المشتركة بين الدولتين وصعوبة السيطرة عليها ،لافتا الي ان علي الحكومة السودانية بذل جهد اكبر لتحقيق الاستقرار في جنوب السودان.
الركابي مضي الي عدم قدرة الرئيس سلفاكير التحكم في دولة جنوب السودان ، وقال : سلفاكير يعاني من مشاكل داخل دولته ولاسيطرة له علي مناطق كبيرة في جنوب السودان،لكنه عاد واشار الي ان الضغوط الخارجية من قبل الادارة الامريكية والدول الاروبية حاضرة في المشهد وقال : هؤلا يريدون استقرار جنوب السودان لذلك يسعون للسلام في الجنوب والسودان،مؤكدا ان الفرق كبير بين «جوبا» و «الخرطوم» التي اشار الي انه رغم انحسار التمرد الا انه يظل مهددا لطول مساحة الحدود المشتركة.