ورشة عطبرة للسكة الحديد..!!

كلما أمر بطريق يشق السكة الحديد بالخرطوم، أتحسر على أيام مضت من الصعوبة أن تعود تاني.. السكة الحديد هنا وإلى عهد قريب كانت القلب النابض بالسودان.. ليته ينبض من جديد.. ركاباً وبضائع ، باعتبارها الأرخص كوسيلة نقل للبشر والبضائع.
وكلما أمر بهذا الطريق الذي سهل (حركة المرور) من وإلى الخرطوم من ناحية الشرق والجنوب والغرب أيضاً.. لكنه كان إعلاناً قوياً بأن (محطة الخرطوم القديمة) لن تعود مرة أخرى وان السفر بالسكة الحديد انتهى.. وأصبح في الأطراف وبمساحات محدودة.. فمحطة الخرطوم للسكة الحديد (احتلت) مساحة واسعة أغلبها الآن مخازن (تشكو) كثرة الفئران وأماكن لراحة بعض المشردين كذلك.. عربات السكة الحديد التي مرت عليها سنوات من عدم الصلاحية وارتاحت على القضبان دون حركة.. دلالة أخرى ان (السكة الحديد) قد تموت أكثر أو انها في انتظار أن تحيا من جديد وليت ذلك يتم.. بأن تحيا من جديد.. أن تنشط حركة النقل التجاري ومع ذلك الناس الذين (عشقوا) السفر (بالقطار).. وعبر ذلك يا ما جرى الدم في عروق (مدن) وقامت (مدن) بعد أن كانت قرى مثالاً لذلك أن الحياة جرت في عروق (أتبرا) أو عطبرة حين أصبحت يومياً (قطار الشرق) أو (حلفا) أو (كريمة) وغير ذلك من قطارات بضائع وأخرى (مخصوص).. فعطبرة لولا السكة الحديد وحركة عمال الورش الذين ينطلقون بالزمن المحدد لا يتأخرون ولا يقدمون ساعة في العمل.. وكان (عمال عطبرة) الذين استخدموا (العجلات) بالآلاف هم أشبه بعمال أضخم منطقة صناعية عالمية في الدقة والتميز.. وحبهم للعمل..!!
لقد انتهى ذلك الزمان حينما اختلطت (الأمزجة) في القرار وضاعت (مداخل) اصلاح الشأن الخاص بالسكة الحديد.. لنبدأ الآن مرحلة جديدة للإصلاح ربما تعود السكة الحديد أولاً وسيلة للسفر.. والسياحة والتواصل الحميم بين الناس ليغنوا من جديد (للقطر) الذي (مر) من (هنا).. ليغشى كل المدن.. انه قطار الشوق..!
السكة الحديد واحدة من أكبر المشاريع التي شيدها للأسف المستعمر الانجليزي في بداية (دخوله السودان) لينهب ثرواته ويستغل امكاناته ولكن.. تمر السنوات والليالي السوداء في الحكم الانجليزي حتى خروجه من الأراضي السودانية، واستقلال الوطن (1956).. وكانت السكة الحديد (أجود) ما تبقى من (مخلفات الاستعمار) حتى ان مواعيد القطار تضبط عليها ساعات الناس المهتمين بدقة المواعيد وأهمية الوقت وكتدهور أصاب العديد من مؤسساتنا انتقلت (السوسة) إلى أعصاب السكة الحديد، وفي (عهد مايو) أواخر السبعينات بدأت (عملية الهدم) التي غلبت الحكيم، حينما وضع الدواء، فكان المرض فتاكا واستمر البقاء على (السرير الأبيض) ولكن ورغم ما أصاب السكة الحديد من عملية جراحية (فشلت) أن تنهض من جديد حتى دخلت السكة الحديد في (دوامة) المؤسسات التي تأثرت بالحظر الأمريكي الجائر.. إلى أن توقفت عجلات القطار تماماً ولم يكن (القطر) هو محبوب الناس بل طردوه من ذاكرتهم.. وقليلاً تحاول الأجهزة (تحريك) بعض العجلات للنقل التجاري والبضائع.. مع تدني واضح في القوة الساحبة والمحركة للقطارات.. أما المسافرون فإن (لهم) الرغبة أن ينتقلوا بالقطار ولكن لا يوجد إلا ما هو محدود من قطارات محلية إلى عطبرة ومحاولات أخرى.. ولقد سألت العشرات من الناس عن انحيازهم للسفر بالسكة الحديد.. خاصة وان الأنباء تتوقع أن يتم تشغيل قطار الجزيرة وغيره..

ميلاد جديد!!
في رأيي الشخصي ان رفع العقوبات الأمريكية عن السودان سيستفيد منه في المقام الأول قطاع النقل، عن طريق (الجو) فشركة الخطوط السودانية قد يبست عروقها كذلك البحري فالحظر (الأمريكي) كاد أن (تنشف) عنه أي قطرة (ماء مالح).. إلى السكة الحديد أو النقل البري.. فالمعروف أن (النقل) عموماً هو علامة مميزة لأي بلد (متحضر) فوسائل النقل أو المواصلات خاصة السكة الحديد تلعب دوراً كبيراً في (النهضة العملية).. وتشكيلات النقل تحت الأرض وفوق الأرض وفي الأجواء ومن الأنهار والبحار.. وكلما تنوعت الوسائل كان ذلك علامة مضيئة أن البلد في خير وفي تقدم.. ذلك ان كل (أزماتنا) التي مرت علينا سببها الأساسي ضعف وسائل النقل وسوء التخزين لكل (شيء) من الذرة إلى الغذاء عامة وحتى (الدواء).. فالامدادات الطبية كانت تشكو من ضعف وسائل النقل لتوزيع الدواء على مراكز ومستشفيات الولايات التي (تقاعست) هي الأخرى في حين (يستمتع) القائمون بالأمر هناك (بعرباتهم الخاصة)، أما ما هو عام فعليه الرحمة..!!

الانفراج العاجل..!!
إذن (تحدث) كثيرون عن آثار القرار الأمريكي قبل رفع الحظر وبعد ذلك وما ينتظر من ايجابيات ستنعكس على حياة الناس.. فحركة (البضائع والناس) هي النقطة الأولى.. أن يتنسم الناس (هواء الانفراج) في السكة الحديد وستعود إلى أيامها الأولى.. والخطوط السودانية التي أصبحت (خارج خريطة الزمن).. لابد أن تعود إلى (التوقيت الدولي)..!! وكذلك العديد من المؤشرات ترتبط مع التحسن المتوقع في (الاتصالات) أكثر مما حققه السودان من نجاحات (فاقت) ما هو موجود حتى في بلاد أخرى أكثر تقدماً.. وهذا يوضح ان السودان فعلاً تفوق على الحضارة في العالم على الآخرين بخمسة آلاف عام كما قال باحث ألماني.. ومادام ان الانسان السوداني.. قد سبق الآخرين.. فكيف نتأثر ببعض الآلام.. فرضتها قرارات من دول انفردت بأن تحاول أن (تلوي) عصا الصبر.. ولكن ذلك لن يكون..!

السؤال الأول
ورغم ذلك، فمن حقنا أن نفرح بالانتصار فما كان من قرار هو انتصار للدبلوماسية السودانية والجهود المحلية والاقليمية والأصدقاء.. وهذا (الفرح) لا يتعدى أن نحاول الاجابة على السؤال الأول.. ماذا نحن فاعلون..؟! وهنا لابد من (قرار) سوداني قوي يستعجل الاجابة عليه ببناء (حزمة خطط) يحس المواطن بها فعلاً انها تصب في معاشه.. وحياته اليومية ولعل (قطاع) النقل والمواصلات عامة هو الأكثر أهمية الآن فالنقل هو البداية التي تجعل الناس على استقرار.. وبهدوء.. ننتقل إلى مرحلة أخرى للإصلاح الاقتصادي الذي يتطلب المزيد من (الصبر) فما (هدم) لا يبدو انه سهل البناء في يوم وليلة..
لقد (اتحزمت) للحديث عن السكة الحديد ليس لأهميتها فقط بل مع ضرورتها أن تلعب دوراً اجتماعياً في الاتصال بين الناس كذلك النقل الجوي والبحري وحتى (البري) فهي قطاعات مؤثرة يلعب القطاع الخاص الدور الكبير في تحريكها.. فلابد من (غسل) وجه النقل العام وازالة ما كان عليه من (مصاعب).. فالقرار الأمريكي على ما أظن كما قال المختصون رفع الحظر عن (قطع الغيار) كما هو معروف، إذن نحن على موعد مع (عجلات القطار) في كل المحطات لنكون (شعب يحب) الأسفار.. فالسفر فيه خمس فوائد.. كما (علمتم)..!!
وسائل النقل.. نحتاج لها وأن نعيد خطط بناء جديد للسكة الحديد.. وأن يكون في اطار (البناء الحديث) للخطط الاقتصادية والتنموية لكن على عجل.. فالقطر لا يعرف التأخير.. كساعة ورش عطبرة..!!
أخيراً.. ما لم (نعمر) مشروعات النقل والاتصال بينها من طيران إلى البحر إلى بر إلى (سكة الحديد).. وطرق سريعة وقصيرة وعرضية حتى في الأحياء فلا نسمي (أنفسنا) دولة على طريق (التحضر) مرتبطة بإصحاح البيئة والصحة العامة وكل ذلك تحرسه (ألف باء تاء) أي التعلم وبعد ذلك.. ننظر أين نقف نحن الآن..!!
(النقل).. يعني تدفق الدماء في الجسم السوداني.. عبر كل وسائله.. إنها (شرايين وأوردة) أن تنبض هي أولاً..!!