ثقافة الحواديت والأحاجي

423(1)
أوردت في زمن مضى ضمن سلسلة قمت فيها بمطاردة وضبط بعض خزعبلات الحياة السودانية نماذج لبعض روايات رسخت في اذهان السوادنة رسوخ الجبال، رغم أنها لا تمت الى الحقيقة بنسب. ولكنها مع ذلك كادت، من فرط التكرار والتواتر والتناقل، أن ترقى الى مصاف الحقائق التاريخية المؤكدة في الحياة السودانية.
وقد لفت نظري بعض الفضلاء الى ورقة أكاديمية منشورة للوزير والسفير السابق، المؤرخ واستاذ علم التاريخ بجامعة الخرطوم، الدكتور حسن عابدين، تعالج ذات القضية. عنوان الورقة (الروايات الشفاهية كمصدر لتاريخ السودان الحديث والمعاصر: نظرات ناقدة ونماذج). اشتملت الورقة على أمثلة من تخاليط وخرابيط مستقرة في حياتنا الثقافية والاجتماعية، بسط الدكتور عابدين مدونات وثائقية تمحوها محواً.
من ذلك (رسالة الخليفة عبد الله للملكة فيكتوريا) وعرض خليفة المهدي على ملكة بريطانيا الزواج منها، ان هي اسلمت واتبعت المهدي، واذعنت لحكم الخليفة. وقد اثبت عابدين بقواطع الادلة وسواطع البراهين، أن الرسالة لم ترد في متنها أية اشارة، لا تصريحاً ولا تلميحا، الى عرض الزواج المزعوم. والحق أن شيخنا الدكتور عبد الله على ابراهيم كان سابقاً الى رفض ذلك الزعم، في طروس له عضد فيها مقالة للقيادي الشيوعي عبد الله القطيني، ووصف الرواية بأنها تزوير مقيت قام به وُضّاع هانت عليهم انفسهم وكرهوا تاريخهم.
وتطرقت الورقة الى ما هو متداول من روايات- رسختها في الوعى العام كتابات متواترة لمثقفين محترمين – عن ان السيد على الميرغني، عليه رحمة الله، تلقى عرضاً من حكومة بريطانيا بأن يكون ملكاً على السودان، وأن السيد على اعتذر ولم يقبل.
وقد حصحص صاحبنا الوثائق البريطانية المودعة في ارشيف السودان بجامعة دارام الشهيرة وغيرها، فلم يجد أثراً لذلك الزعم. ثم انتهى الى ان مثل هذا العرض ان قدّم فعلا – وهو لم يقدم اصلا – لورد ذكره تدويناً في التقارير والبرقيات المتبادلة بين الخرطوم ولندن بين الحاكم العام وحكومته. إذ ان ذلك قرارا لا يجوز للخرطوم ان تتخذه منفردة، قبل التناصح والتشاور مع وزارة الخارجية البريطانية.
(2)
كما عرض الدكتور حسن عابدين الى الرواية الراسخة في اوساط السودانيين حول مبني (بيت السودان) الشهير في لندن. وجوهرها أن الملكة اليزابيث الثانية أهدت المبني للسيد عبد الرحمن المهدي اثناء زيارة له لبريطانيا، وان المهدي اوقفه بدوره للجالية السودانية.
وقد توطدت تلك الرواية بحيث صدقتها الحكومة السودانية نفسها. إذ ذكر الدكتور حسن عابدين، أنه عندما كان سفيرا ببريطانيا، فوجئ بمدير ادارة الاوقاف بوزارة الشؤون الدينية يقصده، ثم يحدثه عن خطة الوزارة لتطوير واستثمار (بيت السودان) في لندن. على اساس انه وقف، أوقفه السيد عبد الرحمن المهدي، فهو بالتالي مما يقع في نطاق اختصاص الوزارة!
والحقيقة أن مبنى (بيت السودان) في لندن عقار مملوك لحكومة السودان منذ ما قبل الاستقلال. وهو ملك حر، تم شراؤه بتصديق من السكرتير المالي في الخرطوم عام 1947 بغرض أن يكون دار ضيافة قصيرة الامد للمبعوثين السودانيين الوافدين لبريطانيا للدراسات العليا والتدريب.
والمفارقة هنا هي ان السيد عبدالرحمن المهدي لم يَدَعِ ملكية البيت أصلاً، وربما لم يسمع بهذه الرواية، التي نَسبتْ إليه هذه الملكية وهذا الحق المزعوم، حتى وفاته عام 1959!
(3)
غير أن دهشتني كانت أكبر عندما علمت من ورقة ثانية للدكتور حسن عابدين ان الزعيم اسماعيل الأزهري لم يكن هو صاحب الشعار الشهير الذي ارتبط باسمه، وهو (السودان للسودانيين). وقد عاشت اجيال بعد اجيال تؤمن وتردد بأن الشعار، الذي يتبوأ مكاناً عليّاً في ادبيات تاريخنا السياسي، انما هو من صناعة الزعيم الكبير وصياغته.
اتضح أن شعار (السودان للسودانيين) صاغه عام 1919 الحاكم العام ونجت باشا. وكان الغرض منه عزل السودان عن مصر، وعن رياح التغيير التي كانت تهب من تلقائها عقب ثورة سعد زغلول. وجوهر الشعار ومغزاه هو ان (السودان للسودانيين) تحت حكم بريطانيا صاحبة الحق التاريخي والسيادي عليه، وأنه بالتالي ليس لمصر!
(4)
من الخزعبلات واسعة الانتشار في حياتنا العامة الزعم المتواتر في كتابات كثير من متعلمينا الافاضل أن لبنان اعترضت على انضمام السودان الى جامعة الدول العربية عقب الاستقلال عام 1956، كم عدد المرات – أعزك الله – التي سمعت وقرأت فيها هذا الزعم عبر السنوات؟ خمسمائة، أم ألف، ام عشرة آلاف مرة؟!
عدد من سفراء السودان السابقين في لبنان – كالسفير جلال عتباني، والسفير جمال محمد ابراهيم – سعوا حثيثاً لتقصى اصول رواية اعتراض لبنان على عضوية السودان، وقلبوا كل حجر وجدوه في ديار فيروز ونانسي عجرم،بحثاً عن الحقيقة. ثم انتهوا الى نتيجة واحدة، وهي ان المعلومة (مضروبة)، لا أصل لها ولا فصل. وليس لها من الحق نصيب.
نال السودان استقلاله في الفاتح من يناير 1956، وحصل من فوره على اعتراف مصر، فكان سفيرها أحمد سيف اليزل خليفة اول سفير يُعتمد في السودان . ثم كانت لبنان هي الدولة العربية الثانية التي اعترفت باستقلالنا، وبعثت بسفيرها ليقدم أوراق اعتماده في 24 يناير 1956 (راجع مقال السفير جمال بعنوان « بَيْنَ السّودان وَلبنان قافيَةٌ وأكْثَر»).
حبيبنا الآخر الاستاذ المُعز أبو نورة ابتلاه الله منذ صغره بعقل متشكك، لا يقبل كل ما يلقى امامه. أدركته جرثومة جده المؤرخ الدكتور مكي شبيكة، فهما من الذين يمحصون ويحصحصون، وما ينفكون وراء الحقيقة حتى يأتوا بخبرها. وقد قضى الرجل عاماً كاملاً تحت شجيرات الأرز في بيروت لبعض اغراضه. ولكنه سلخ جزءاً عزيزاً من عامه ذاك في تحري تلك المعلومة، ثم انتهى الي ذات النتيجة.
وفي بيروت دُهش بعض السياسيين والدبلوماسيين اللبنانيين الذين التقاهم المعز واستنطقهم، فذكّروه بأن الحكومة اللبنانية عام 1956 كان يسيطر عليها رشيد كرامي وصحبه من الموالين للرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وان اعتراض هؤلاء على عضوية السودان في الجامعة العربية، والحال كذلك، من رابع المستحيلات.
لكن صاحبي قطع قول كل خطيب عندما أحال الىّ ورقة مطولة بعنوان (قضية العضوية في جامعة الدول العربية)، نشرتها مجلة (السياسة الدولية) قبل أربعة عقود من الزمان، بقلم السكرتير العام السابق للامم المتحدة الدكتور بطرس غالي. وتنقل الورقة بدقة ملابسات قبول عضوية كل دولة وحالات الاعتراض التي وقعت. أما السودان فقد أوردت عنه الورقة هذه الجزئية: (في 19 يناير 1956 صدر القرار رقم 1107 ونصه: «يقرر المجلس بالاجماع الموافقة على انضمام جمهورية السودان الى جامعة الدول العربية»).
(5)
وقبل يومين قرأت في منبر (سودانايل) مقالاً لكاتب سوداني ردد نقلاً عن كتاب (خريف الفرح) للمرحوم عبد الرحمن مختار، رواية فحواها أن النميري ضرب بكف يده الاستاذ محمد حسنين هيكل، في حضور الرئيس جمال عبد الناصر، ثم خلع حزامه واستأنف الضرب مستعيناً بالحزام. وهي رواية من نسج أخيلة سودانية خصيبة.
حواديت المهرجين وأحاجيهم، مثل رواية النميري وهيكل، تجد هوى عند الناس، لذا تتواتر أحاديثها. ولكنك – أعزك الله – لن تجد من يحدثك عن المقالة الشهيرة لعملاق الصحافة السودانية المغفور له الاستاذ بشير محمد سعيد (الأيام 1988)، تعليقاً على تلك الرواية، ووصفه لها، ولكتاب (خريف الفرح) كله، بأنه مجموعة من الخزعبلات والترهات والأكاذيب!