عبادة القوانين واللوائح

* لسنا من الذين يدعون إلى عدم إحترام القوانين ، لكننا ضد أولئك الذين يقدسونها ويضيعونها في مستوى التنزيل ، وهذه من الممارسات الممقوتة التي لحقت بدواوين الخدمة العامة ، فأفرزت بطأً في الإجراءات ، وتعطيلاً لمصالح النَّاس ، وتقاعساً عن أداء الواجبات ، وبالتالي أصبح القانون ، ومعه اللائحة من المعبودات ، والمقدسات التي يرتمي عليهما الكثير من الموظفين ، فلا تُقضى حاجة ، ولا تُحق حقيقة ، أو تزال مظلمة ، ويبقى الجميع كالمتسولين أمام خدمة مدنية ، كان يفترض فيها أن تقدس المواطن ، ولا تذله ، وتطوَّع القانون ، ولا تجعله صنماً هكذا يتم في حضرته الركوع والسجود، والعياذ بالله.
* والقوانين التي تم وضعها ، وصيغت نصوصها ، لم تصمم من أجل أن تكون مصدات تمنع جلب المصالح ، أو ممرات يستغلها البعض للوقوع في المفاسد .
* وسيادة حكم القانون ، التي ندعو النَّاس للإلتزام بها ، هى أن لا تلوى عنق الحقائق إعتماداً على ظنون ، ولا تفسًّر النصوص على خلاف حقيقتها ، فتؤول تأويلات غريبة ، ويكون التقدير بشأنها تقديراً خاطئاً ، أو لحاجة في نفس الذي بيده التنفيذ والتطبيق .
* فالقانون ، أو اللائحة ، لا يفترض أن تذهبا مذهبا يبتعد عن حوائج النَّاس ، ومقتضيات ظرفهم وحالهم ، وإذا حدث ذلك فمن الواجب النظر في التعديل ، أو الإلغاء ، أو الإستبدال دونما إنتظار ، ذلك لأن التسويف والمماطلة لإبقاء قوانين ظالمة ، أو نصوص  قد تجاوزها الزمن ، ولم تعد تتناسب مع حال راهن ، ومتغير جديد ، تلك من أهم العناصر التي تقدح في العدالة ، وتكرس إتجاهات الظلم والشنآن .
* ولكم أن تتصوروا بأن قانوناً ما يزال سارياً ينص على أن عقوبة الذي يسرق غرامة لا تتجاوز العشرة جنيهات ، بينما يكون المسروق تفوق قيمته المائة ألف ج.
* وقد نجد قانوناً آخر ، ينص على عقوبة لا تتجاوز العشرة قروش ، وهو ما يزال سارياً ، ولا أدري متى يكون مثل هذا القانون واجب التطبيق ، وقد تحركت الحياة ، وأصبح بينها وبين هذا القانون فارقاً  يقدر بملايين السنين .
* والأمر الأغرب من ذلك بأن هناك مؤسسات حكومية ، ومصالح ووحدات ، ما تزال تتحاكم إلى لوائح عف عليها الدهر وشرب ، والمتضرر الأكبر أما أن يكون المواطن إذا كانت اللائحة تتحدث عن إجراءات تحذو حذو السلحفاة بينما تسارعت الحياة في وتيرتها ، أو تكون المتضررة الأكبر هى الدولة التي أصبحت قوانينها لا تناسب إلا أهل الكهف الذين مكثوا في الكهف ثلاثمائة سنين وإزدادوا تسعاً .
* والفرق شاسع بين عبادة القوانين وتقديسها ، وبين القوانين التي تستوجب الحاجة لإعادة النظر فيها ، بحكم أنها لا تناسب الواقع ، وهى السبب الأوحد فيما نعاني منه من أزمات ومشكلات .