الوقف.. حب الخير للمجتمع ومواساة للفقراء والمساكين..!!صون الحياة الاجتماعية وتوفير احتياجات الأزمة..!

الخرطوم: البيت الكبير
كثير من أهل الخير والمال الساعين إلى التمسك بمباديء الإسلام قد أوقفوا أموالهم وممتلكاتهم لصالح الآخرين في المجتمع والدولة ولأهل العلم والتعليم والمساجد وفي السودان (انتشر الوقف) كثير من مشاهير المجتمع الذين يمتلكون المال والعقار..
اخيراً أقامت جامعة القرآن الكريم مؤتمرها العلمي الخامس عن الوقف الإسلامي وتم تقديم أوراق عمل كثيفة ومهمة تفيد المجتمع الداعي إلى الوقف، وهنا ملخص لورقتين قدمتا من د. عثمان ابراهيم نورين والدكتور مقتدر حمدان عبد المجيد، تعميماً للفائدة المرجوة من فهم عميق للوقف الإسلامي، فنحن (مجتمع مسلم) لابد أن نرعي قيمة الوقف في كل المجالات فهو في جانب يفيد المساكين والفقراء وأهل العلم، وغير ذلك.. فكثير من (المشهد) يمثل فيه الوقف دوراً كبيراً يحتاج إلى الرعاية والصيانة والاستفادة من خيره في الدنيا والآخر..
أسباب نشوء الوقف
لقد أسهمت أسباب عدة في انتشار الأوقاف في العصور الإسلامية، منها ما هو شخصي، ومنها ما يعود للدولة، ويمكن تشخيص عدة أسباب كانت الأساس في انتشار الأوقاف وهي:
تقوى صاحب الوقف ورجاؤه الثواب من الله سبحانه وتعالى، وعد الإسلام هذا الثواب من قبيل التجارة التي لن تبور أبداً.
حب الخير وعمله وهذا ما أكده أحد الباحثين بقوله: (المثل العليا في الحياة لا تقتصر على عمل معين وهي متشعبة الجوانب كثيرة العدد وربما كان من أرفعها شأناً وأعلاها مقاماً حب الخير وعمله. والدافع الأساس غريزة حب الخير إلى أن يوقف نصيباً مما أمتلكه لخير المجتمع مواساة للفقراء والمساكين، وذوي الحاجة).
رغبة الانسان في تخليد آثاره الطيبة كانت من الأسباب التي ساعدت على انتشار الأوقاف وازدهارها، فالمنافسة بين الخلفاء والأمراء والوزراء والتجار وغيرهم فيما بينهم وبين بعض على انشاء العمائر المحتوية على الأسبلة والمساجد والمدارس، والخوانق والربط، ورصد الأوقاف عليها، وكان الخلفاء والأمراء يتفاخرون بعمائرهم، وما أوقفوه عليها من الأوقاف مما جعلهم يحرصون على أن يفتتحوا هذه المؤسسات في احتفالات كبيرة.
رغبة الانسان بالاستحواذ على كل ما يملكه في حياته وتنفيذ ارادته في التصرف فيما يملكه حتى بعد وفاته، ولا يخفى أن الوقف استجابة لهذه الرغبة، فقد وجد من النظم المالية مما ساعد بطريق غير مباشر علي زيادة الأوقاف وانتشارها.
وهذه يشمل من يموت ولا وارث له لذلك لجأ كثير من أولئك الناس ممن لا وارث لهم، أو ممن كان ورثتهم لا يستحقون كل التركة، لجأوا إلى وقف أملاكهم على أنفسهم مدى حياتهم، ومن بعدهم على عتقائهم أو على بعض وجوه البر.
حماية الأموال من المصادرة، والتي تلجأ إليها الدولة بين مرة وأخرى ولأسباب مختلفة، فضلاً عن تجميع الأموال لأبنائهم من بعدهم بطريق النظر على الأوقاف، وهذا السبب ذكره ابن خلدون بقوله: (إن الأمراء استكثروا من بناء المدارس والزوايا والربط ووقفوا عليها الأوقاف المغلة يجعلون فيها شركاً لولدهم ينظر عليها أو نصيب منها مع ما فيهم غالباً من الجنوح إلى الخير والتماس الأجر، فكثرت الأوقاف لذلك وعظمت الغلات والفوائد وكثر طلاب العلم وكثرت جراياتهم منها وارتحل إليها الناس في طلب العلم).
انتعاش الحياة الاقتصادية ونتيجة لازدهار التجارة، مما عاد على الخلفاء والأمراء بثروات كبيرة. فإنهم وضعوا نصب أعينهم المحافظة على تلك الثروات لأنفسهم ولذرياتهم من بعدهم وذلك بتحصينها ضد المصادرة، فاتجهوا إلى نظام الوقف مدفوعين بعوامل سياسية وأحاسيس دينية.
يعتبر الوقف من الحضارة الإسلامية، فهو الأساس الذي يعبر عن إرادة الخير في الإنسان المسلم، وعن إحساسه العميق بالتضامن مع المجتمع الإسلامي.
والناظر في الحضارة الإسلامية يقف مندهشاً أمام الاثار العظيمة للوقف في حياة الأمة الإسلامية، سواء من الناحية النظرية أو العملية، فقد أدى الوقف في المجتمع الإسلامي منذ عهد النبوة والخلافة الراشدة إلى يومنا هذا، وظيفته كاملة، وذلك بسد حاجة المجتمع سواء في مجال الصدقة على الفقراء والمساكين وابن السبيل والمحتاجين، وما يتطلبه الجهاد في سبيل الله من العدة والعتاد من السلاح والكراع، أو بالمساهمة في أغلب الانجازات الحضارية في بلاد الإسلام – وقت أن كانت أوربا وأغلب بلاد العالم تعيش في عصر الظلمات – فقد ساهم في نشر العلم والمعرفة وذلك بالوقوف على المدارس والمساجد والمكتبات العامة والكتاتيب لتحفيظ القرآن الكريم، وعلى طلبة العلم، وعلى المراصد الفلكية ودور الحكمة والمستشفيات التعليمية، لتعليم الطب، والتمريض وتطوير علم الصيدلة والكيمياء وعلم النبات.
ولقد تنوعت أغراض الوقف وتعددت ابتداء من القرن الثاني الهجري لتشمل الحياة الاجتماعية والعلمية والدينية، فقد انطلق الوقف من مجرد الاهتمام بما عرف في تاريخ الوقف بالوقف الذري ليكون وقفاً عاماً شاملاً بنفعه جميع طبقات المجتمع الإسلامي.
إن في الوقف تحقيقاً لمصالح الأمة الإسلامية، وتوفيراً لاحتياجاتها، ودعماً لتطورها، ورقيها، وتحضرها، وذلك بما يوفره من دعم لمشروعاتها الإنمائية، وأبحاثها العلمية، ذلك أن الوقف لا يقتصر على أماكن العبادة ورعاية الفئات المحتاجة ونحوهم فحسب، وإنما يمتد نفعه ليشمل كثيراً من المجالات الإنمائية والاجتماعية التي تخدم البشرية، وتنشط الاقتصاد فهو يمثل بؤرة النهضة العلمية والفكرية والثقافية العربية والإسلامية على مدار القرون.
والمقاصد الخاصة للوقف هي:
في الوقف ضمان لبقاء المال ودوام الانتفاع به والاستفادة منه مدة طويلة، لأن الشيء الموقوف محبوس مؤبداً على ما قصد له، لا يجوز لأحد التصرف فيه.
وفي الوقف بر للموقوف عليه، وقد حثتنا الشريعة المطهرة على البر ورغبت فيه، فبالبر تدوم صلة الناس وتنقطع البغضاء ويتحابون فيما بينهم.
استمرار النفع العائد من المال المحبس، فالأجر والثواب مستمران للواقف حياً أو ميتاً، ومستمر النفع للموقوف عليه، والانتفاع منه متجدد على مدى الأزمنة.
محافظة الوقف للمال وحمايته من الاسراف والتصرف فيه، فيبقى المال وتستمر الاستفادة من ريعه، ومن جريان أجره له، ومن تأمين مستقبل ذريته بإيجاد مورد ثابت يضمنه، ويكون واقياً لهم عن الحاجة والفقر.
امتثال أمر الله عز وجل بالانفاق والتصدق في وجوه البر، وامتثال أمر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بالصدقة والحث عليها، وهذا أعلى المقاصد من الوقف، وبهذا الامتثال يكون الوقف سبباً لحصول الأجر والثواب من الله – سبحانه وتعالى – ومحو السيئات.
في الوقف رعاية للأولاد بالحفاظ على أموال المورث بعد موته من الضياع، لأن كثيراً من الوارثين يتلفون الأموال التي ورثوها اسرافاً وبذاراً، ثم يظل أحدهم عالة يتكفف الناس، وهذا ما قاله زيد بن ثابت رضى الله عنه «لم نر خيراً للميت ولا للحي من هذه الحبس الموقوفة، أما الميت فيجري أجرها عليه، وأما الحي فتحبس عليه ولا توهب ولا تورث ولا يقدر على استهلاكها».
الوقف على المساجد والمعاهد والمدارس والمشافي ودور العجزة وملاجيء الأيتام، كل هذا مما يضمن لهذه المرافق العامة بقاءها وصيانتها.
ان الوقف من القربات التي يسري ثوابها للمحسنين في حياتهم الدنيا وبعد الموت جزاء بما قدمت أيديهم.
يتحقق في الوقف في الدنيا بر الأحباب، وفي الآخرة تحصيل الثواب، وفي الوقف حل لكثير من المشاكل الاجتماعية التي تنتاب المجتمع في كل عصر وحين.
الوقف على دور العلم
والعلم من الضرورات التي تقوم عليها حياة الأمم والأفراد، وحاجة الناس إليه تتعدى كل حاجة، وضرورتهم إليه فوق كل ضرورة، لأن الانسان بالعلم يعبد الله ويوحد ويعرف حقه ويمجده وهو قربة في ذاته إن كان من العلوم الشرعية، وقربة لمقصده إن كان من العلوم الأخرى التي تكون من وسائل العلوم الشرعية: كعلم اللغة العربية وفروعها أو من العلوم التي يحتاجها المسلمون للقيام بشؤونهم المختلفة: كعلم الهندسة والطب وغيرها، مما يكون سبباً في رقيهم وتقدمهم.
وبناء على هذا فإن الوقف على إنشاء دور العلم والمؤسسات التعليمية التي تعنى بهذه العلوم، يكون من الوقف على جهة بر وطاعة، فيكون بذلك وقفاً مشروعاً.
فمن الصدقات الجارية إنشاء المدارس والمعاهد والجامعات، فيكون للمتبرع ببناء مؤسسة من المؤسسات التعليمية لتكون وقفاً مثل أجورهم وأجور من تعلم منهم.
فالوقف على إنشاء دور العلم من نشر العلم، وقد نُص على بناء المساجد ومن أبرز أنشطتها أداء العبادات، وتعليم العلم، فيكون بناء المدارس والجامعات والمعاهد العليا داخلاً في ذلك، لأنه قيام بمهمة من مهمات المساجد.
وخلاصة القول فإن الوقف على دور العلم ان كان من العقار فإنه يأخذ حكم وقف العقار، وإن كان من المنقولات فإنه يدخل في حكم وقف المنقول، وإن كان الوقف نقداً يدخل في وقف الأموال، وكلها مسائل تطرق لها العلماء في مباحث الوقف، وترجح فيها الجواز، ومن هنا يمكن أن يأخذ الموقوف على إنشاء دور العلم الحكم نفسه.
الوقف على الأساتذة وطلاب العلم
الأساتذة والعلماء وطلاب العلم جنس واحد في باب الوقف، ولذلك تصرف لهم استحقاقاتهم من الوقف بالسوية كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية لأن أخذهم من غلة الوقف من باب الاستحقاق بهذا الوصف لا من باب الأجرة.
وحكم الوقف على الأساتذة وطلاب العلم لا يخلو من حالتين:
الحالة الأولى: أن يكون الوقف على معين منهم، سواء كانوا جماعة أو شخصاً، فيقول الواقف: هذا وقف على فلان العالم، أو فلان طالب العلم.
الحالة الثانية: أن يكون الوقف على غير معين منهم، كأن يقول: هذا وقف على طلاب العلم، أو على العلماء أو الأساتذة، أو نحو ذلك، فهنا يكون من الوقف على جهة، وبناء على اشتراط الفقهاء أن يكون برا وقربة.