المهمة الصعبة (1) هجرة الشباب إلى (إسرائيل).. السقوط تحت سطوة اللئام

20-09-2016-07-4الصحافة : حنان كشة
للتحقيق الصحفي مطلوبات إذا لم يستوفها فإنه سيكون فاقدا لأركانه المهنية والشروط الواجبة للتحقيق الدقة والمسؤولية الأخلاقية، وتحقيق هذه المطلوبات يفرض على من يتصدون لمهام معقدة مثل (المهمة الصعبة) التي تصدت لها (الصحافة) يفرض عليهم ضرورة التثبيت والتحرك في ميدان الحدث رغما عن خطورة وشراسة العاملين بهذا الميدان، وقسوة الظروف التي تحف طريق السفر من الخرطوم وحتى تل أبيب مروراً بمحطات من الخوف والابتزاز والإهانة دائما ما تبدأ من العاصمة المصرية أو من مناطق البدو بسيناء.. لكشف الحقيقة كما هي قامت ْ(الصحافة) بتتبع الرحلة حتى منتهاها، وعاش فريقها المكلف بإعداد هذا التحقيق دور المتسللين إلى الأراضي المحتلة وذاق ما يجدونه، وتجول في رحلة استقصاء شملت عدداً من المدن والبلدات على رأسها »تل أبيب، أيلات، القدس، حيفا، أشدود، بئر السبع، خُدير، كفر منده، الناصرة، ارات، نتانيا…الخ) وقابل أعدادا كبيرة من السودانيين الذين يتواجدون بها، كما استمع لشهادات المئات منهم، ولم يستبعد فريق التحقيق أسوار السجن المخصص لإحتجاز الآلاف من طالبي اللجوء والمسمى بـ (خولوت) واستكمل الفريق رحلة البحث بسماع إفادات المئات من العائدين لحضن الوطن 20-09-2016-07-3والذين ضاقت بهم سلطات الاحتلال الصهيوني ذرعاً فأبعدتهم أو أصبح ما يلاقون من تمييز وذل وما يشاهدون من ضياع وظلام فوق الاحتمال فقرروا العودة للوطن، ويتناول هذا التحقيق محطات الرحلة المشؤومة وتداعياتها وتأثيراتها على ضحاياها في الجوانب الاجتماعية والصحية والنفسية والعقائدية، كما يتطرق لانعكاساتها على الأمن القومي للسودان ويستمع لآراء خبراء ومهتمين في سلسلة من الحلقات.

أكثر من عشرة آلاف سوداني عبروا السياج الفاصل بين مصر والأراضي المحتلة منذ العام 2006م، وقد كانت النواة من مواطني جنوب السودان الذين اعتصموا بميدان مصطفى محمود بالقاهرة طلباً للجوء من المفوضية السامية لشؤون اللاجئين حتى تم تفريقهم برصاص السلطات المصرية مما أوقع عشرات القتلى في صفوفهم في أواخر العام 2005م، ولم يكن أمام هؤلاء خياراً سوى البقاء في مصر والاستعداد للموت والمعاملة السيئة أو مغادرة مصر حتى إن كانت محطة الوصول هي (إسرائيل)، فتوجه المئات منهم إلى اراضي الاحتلال عبر رحلة تخطط لها شبكات توجد بالقاهرة وينفذها (البدو) لقاء مبالغ مالية معتبرة.
20-09-2016-07-8تطورت وتنامت عمليات التسلل لتصبح تجارة رابحة تدر (العملات الصعبة) على مزاوليها وتحولت جماعات التهريب في مصر إلى شبكات منظمة تمتلك وسائل النقل وأجهزة لاتصال المرتبطة بالأقمار الاصطناعية ولا يعوزها التنسيق مع نافذين على طول الطريق ومع (الاكمنة) الرسمية وتمددت هذه الشبكات وانتشرت أذرعها داخل السودان الذي أصبح محطة الانطلاق لعمليات التهريب عبر الطرق البرية أو وسائل النقل الجوي، وساعد على ذلك سماح السلطات السودانية للمواطنين بحرية التنقل والسفر وفقا للدستور والقوانين السارية، فكما استغل الذين سعوا للذهاب إلى اسرائيل هذه المساحة فإنهم استفادوا ايضا من سهولة الحصول على تأشيرة الدخول إلى مصر بغرض السياحة في إطار اتفاق الحريات الأربع بين البلدين، ومما يجدر ذكره هنا أن 95% من السودانيين الذين تسللوا إلى اسرائيل غادروا البلاد بصورة مشروعة.
معظم الذين تسللوا للاراضي المحتلة بطريقة غير شرعية كان دافعهم البحث عن فرص للعمل وتحسين الظروف المعيشية، وكان هدف (السلطات الإسرائيلية) وراء قبول هؤلاء وترحيبها بهم في بادئ الأمر هو تحقيق أغراض سياسية وإعلامية لتجميل صورة الاحتلال وإظهار الكيان بمظهر المتعاطف مع ما تسمى بـ (قضايا مواطني الهامش) والمدافع عن حقوقهم وما أن تدفقت جموع المتسللين على دولة الاحتلال حتى سقطت ورقة التوت هذه وتجلت الأهداف الحقيقية لإسرائيل والتي تندرة تحت مخطط كبير يحقق الكيد للسودان في المرحلة الآنية ويكمل مخطط تمزيق السودان وزرع الفتنة وعدم الاستقرار فيه كهدف استراتيجي سعت له الصهيونية منذ عشرات السنين، وما أدل على قبول إسرائيل لموجات الهجرة غير الشرعية هذه لتحقيق أغراض تخصها مثل حبسها الآلاف من السودانيين والجنسيات الأخرى في سجون كبيرة تم تشييدها بالنقب لتحتوي من استقبلتهم سلطات الاحتلال بالورود عند عبورهم السياج الحدودي مع مصر.
20-09-2016-07-6لعبت حركات تمرد دارفور دورا كبيرا في الترويج لـ (إسرائيل) وعملت هذه الحركات بجد واجتهاد لنقل صورة مثالية لدولة لاحتلال لتغري بها آلاف الشباب الذين يبحثون عن العمل، فكبرت أحلام الشباب ومن فرط ذلك اعتقد بعضهم بأن نهاية الرحلة إلى إسرائيل هي بداية السعادة الدائمة، وعملت حركات التمرد بالتنسيق مع سلطات الاحتلال ومنظماته المرتبطة بالاستخبارات على استقطاب هؤلاء الشباب لتحقق إسرائيل أجندتها من جانب وتظفر هذه الحركات بحقل خصب يساعدها على زراعة وحصد عقول وسواعد شابة تستغلهم في خوض حربها وتستفيد من وجودهم في المتاجرة بقضية دارفور ومحاولة إقناع العالم بأن الحكومة في السودان تقوم بإبادة شعبها وتستهدف أعراقا معينة من مواطنيها بالقتل والتشريد وهو هدف مشترك تجمع عليه الحركات ومخابرات إسرائيل وحاولتا مجتمعين التلاعب بالحقائق وعرضها بما يخدم أهدافهما ويتجلى ذلك من خلال الإدعاء بأن معظم المتسللين من ولايات دارفور بينما أكدت معلومات وأرقام حصلت عليها (الصحافة) بأن اكثر من 90% من هؤلاء من مواليد وسط السودان والخرطوم والجزيرة، وتعود جذوربعضهم إلى دارفور ولكن لم يحدث أن زاروها ولو لمرة واحدة، وكانت حركة المتمرد عبد الواحد حمد نور كانت هي السباقة في افتتاح مكتب لها بإسرائيل مع بدايات العام 2008م وكان انتشار هذا الخبر محفزا ومشجعا لعدد مقدر من الشباب للإقدام على اتخاذ قرار التسلل بعد أن تكسرت بعض القيود النفسية والاجتماعية وتزعزعت بعض القناعات الدينية المتجذرة لدى الشعب السوداني الذي يجمع على أن اسرائيل ليست سوى (كيانا مغتصبا) تجب مقاومته حتى يتم تحرير القدس ورفع الاحتلال والظلم عن كاهل الشعب الفلسطيني.
وقفت »الصحافة« على واقع بائس داخل لمدن الإسرائيلية واستمعت لمئات القصص لشباب ذهبوا لتحسين أحوالهم فضاعوا بين مدمن على شرب الخمر واسير لدى صنف من المخدرات يسمى »Nice Guys« يباع بصورة علنية بمناطق تواجد السودانيين والافارقة، وبين عشرات تقدموا بطلبات للجنة الحالات الخاصة بهيئة اعتناق اليهودية تم رفض معظمها بسبب عدم اجتيازهم لـ (عتبة المعايير)، وبين عليل أهدته اسرائيل مرض الايدز أو التهاب الكبد الفيروسي أو عشرات الأمراض الغامضة وغير المعروفة التي يتناول من يعانون منها المسكنات فقط بأمر السلطات الصحية بدولة الاحتلال.
20-09-2016-07-5لم يستثنِ فريق تحقيقات (الصحافة) سجون الاعتقال وأشهرها (خولوت) الذي يقع بصحراء النقب وقد انشىء في العام 2013م خصيصا للمتسللين، ووثق للحياة في البقعة التي يتواجد عليها أكبر عدد من السودانيين والأفارقة الذين رفضوا مغادرة إسرائيل بعد أن رفضت سلطاتها اعطاءهم صفة لاجيء، وقد أطلق عليه نزلاؤه اسم (مقبرة الاحلام)، وليس ذلك سبب التجويع والإحجام عن تقديم الخدمة الطبية فقط.. بل لكونه المحطة التي تبحرت عندها طموحاتهم بالكسب المادي بالعمل داخل دولة الاحتلال أو بالهجرة إلى أوربا بعد الحصول على صفة اللجوء كما أوحت لهم كذبا المنظمات لمرتبطة بالسلطات، وساقتهم قطعانا للاحتجاز بعد إن أقدمت حكومة الاحتلال على اقتراح قانون للتعامل مع المتسللين بصورة غير شرعية وأجازه برلمان الاحتلال (الكنيست) بعد أن أدخل عليه بعض التعديلات وصار نافذا تستند عليه وزارة الداخلية في إرسال كل من تنتهي صلاحية التصريح الذي منح له عند دخول إسرائيل والذي يتم تجديده لفترة شهرين أو ثلاثة أشهر، وقد حدد القانون اثنا عشر شهرا كأقصى فترة احتجاز يتم بعدها ترحيل المتسلل إلى بلاده أو إلى دولة ثالثة أو تحويله لسجن (سوهرنيم) المشيد بالقرب من الحدود المصرية، وكان المجتمع المحلي اليهودي حاضراً بكثافة في هذه المحطة من خلال وقفات احتجاجية طالبت بطرد المتسللين الذين يتحملون عدداً كبيراً من جرائم القتل وترويج وبيع العملات المزيفة وأبعد من ذلك يخشى هذا المجتمع من تغيرات ستصيب التركيبة السكانية وتجعل من العنصر المتسلل رقما سيؤثر في المعادلة الديمغرافية لدولة قامت لليهود دون غيرهم، وكانت مناطق جنوب تل أبيب الأكثر تأثر بوجود المتسللين هي السباقة في التظاهر ورفع الشعارات التي تطالب بابعادهم وتنتقد قرار المحكمة العليا الذي اعتبره السكان متساهلا، ومن هذه الشعارات(الطرد الآن.. المحكمة العليا تقتلنا)، ولتبديد مخاوف السكان عززت سلطات الاحتلال اجراءاتها لمنع أي دخول جديد للمتسللين بتشييد جدار الكتروني متطور على طول الحدود مع مصر أفلح في وقف عمليات الدخول بصورة كبيرة.
20-09-2016-07-7شهد العام 2010م بداية الهجرة العكسية من إسرائيل وبلغت أرقام العائدين ذروتها في العام 2014م بسبب عدم تجديد تصريح الإقامة أو لعدم المقدرة على تحمل الضغوط النفسية التي مارستها معهم السلطات ومن قبلها مجتمع عنصري لا يقبل الغرباء وقد بلغ عدد الذين وصلوا للبلاد حتى يومنا هذا (500،5) سوداني أقلتهم رحلات غير مباشرة للخرطوم عبر القاهرة أو عمان العاصمة أو أديس أبابا أو استنبول، ولهؤلاء العائدين (طوعا أو كرهاً) قصص مذهلة وتعبيرات مختلفة لحظة الوصول لمطار الخرطوم إطارها الواسع أنهم رددوا (الحمد لله) كما كانت تلهج بها السنة بعضهم عندما عبروا الحدود بين مصر وإسرائيل قبل أن تتبدى لهم الحقيقة وتكشف عن قبح ما وطأت أقدامهم وزيف ما خدعوا به وسوء ما وجدوا، ولم تكن الخرطوم هي الوجهة الوحيدة للمغادرين بل تم ترحيل ما يقارب الـ (500) إلى دولة ثانية »رواندا او يوغندا« بعد أن أبرمت سلطات الاحتلال اتفاقا سريا مع الدولتين لاستقبال هؤلاء المبعدين مقابل مبالغ مالية ومساعدات في مجالات مختلفة.
وقف فريق (الصحافة) على الإجراءات التي تقوم بها السلطات الأمنية والشرطية السودانية تجاه العائدين، كما التقت المئات منهم استمعت إلى رواياتهم وكان السؤال المحوري لهؤلاء هو: (هل وجدتم ما وعدتكم أسرائيل حقاً؟)، لتأتي الإجابات صادمة تصحبها الدموع في معظم الحالات.
ستنشر (الصحافة) ما عكف فريقها على جمعه وإعداده لأكثر من عام، وستعرض الحقيقة أمام القارئ كما هي في محاور مختلفة، كما تعرض المهددات المترتبة على عودة المتسللين بحسب الخبراء والمختصين.

(نواصل)