نظمها مجلس الشباب العربي والافريقي ندوة الهجرة غير الشرعية برؤية أدبية»1-2»:المهاجرون: كنا ننام على أكل يسير ونقضي الليل مع الأغنام وقرص البعوض»

كامراد رواية ناقصة الهوية، مكتملة المعنى، تحاول الخروج من عنق زجاجة ما بعد الاستعمار

رصد: حنان كشة

* حركت رواية: «كامراد رفيق – الحيف و الضياع» للكاتب الروائي الجزائري الدكتور الصديق حاج أحمد الزيواني، والتي تم تسليط الضوء عليها نهار الأربعاء الماضي بالقاعة الكبرى بمجلس الشباب العربي والأفريقي، وشكل حضور الكاتب نفسه للسودان بدعوة من مجلس الشباب العربي والإفريقي والإتحاد العربي لاندية القصة والسرد حضورا نوعيا في المشهد الثقافي السوداني، فقد حركت الرواية كوامن عديد القضايا الملتهبة، بخاصة الهجرة غير الشرعية والتي إستلهمتها الرواية وأثارتها بجرأة عبر دفتيها وكأنما المطلع عليها يلحظ الهموم والمشكلات التي تواجه المجتمع الأفريقي الكبير وهو يلفظ أبناءه خارج جدار حدوده ليتخبطوا بحثا عن الفرج عله يوجد في رحلة هجرة وإن كانت غير شرعية، والكاتب الجزائري الدكتور الصديق الزيواني الذي خاض في عرض المسببات التي تقود للهجرة غير الشرعية بين ثنايا روايته ولم ينس ان يضمن مشهد تلاطم الأمواج التي تلف أعدادا من المهاجرين غير الشرعيين، وما ان إنتهت القراءة الأدبية التي قدمها الناقد والصحفي عامر محمد أحمد حتى إنهالت أسئلة دارت معظم محاورها حول فلك من الذي يحدد إن كانت هجرة الأفارقة إلى أوروبا شرعية أم غير شرعية.. ليختم الكاتب بان الواقع يحسم ذلك بضرورة الحصول على جواز سفر للتنقل بين فيافي العالم….

مأساة الهجرة..
* الناقد والصحفي عامر محمد أحمد مراسل صحيفة الوطن القطرية بالخرطوم الذي قدّم في إفتتاحية الندوة إبتدرها بتعريف الرواية بانها رواية الهوية الناقصة العدد المكتملة المعنى، وأشار إلى انها تحاول الخروج من عنق زجاجة ما بعد الإستعمار، و مضى مقدما عرضا تحليليا مفصلا لما تضمنته الرواية قال انها تروي مأساة ما بعد العودة وعلّق بانه يقف أمام تجلياتها حائرا بين رصد مشهد غرق فيه المغامرة والمقامرة ومشهد فيه تصوير لفيلم تسجيلي لمخرج غربي فرنسي يحكي فيه عن نفسه وعن مشواره و شخوص أبطاله الأحياء والغرقى ويستند إلى كتاب المفكر المغربي عبد السلام بن عبد العال في كتابه مثولوجيا الواقع يقول ان مجتمع الفرجة هو مجتمع يعاش فيه الشئ مبتعدا عن ذاته مفوضاً بديله وصورة عنه إنه المجتمع الذي يستبدل فيه العالم المحسوس بمقتطف من الصور التي توجد فوقه والتي تقدم نفسها على انها المحسوس بلا منازع ليخلص إلى ان الفرجة إذن هل تلك الحركة الدؤوبة التي تطبع المجتمعات المعاصرة بإعلان وإشهار كي تجعل منه مرئيا، ذلك العالم الذي لم يعد يمكن الإمساك به مباشرة، أي تجعله تحت الانظار كما يقول الدكتور عبد السلام.
ويضيف عامر ان العالم يبدو صورة كما يصبح الإنسان فيه مشاهدا متفرجا واعيا مرئيا ويعود ليقول انه إذا وصلنا في رؤية الهجرة وما فيها من تفصيل سواء كانت شرعية أو غير شرعية بان صورة الطفل السوري الخارج من عمق البحر كانت قد هزت العالم كله وتحول بعدها الإنسان إلى مشاهد ،متفرج، ساخط ،متحسر وضحية إلى رقم في سجلات منظمات الهجرة غير الشرعية وحراس الحدود.
الوداع الأخير…
* يمضي عامر ليقول انه يجد في بداية الرواية صورة مأساوية لغريق ألقى بوصيته الأخيرة وإقتبس نصا من الرواية تلاه على الحضور «انا …. يا أمي لان القارب غرق بنا عرض البحر ومن يدري ربما أكون اللحظة في جوف الحوت لم أوفق لبئس حظي فيما منيت نفسي به حيث الجنة هناك على ضفة البحر أعرف اني تركتك خلف ظهري ترسانة ثقيلة من الديون على كاهل الأسرة …….انهم جعلوك تقتنعين أخيرا ….انا متحسر جدا يا أمي لان العين والحروب الأهلية والأوبئة دبروا أمرهم بليل شكلوا حلفا عليّ حرضوني والله، ألم تعترفي لي في ليلة الوداع الأخير معك انهم جعلوك تقتنعين أخيرا هذا قدري» ويضيف ان هذه صفات نكاد نشترك فيها نحن أفارقة جنوب الصحراء الكبرى الذين تلتصق بنا صفة الرفيق «كامراد» بمجرد دخولنا أول نقطة حدودية للجارة الشمالية.
ويشير عبد السلام عبد العال إلى ان اللغة الفرنسية في كلمة «سيموقراكو» معناها متعددة لا تنتقد فحسب المعنى إلى ضده إنما تضعنا في الوقت نفسه أمام نظريتين متباينتين للكون والزمان والإنسان، وحاول تفسير تلك الكلمة وردها إلى أصلها بقوله انها الصورة التافهة في مقابل الحقيقة ثم انه يعني ان ذلك الشئ يفوّض أمره للآخر ثم يعني اننا نستعيض عن الأمر بآخر لكن مع تلك المعاني السلبية أخذت الكلمة معان إيجابية تعني القدوم وقد كان لديه صورة أيضا شاهدها وكان قد إشترك في مسابقة ولم يفز لكنه أراد بهذه الرحلة ان يصل إلى آخر العالم حتى يأتي بصورة مغايرة للصورة المعروفة في باريس، ثم مضى يحكي عن الفيلم بقوله «انا هنا بصدد مهمة» ثم سأل أحد السكان بقوله هل تعرف أحدا من سكان حيكم أو من سكان الأحياء الفقيرة الأخرى هاجر لأوروبا أو إغترب من نعيمها» هذه الصورة في كتابه «موقع الثقافة» نجد الدكتور هولي بابا يقول ان الحضور الكولانيالي متجاذب على الدوام منشطر بين نصفين نصف يظهر على انه أصيل ومرجعي وآخر على انه ضرب من التكرار والإختلاف وهو عبارة عن تعارف ينتج في فعل المخطئ ويصاحب كولونيالي نوعي عن فعل شباب من حيه أو من الأحياء الفقيرة الأخرى يحكيها ذلك المخرج حينما أتى لتلك المنطقة المهمشة في التاريخ والجغرافيا وأراد أيضا ان يؤكد ان ثمة فكرة غبية ان ليست الإنسانية بخير وستغدو أفضل بدون حدود ، أيضا ان الإنسان خارج كوكب الغرب وان العولمة تتعارض مع فكرة الغرب والشفافية المطروحة حيث لا يظهر حقل الحقيقة الحقيقي والزائف من وجهة النظر تلك.
صور وأحداث…
* في صفحة «74» في وسط الرواية يمضي ليقول «إني سأبيع البقرة… فتاهت أمي وسافرت في سفينة بعيدة أما أخته لم يصبها ما أصاب أمي لم يصبها ما أصاب أمي لكني سمعتها تقول يا ويلي نعم يا أمي سأبيع البقرة لكني سأقتسم ثمنها معكم .. مع من ستسافر قال لها مع رفيقاي.
ويقول عامر محمد أحمد ان الرواية في سردها غنية بالثقافات الأفريقية والعربية بلكناتها ولهجاتها والأحلام الغنية والتي لا يراها العالم إلا ان الدكتور الزيواني إستطاع لفت النظر لتلك المجتمعات، *ويضيف عامر محمد أحمد ان الرواية تمضي في حوار ممتع مثلا مع العم بامبا والبقرة وبيعها وحق الوصول إلى محطة الإقلاع ويقول ان تلك الصور كلها جميعا إنتقلت إلى الحاجز الشمالي، هذا البطل يسرد لمخرج الفيلم ما يجري يقول البطل انه يلقي نظرة السلام الأخيرة على نيامي عاصمة النيجر دون ان نسأل إدريس قال لنا يا رفاق هذا ما حدثني عنه أبراهيما ويضيف قضينا يومين في العراء نتصهر نهارا ونبلى ليلا ننتظر سيارة أو شاحنة تقلنا هناك طرق التهريب عبر تشاد وهناك طرق التهريب عبر ليبيا للشمال رأسا ثم التهريب نحو الجارة المقصودة منذ ثورة 17 فبراير ضد القذافي حيث قلت هجرة الرفاق نحو ليبيا ، والبطل يسرد لمخرج الفيلم الذي إلتقى به وأراد ان يقوم بإخراجه بعد ان يقوم بلقاء هذه الشخصيات الحقيقية يقول حتى جاءت شاحنة من نوع نومان عليها رقم جزائري لم يعلق في بالي سوى الرقم 01 منه لسهولة حفظه علمت لاحقا انه ترقيم لمحافظة صحراوية تقع شمال طاما تسمى مدينة أدرار نطلق عليها في قاموسنا الكاميرادي سيدي الضيف.
يمضي عامر محمد أحمد ليقول ان بطل الرواية يحكي القصة فقال نتحدث مع المخرج الفرنسي الذي انتج الفيلم والذي كان يسعى لمعرفة القصة الحقيقية من خلال أولئك الأبطال إلى القول بان حروب الموارد في أفريقيا من الأسباب الرئيسية للهجرة غير الشرعية كما الحروب الأهلية الداخلية.
تشابه وتلاق….
* بإلقاء نظرة على أفريقيا اليوم والأسباب التي تقود لجعل الهجرة غير الشرعية هي الخيار هي ذات المرحلة التي عاشتها فرنسا في القرن السابع عشر، يصف الكاتب على لسان المهاجرين «كنا ننام على أكل يسير ونقضي الليل مع الأغنام وقرص البعوض» يقول عامر محمد أحمد ان ذلك الوضع لفرنسا تواصل من نهاية القرن السابع عشر حتى بداية القرن الثامن عشر وجزء كبير من الرواية تم تخصيصه للحديث عن حروب الموارد في أفريقيا وان العنت الإقتصادي بشكل عام هو البطل الذي يلعب دورا كبيرا في الهجرة وان أفريقيا جميلة لكن الفقر يجعلها مشوهة تدفع مواطنيها للهجرة غير الشرعية، ويضيف ان مدينة مارسيليا دي كامرات ليست في فرنسا إنما في الجزائر لكنها تعتبر نقطة إنطلاق، وفي الرواية وفقا لعامر محمد أحمد مقطع شعري للشاب خالد يتحدث عن أحلام الأفارقة في الوصول إلى جنة أوروبا وتستمر الرحلة للوصول إلى محطة الهروب الأخير مرورا بالمدن الكبيرة منها مكمن بن عمار والعريشة، وبطل الرواية يحكي للمخرج الفرنسي بقوله طبعا الذي يهمني وأحسبه يهمك أيضا سيّدي مخرج فيلم اننا قطعنا من عاصمتنا نيامي إلي هذه الديار أربعة ألف وخمسمائة ثلاثة وثمانين كيلومتر من المعاناة.
ويخلص عامر محمد أحمد إلى ان الرواية في مجملها تعكس ان الكاتب كان على معرفة بالأرض والناس والظروف التي يعايشونها ولكل علاقات وتشابكات.
* مقدم الندوة أحمد عوض رئيس القسم الثقافي بصحيفة «الصحافة» يقول مبتدرا النقاش بعد ان انهى عامر محمد أحمد ورقته انه وعلى ما يبدو ان موضوع الهجرة صار مسيطرا على ساحة الأدب وانه قبل نحو أسبوع صدرت للكاتب السوداني دكتور عاطف الحاج سعيد الرواية الفائزة بجائزة الطيب صالح بمركز عبد الكريم ميرغني رواية «عاصف يا بحر» تناقش موضوع الهجرة غير الشرعية والأبطال هذه المرة سودانيون تتنقل بين الخرطوم وليبيا وفرنسا ليعبروا بحر المانش إلى بريطانيا،منوها في ذات السياق إلى روايات اخري لكتاب أفارقة تناولوا موضوع الهجرة غير الشرعية والهجرة عموما منهم الأريتري أبوبكر كهال في روايته «تاتينيك أفريقية» والسودانيان منصور الصويم في روايته «عربة الأموات» وسوزان كاشف في روايتها التي صدرت مؤخرا «توابيت عائمة» مشيرا إلى وضع المهاجرين غير الشرعيين صار ذات نفسه بؤرة غير أمنية وخطرة ويتمثل ذلك في تعرض المهاجرين إلى خطر «تجارة الاعضاء البشرية» وتواجه الفتيات خطر الإتجار بالبشر.
* ويعود ليقول انه وفي سياق الندوة فإن للهجرة جوانب إقتصادية وإجتماعية مهمة مقدما بعدها لأستاذ محمد القاسم عزاني الكاتب اليمني أمين العلاقات الخارجية بالإتحاد العربي لاندية القصة والسرد، ليسلط الضوء على ذلك المحور في نقاط فقال الأخير ان الهجرة سمة من سمات المجتمعات وان الأسباب التي تؤدي إليها كثيرة وقال انها تقود لهجرة العقول وان المجتمعات العربية والأفريقية تشكو من هجرة العقول ، وزاد ان الهجرة إما ان تكون إقتصادية أو إجتماعية أو سياسية لكنها تتضمن هاجسا أمنيا أيضا وهذه تبدو جلية في دول الخليج العربي حيث قادت الهجرة لإحداث تغيرات ديمغرافية، وقال ان ثمة عوامل تقود للهجرة غالبا ما تكون في دول أفريقية ودول شرق آسيا ، وبين العوامل قلة السكان في بعض المناطق مما يحوجها لمزيد من القوات العاملة، كذلك من المسببات الإجتماعية رغبة الشباب على التحصيل الأكاديمي وجوانب سياسية حيث تعاني كثير من الدول من النزاعات.
أسباب الهجرة غير الشرعية
* وأشار العزاني إلى إن قلة فرص العمل، وعدم وجود أعمال كافية، وجيدة للشباب، وايضا الكثافة السكانية العالية،والضغط النفسيّ، والاكتئاب الذي يُسيطر على الشباب نتيجة الأوضاع السيئة، وازدهار الحالة الاقتصاديّة بشكلٍ سريعٍ عند بعض الأُسر التي هاجر أحد أفرادها، ممّا يُشجع الكثيرين على الهجرة. الانجذاب للحياة الغربيّة، وأسلوب معيشتها، والحريّات الموجودة فيها، والتي تتوافق مع طموحات الشباب.
ويمضي العزاني إلى قوله بالنسبة للمهاجر فإن البعد عن الوطن، والأهل، والأقارب،والأحباب وفقد الشعور بالاستقرار، وعدم الشعور بالانتماء، والاطمئنان،والشعور الدائم بالغربة، والتخلي عن الكثير من العادات، والتقاليد، والمبادئ؛ وذلك للتأقلم مع الحياة الجديدة، تغيُّر حجم السكان؛ فيزداد عدد سكان المدن المُستقبلة للمهاجرين، ويتناقص عدد السكان في البلاد التي يخرج منها المهاجرون، بالإضافة إلى اكتظاظ المهاجرين في أحياء تفتقر إلى التخطيط الهندسيّ. ارتفاع نسبة الإناث في البلاد التي يُهاجر منها الشباب.
ونواصل…….