الجزيرة أبا…تاريخ على الضفة

تمثل الجزيرة أبا.. للأنصار المدينة الروحية فهنا نبعت فكرة المهدية وانتشرت بعد ذلك في كل أصقاع السودان لتؤسس دولة اسلامية في السودان.. فالأنصار يستمدون ارادتهم وقوتهم وعزيمتهم من المنهج التربوي الذي غرسه المهدي والتابعون من أنصاره وأبنائه.. لذلك أنجزت في تلك البقعة الكثير من المشروعات الحيوية بفضل الايمان والارادة.
والموقع الجغرافي للجزيرة أبا في ولاية النيل الأبيض علي بُعد «280» كيومتراً جنوبي الخرطوم ويبلغ طولها «33» كيلومتراً وعرضها «4» أميال وكانت غابة ويقيم علي رعايتها تعتبر الجزيرة أبا أول منطقة تزرع القطن في السودان سنة 1912م في مشروع طيبة الزراعي وهو القطن طويل التيلة، ويُروي ان وفداً مصرياً جاء لزراعة القطن في العام 1936 للوقوف علي تجربة الجزيرة أبا للدخول في زراعته، وأن الحكومة يومذاك رفضت توفير وابور لدخول الجزيرة، وكانت زراعة القطن تروي بالطلمبات، والتزم الامام عبدالرحمن المهدي بدخول الوفد عن طريق جسر ترابي دون الحاجة لوابور.. وقتها استنفر الامام عزيمة الانصار فتم ردم الجسر أو «الجاسر» بالتراب والكتل الخشبية وتم نقل التراب بـ»القُفف». واكتمل سنة 1936م. أما الجسر الحالي ففكرته جاءت من فكرة الجسر الأول.. وتم الاستعانة بالآلات وكان ذلك سنة 1952م.
تسمي بعض أحياء المدينة بمسميات ذات دلالات ايمانية كالنورانية والرحمانية وقباء وأرض الشفاء ودار السلام.. وطيبة..
ويقول محمد حسن أحمد عمدة الجزيرة أبا ان هذه المسميات جاءت تيمناً بقري المدينة المنورة، سُميت النورانية لأن الأنصار أشعلوا فيها نار القرآن وكان بها خليفة الامام المهدي السيد خالد ود شيخ الدين، أما طيبة فاشتهرت بالجناين وعُرفت سابقاً باسم «أبا أم جناين».
وبالجزيرة أبا أحياء تحمل اسماء القبائل التي جاءت مؤازرة للامام المهدي ومبايعة له، وأعطي لكل قبيلة مساحة أرض بعد تخطيط المدينة، وعين مسؤولاً للأراضي سُمي بشيخ الرُبع يساعده سبعة عشر من المشايخ لاسكان القبائل التي جاءت من كل السودان خاصة غرب السودان والبحر. وهناك بيوت لبعض القبائل كالدناقلة والشايقية والجعليين، ونجد أحياء لقبائل الزيادية والحمر والرزيقات وغيرها.
والتمازج الاثني في الجزيرة أبا حقق صورة اجتماعية فريدة.. ففي مناسبات الأفراح والأتراح لاتفرز أهل المناسبة من أهل الجزيرة عامة.. ففي المأتم يتشارك جميع أهل الجزيرة العزاء وترفع الفاتحة لأهل الجزيرة قاطبة.. وينتهي العزاء بعد أداء صلاة الظهر.. وبعد تناول وجبة الغداء..
فمجتمع الجزيرة أبا جاءت به الي الجزيرة البيعة والعقيدة وتواصوا علي صحة العقيدة وسلامة العبادة وروح الجهاد، فهذه السمات هي التي شكلت مجتمع الجزيرة وميزته.
ويري حسن أحيمر ان تعاطي الخمر والتمباك من الممارسات المحرمة بالجزيرة قبل ضربة نميري للجزيرة أبا، وكانت تسمي بالخبيثة.. واذا تعاطي شخص التمباك لا يبصقه علي أرض الجزيرة «والله الا كان يبلعو»، وبعد عهد نميري أتي للجزيرة قوم يمارسون ممارسات كانت تتعارض مع السلوك العام لمجتمع الجزيرة.. وكانوا يعتبرون السلوكيات التي جاءوا بها سلوكيات عادية.
يعتبر مسجد الكون من أكبر المساجد بالجزيرة أبا، تأسست به أول تقابة لتدريس القرآن الكريم سنة 1881م وبُني من القش.. بناه السيد عبدالرحمن مرة اخري سنة 1908م في شكل كرنك.. وتجدد بهيئته الحالية سنة 1969م في عهد الامام الهادي واكتمل سنة 1970م.. وتم بناؤه بالجهد الذاتي.
يسع المسجد «3» آلاف مصلي وبه «49» غرفة تبلغ مساحته الداخلية «36*38 متراً»، ومساحته الخارجية «40*40 متراً» وسوره «10*10 أمتار».. ومن أشهر أئمة المسجد السيد علي السبوري ومحمد حسن احيمر.. والفكي رشيد وداؤود المؤذن، ويتولي امامة المسجد الآن عبدالرحمن برة.
ويعتبر حسن درع هو أشهر سادن لمسجد الكون حيث يقوم علي نظافته منذ تأسيسه في العام 1970م وهو من قبيلة الميدوب.. شرق مدينة كتم وظل الرجل يطعم الفقراء والمساكين باقتسامه للطعام الذي يتجود به الأهل لسادن المسجد.
من الأشياء اللافتة في الجزيرة أبا فرقة الأنصار التي أسسها السيد عبدالرحمن سنة 1931م وتزامن معها تأسيس فريق الجزيرة أبا والنهضة لكرة القدم وتوحدا سنة 1939، تحت مسمي الوحدة ويلعب الآن ضمن أندية الدرجة الأولي باتحاد كوستي.
خالد البلولة «موقع وزارة الدفاع «