الفرد للجماعة أم الجماعة للفرد؟من «البحر الأحمر» إلى «الجزيرة» .. الولايات حاكمية من ؟!

محمد حامد جمعة

طبيعي ومنطقي ، الا يحدث توافق بين الوالي – في كل الولايات – والمنظومات السياسية والنيابية ، الموازية له في انساق الحكم وتدابير الادارة للشأن العام ، اكثر من هذا لا غرابة حتي داخل الحزب الواحد بعض التباين في التقديرات والرؤى ، هذا مع مراعاة ان تشكيل حكومات الولايات ومجالسها التشريعية وشكل الشراكات التي اوجدها الحوار الوطني والتفاهمات التي اوجدت شركاء في مستويات الحكم المختلفة يعني هذا بالضرورة بروز اصوات لا يتوقع ان تتسق مع مرجعية الحاكم المنتمي للمؤتمر الوطني ، او مجمل طرائق ادارته كحزب حاكم بالولاية المعينة وكلها ظواهر فيها دلالة عافية ورجحان ايجابيات لجهة ان الاختلاف متى ما لزم الموضوعية وحجية الصالح العام سيكون منتهاه دعم مظان الاصلاح وصالح الجماهير.
بهذا المنطق لا غضاضة البتة في ان يثور الخلاف ويشتجر الجدل حول قضايا الهم العام الوطني ، هذا ادعى في كل الظروف لتكريس وضعية اختبار تجربة اكثر جدية وشفافية في حكم الولايات لفك أزماتها السياسية والاقتصادية واحداث انتقالات كبيرة في واقعها على نحو يسهم في تقديم اداء سياسي وتنفيذي ايجابي الخلاصات طالما انه نحى الي الفصل الجهير بين الاغراض والنوايا بحيث لا يعني رفض فئة من الناس والقيادات لاي فعل، انهم بالضرورة اهل مصالح متضررة او بالمقابل موالاة غيرهم انهم الاحرص على مال الشعب وسلطته ، ويجب ان يقف الولاة في هذا السجال في موقف الحياد الموضوعي فلا يتحيزون بسلطتهم للاول باجراءات الحذف والاقصاء وفي الوقت عينه يمنح مناصريه حصانة السند وتفويض كلمته وسيفه .
ويبدو ان هناك اختلالا كبيرا في معايرة ضبط فرز الوان المواقف ، ومن حراك الاسابيع الماضية تبدو ان اقرب الامثلة بين ايدينا لتقديم ملمح وتصورات شاخصة لما يحدث وما حدث في ولاية البحر الأحمر اذ بجرة قلم اطاح الوالي علي حامد بمجموعة من القيادات الحزبية والسياسية من حزبه «المؤتمر الوطني» ونقلهم من داخل الملعب السياسي ليس الى مقاعد الاحتياطيين بل الي المدرجات وجعلهم ينظرون لحزبهم ربما من وراء نوافذ المكتب القيادي ، وفعل مماثل بل اشد فداحة حدث بولاية الجزيرة اذ بلغ الامر هناك درجة الفصل من «المؤتمر الوطني» مع توجهات حسب المتداول لحل المجلس التشريعي جملة ! ما يجري بالبحر الأحمر وولاية الجزيرة تبرز حراكات قريبة منه ولكن ربما بصدى اقل وانتباهات خافتة في ولايات مثل جنوب دارفور التي وصل قيادي برلماني فيها بالمجلس التشريعي للخرطوم مخفورا بالشرطة في بلاغ له صلة بعراكات ومعارك في قضايا تداول بمجلسها التشريعي، هذا بخلاف ما يحدث في ولاية كسلا التي تدخل الاجاويد لاحتواء خلاف فيها بين الناظر ترك ووالي الولاية «جماع»، وهناك القضارف، وبدرجة اقل نهر النيل التي لا يعفي معتمد محلية بها او يعين دون ان تكون للامر اثار جانبية !
غالب موضوعات الخلاف في تلك النقاشات لا تخرج جلها عن تجاذبات بشأن قضايا ولائية محلية ، بعضها يرد الى تغول في السلطات، بعضها عراكات حول قضايا مشروعات ، جزء منها كما هو واضح عراك حزبي داخلي انتقل من المؤسسات الحزبية الولائية فصار معضلة لكل الاحزاب ، خلافات جدل المال والثروة ومكوث المشروعات تبدو في قصة مشروع «مول نيالا» وجدل التنظيم الواحد تبرز في ود مدني وبورت سودان ، فيما يبدو ان اشكالية كسلا معضلة موازنات المحاصاصات ! وكلها قضايا كان يمكن معالجتها في نطاقات محلية وفق مرجعيات متاح لها ضبط الخلافات وتحريرها وردها الي اصول وقواعد التفويض المبذول للمؤسسات المختلفة حزبية او تشريعية ، لكن هذا لم يحدث ليجد المركز في الخرطوم انه مضطر للتدخل باجراءات اولية ابرز ملامحها سيول الاستدعاءات للفرقاء المختلفين ثم تكوين لجنة من المؤتمر الوطني – المركز العام – بقيادة الدكتور الحاج ادم يوسف لبحث ما يجري، وقد لفت نظري في امر التأسيس للجنة المركزية انها صدرت عن رئيس الجمهورية تحت مظلة رئاسته الحزبية للمؤتمر الوطني ولم تصدر عن المهندس ابراهيم محمود حامد مساعد رئيس الجمهورية نائب رئيس المؤتمر الوطني !
ولاية الجزيرة تبدو فيها الأزمة أعنف ، اذ تدحرجت من مرتبة الخلاف الحزبي وتحولت لأزمة بين الوالي «ايلا» وقيادات من حزبه ثم ضربت المجلس التشريعي لتتمدد وتتحول الي اصطفاف تدخلت فيه قوى سياسية وحزبية حليفة او شريكة «هذه اجتمعت وباركت قرارات الوالي» وبالتالي اتسع نطاق الأزمة مما يشير الي ضرورة ان تشمل المعالجة المركزية من الخرطوم اضافة لجنة اخرى يمثل فيها «ديوان الحكم الاتحادي» وربما مجلس الولايات ، كما انها فوق هذا وتحته فجرت جدلا قانونيا ودستوريا ولائحيا حزبيا حول مدى صلاحيات الوالي ايلا في حل المجلس التشريعي او ابطال صلاحياته واجراءاته ، هذا بخلاف نقاش اخر حول مشروعية فصل اعضاء بالحزب وهل هذا حق للوالي بسلطاته التنفيذية والسياسية ام حق لمراتب اخرى بالمؤتمر الوطني ، باعتبار ان الانتماء للحزب من اولئك لم يقرروه امام ايلا او بعد وصوله حاكما للجزيرة !
«2 »
جدل القوانين واللوائح حول كل معالجات الولاة ، بحق خصومهم ومن يختلفون حولهم ، سيعقد الاوضاع، ان الاحتكام الي اي مراجعات في هذا الخصوص ، اذ بلا شك ان غالب تلك الاجراءات افتقرت للتكييف الذي يكسبها مشروعية وصحة هذا بغض النظر عن الاسباب والمبررات ، واي مراجعة منصفة لتلك القرارات في كل امثلتها ستكشف عن افراط سلطوي للولاة وتحشيد للرأي العام ضد خصومهم ، وبالتالي فالراجح ان حرجا كبيرا سيطال اي معالجات تبطل اي منها وهو التعقيد الذي دفع بغالب هذه الأزمات للخرطوم ، اذ تبدو ان الارادة المحلية في الحل والاحتواء عاجزة تماما ومنهارة ولا تملك خيارات في الاستدراك ، فيما سيواجه المركز وضعية اشد حرجا فهو ان امضى قرارات الولاة يكون قد ابطل مرجعيات كثيرة وكبيرة واما إن ابطلها فلن يكون امامه حل سوى اقالة بعض الولاة المتسببين في الأزمة وهو اجراء اخطر ما فيه ان الظرف العام وحسب تأكيدات من جهات بالرئاسة في الدولة والحزب الحاكم لا يشمل تعديلات في مقاعد الولاة ، كما ان من شأن قرار مماثل ان يزيد من ظاهرة تكتلات منظومات بالولايات ضد اي والٍ بناء علي هذه السوابق و الأزمة في مجملها – في البحر الأحمر والجزيرة – كشفت عن قصور في ما يمكن وصفه بانزيمات الانسجام السياسي والتناسق الحزبي بين مكونات المؤتمر الوطني بالولايات ، وهل ينفذ الوالي برنامج مجموعة يفترض انه معهم وبهم يعبر عن برنامج انتخابي لرئيس الجمهورية دفع به في الانتخابات السابقة والولاة والعناصر المساعدة له ادوات لتنفيذه وفق مخطط محكوم بمشروعات ومواقيت ونطاق عمل واجندة ام ان الولاة ينفذون هذا بناء علي تصورات يختص فيها كل والٍ بجهده وتقديره هو للمؤسسات ورؤيته صحت ام لم تصح ، فان كانت الاولى فان هذه الصراعات تبدو غير منطقية وتفتقر للاقناع ، فالكل يكون محكوما بتوجه الجماعة العام وهو برنامج الدولة المطروح من الرئيس بصفتيه الحزبية والسياسية الشاملة – كرئيس للجميع – واما ان كان الافتراض الثاني فهذا سيعني ان الاصل في الولايات هو «الوالي» وما عداه من مؤسسات انما تستمد مشروعيتها من جريان قلمه الاخضر عليها رضا او غضبا وهو الحزب وهو البرنامج وربما هو الرئيس وهذه توجهات خطيرة واخطر ما فيها انه سيفرز اخر الامر ولاة ربما ينتهي بهم الامر الى الترفع حتي عن مقام اطاعة السلطة المركزية في الخرطوم !
واميل في مثل هذه الاوضاع الي خيار قيادة المؤسسات ، فاذا كان رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء القومي يخاطبون البرلمان القومي ، ويتداول النواب بين سند وملاحظات لاداء الرئاسة ويخضع الوزراء الاتحاديون بمن فيهم وزراء الدفاع والخارجية لاسئلة النواب ويتعرض مجمل اداء الدولة لنقد وتصويبات حارقة ومكثفة من النواب وكتلهم والصحافة والاعلام ، وفي المقام الحزبي تخضع حتي ترشيحات السيد رئيس الجمهورية في المكتب القيادي للجرح والتعديل -بالمؤتمر الوطني – في اوقات التعديلات والترشيحات وقد خضعت قيادات بالحزب الحاكم نفسه الي محاسبات ولجان تنظيمية تركت الي مقامات حتي ولاية الحزب السياسية حتي ان قيادات طالتهم اجراءات لم يتدخل فيها رئيس الجمهورية الي اليوم بتعليق مع او ضد فما الذي يجعل للولاة حق الجمع بين سلطات تعيين وفصل مدير مؤسسة وفصل اعضاء وقيادات بالحزب مهما كان ما يثار بشأنهم ، وان كان ذلك يصح فما الداعي لمؤتمرات عامة بالولايات ومجالس شورى ومكاتب قيادية !
لا يقول احد بان جدران الحزب او مؤسسات الدولة يجب ان تحمي مقصرا او فاسدا ، او ساعيا بالتخذيل ، لكن هذا يجب ان يطرح وفق مدارج تجعل اي مقام حزبي او مؤسسي بالدولة متاحا له حق البيان والتبيين وممارسة صلاحية التفويض وحق الولاية العامة وفق مناط الاختصاص والتكليف ، والغاء هذه المؤسسات والتراتبية جملة وتحويل كل الملفات صغرت ام عظمت لولاية المركز العام والرئاسة يعني ببساطة ان مقولة تقصير الظل الاداري اكذوبة بلقاء ، اي ظل اداري قصر ويقصر ويمكن لوالٍ بجرة قلم ان يحيل موازٍ له في التكليف الي مواطن بلا حق او صلاحيات ! وحتي ان كان لذاك القيادي جوانب فشل وعجز فثمة مئة طريقة لجعل مثل هذه القرارات تخرج وفق صلاحيات مقامات جعل لها الدستور والنظام الاساسي لاي منظومة حقوق المعالجات اللازمة دون ان يضطر علي أحمد حامد او محمد طاهر ايلا او غيرهم لاستخدام صلاحيات الوالي المعنوية في اصدار قرارات وان صحت فانها اجرائيا عليها عوار ظاهر.
«3 »
أزمات ولايات الجزيرة والبحر الأحمر ، تبدو مناقضة لحالة الاستقرار الكبير وروح الانسجام البارزة والمميزة بولاية الخرطوم ، والتي ورغم انها في مركز السلطة المركزية الحاكمة سياسيا وتنفيذيا وفي ميدان تكاليف عالية الدقة وباهظة الاثمان وفي عمق دوائر كل التقاطعات التي يمكن تصورها لكن الشاهد ان الفريق اول عبد الرحيم محمد حسين والي الولاية يقدم درسا بليغا لكل الولاة في منح ذراعه السياسي حرية العمل والظهور ، والابتدار والمبادرة دون ان يتحرج الرجل او يدخل نفسه في ضبط ايقاع محركات حكومته ، فالمؤتمر الوطني بالخرطوم يمارس السياسة وينزل الي ميدان العون التنفيذي بثنائية القول والعمل دون ان يكون «تماس» حارق او مشعل للنيران ، وهذا لان الفريق «عبد الرحيم» يجيد ترسيم جغرافية المسافات بين ما هو سياسي وماهو تنفيذي ولانه جعل من حزبه مكملا له ولانه يعلم انه «عبد الرحيم» لا يخصم منه نشاط الحزب ان لم يضف اليه ، وقد ترك والي الخرطوم مساحات واسعة لذراعه السياسي لينشط في الاحياء والمحليات وانصرف هو لشواغله التنفيذية دون الحاجة لاهدار الوقت في تجاذبات مع المجلس التشريعي وغيره هذا مع ملاحظة ان الهجمات التي تطال الوالي بالخرطوم ووزارته وحكومته وحزبه اكبر واضعاف ما ينال «ايلا» وغيره واظن الفرق سببه عندي ان «عبد الرحيم» يؤمن ان النجاح للجماعة ولانه تنفيذي يدرك ميزات النجاح الجمعي ولثقته في نفسه في انه يعرف كيف ينجح وينفذ وثباته بقيادة كل من تحته دون الحاجة لاثبات نظرية «الكمندان منو» ، لهذا نجح المؤتمر الوطني بولاية الخرطوم في بناء مؤسسات وترتيب البيت الداخلي وشبك مظان اعماله ومشروعاته بتناسق جعل ضيف الشرف والراعي الرسمي لانشطته نائب رئيس الحزب مركزيا ، وترك «عبد الرحيم » مساعده ونائبه في الحزب ولائيا محمد حاتم سليمان يرسم لوحة العمل المشترك وانصرف الجنرال لقيادة حكومته ومهامه التنفيذية في ام الولايات دون ان تضطر الرئاسة والمركز العام يوما للتدخل بتوجيه او لفت نظر.