التأويل البياني للنقد

ناصر السيد النور*

إذا كان التشريح النقدي للنصوص السردية، أو نصوص اللغة التي تنتجها اللغة كمصدر يتأسس على بينة منظومة لغوية قادرة على مواجهة النصوص كنصِّ مسوغ لقدرة اللغة على التسرب بين طيات الفكر النقدي. فإن البلاغة في تطورها التأريخي الممتد في لغات العالم من اليونان إلى العربية و نظمها البلاغي تُشكِّل اللغة مصدراً للفكر، أو هي الفكر عينه كما في مصادر اللغة و المنطق و مقوماً للبحث عن دلالات معبر عنها ألفاظ تؤدي إلى معاني تفكك الرموز الصوتية و من ثمّ تعيد مراجعتها فيما تشكلت فيه من شعر و نصوص تحوّل من المعطى اللغوي القابل للتشكل إلى تنصيصه نقداً. وبما ان اللغة تحمكها، و تتحكم بها نظم تمنحها قدرتها في التعبير اللغوي من بنى و معانٍ و كالالفاظ و المعاني و بينة مورفورلجية مقيدة كالنحو و حركات الكلمات داخل السياق اللفظي مما يعطيها بعدها البلاغي و مكونها الشرطي للإقتراب من مفهوم الكلام أو الضم بقول البلاغي العربي عبد القاهر الجرجاني. وعلى هذا السياق تطورت البلاغة كأداة كاشفة لمكنونات اللغة و إعادة مستمرة لصياغة المعنى و كشف دلالاته المتوارية بإختلاف طرق التفكير و التعبير. فالبيان سعي مركب لإجلاء أقصى طاقات اللغة في التفسير، فالنص المبين يشكل تحديا مستمرا للبعد الانساني في المطابقة و حدود استعماله في ثنائية النظرية و التطبيق داخل انساق الواقع الديني و الأدبي و الفكري. ويظلُّ محاولة مستديمة لإعادة فاعلية الأستواء اللفظي على الصورة التي تواضع عليها النص اللغوي، أو نظم اللغة، فكان ان تشكل التراث النقدي على هيمنة و سلطة بيانية مهيمنة لقرون على مختلف الانتاج الإبداعي العربي البلاغي و النتاجات الأخرى « الأجناس» الأدبية لما كان منها سائداً و مستمراً كالشعر و موازناته النقدية قديماً كالآمدي في موازنته بين المتنبئ و البحتري. و توغلت البلاغة « البيان» بعمق في اللغة العربية حتى عدت اعجازاً كلما بلغ النص أو التعبير مدى يقف عنده التفكير اللغوى موقفاً يتفاوت بين الحيرة و الأعجاب، و حيثما يزداد الأسلوب غموضا يقترب من البلاغة و إعجاز البيان. وبهذا تكون البلاغة أداة البيان في مسار الخطاب النقدي منذ ان اعتمدت كمقوم للخطابة و اللغة إجمالاً كما في المحاورات الفلسفية الاغريقية، و من ثّم استخدام النقد في العصور التي إزدادت فيها الحاجة إلى إثبات أحقية النصوص في التمسك المطلق للحقيقة.
و بما ان الممارسة البلاغية لا تعّد نقداً بالمعنى الاصطلاحي للنقد، فإن النصَّ في اللغة أي المنتج اللغوي يكون قابلاً للتأويل لمزيد من اختلاف اتجاهات الفكر الانساني و أبعاده الانسانية الاخرى. فالبلاغة في كشفها و إيضاحها مستخدمة أدواتها في التشبيه و المجاز و الاستعارة مضفيةً بعداً انسانياً مخاطبة الواقع الوجودي غير الناطق بإضافة التصورات اللغوية إلى موجودات تحيط بواقع الانساني غير اللغوي، الواقع المادي المجرد. بينما التأويل فيعمد إلى إعادة صياغة نص أو نصوص أخرى بتعريف السيميائي الايطالي امبرتو ايكو في حدود التأويل، بعكس ما درجت عليه الآراء و ليست الدراسات بنسبة التأويل إلى التغول على النصوص و تحميلها بأكثر مما تحتمل. فالتأويل هو إستعادة مستمرة لنسق الفكر مبنياً على التقابل اللغوي. فإذا كان التأويل هو علم التفسير الذي يتخلف بدوره عن التفسير أو الإيضاح بحسب التعريفات المعجمية القاصرة على إيضاح المفردة اصطلاحاً و تأثيلاً Etymology تقصياً لتطورها التأريخي. و هذا التطور التاريخي هو ما رحًّل التأويل من مجال تأويل النصوص الدينية hermeneutics إلى حقل الدراسات اللسانية و التطبيقية في مجالي الأدب و اللغة. فالحاجة للبيان و التأويل لمعالجة الظاهرة اللغوية توجد في كل اللغات المكتوبة فنحن أمام ظاهرة متحققة الوجود و ممارسة لغوية تستدعي أدواتها المستقلة عن مصادر النصوص بمعنى من المعاني فإن التأويل حاول تخطي حدود فعل النصوص و ما تحدثه من أثر في المتلقي. و من هنا يتاخم التأويل النقد أو يكون مكونا من مكوناته الجوهرية في معالجة النصوص مما يوسع من دائرة التناول النقدي. فتأويل النصوص الدينية، أو تحديدا تفسير النصوص و منها آي القرآن الكريم الذي وردت ضمن سوره مفردة التأويل في أكثر من سياق بمعاني متتابعة في الإشارة إلى تفسير القول و الرؤيا و الأحاديث أي الكلام و بيان القول. فها هو المفسر البارز أبن جرير الطبري في تفسيره الضخم يربط بين التأويل و البيان. و أمتد التأويل إلى غير المألوف من المراد كالتأويل الصوفي الذي نحى منحى باطنيا في تفسير الآيات القرآنية و المراد منها على غير ما هو معلوم و ظاهر بالقواعد التقليدية لعلم التفسير!
يتداخل كل من التأويل و البيان في سياق الفعل النقدي ضمن الخطاب اللغوي و ما تحمله دلالاته و رموزه المتمثلة في مخرجات النصّ وحدوده بيانه ربطاً بموضوعه. فإذا كان التأويل ذات بعد فومنولوجي ووجودي، فإن النقد هو النتيجة المنطقية لتحقق النصوص وجوداً فاعلاً في حيز الفكري الانساني، و بما ان النقد لم يعد حصراً على معالجة النصوص الأدبية و البلاغية، بل قراءة شاملة لظاهرة الفكر البشري و نتاجاته العقلانية. فمنذ ان انفصلت العلوم عن هيمنة التفسير اللاهوتي أصبحت مهمة النقد أكثر عقلانية تتجه نحو فهم و تفسير العقل بالنقد الذي يحتل حيزاً كبيراً في حقول متعددة أبرزها الفلسفة، فكان نقد العقل ميراثاً أزاح ما تراكم على العقل البشري من رؤى ميتافيزيقة أسرت الفكري الفلسفي لقرون. و هذا التطور في مسيرة النقد تلازم مع اتساع دائرة النصوص التي لم تعد نصوصاً في الأدب، بل تحوًّل الوجود إلى نصّ قابل للقراءة و التأويل في حزمة سردية Narratology لها جذورها في البيان المنطقي للغة، مما يسمح لها بان تكون لها قابلية النقد ليست كنصوص في المخيلة الجمالية و لكن نصوصاً تطبق عليها أدوات مستحدثة تأخذ بنتائح العلوم اللسانية و الانسانيات ذات الأبعاد التاريخية، و لم تعد اللغة موضوعاً محايداً أو داخل في اللغة فحسب داخل إطار فيلولوجي مستقلاً عن مؤثرات الاستخدام التداولي. و هكذا أخذت الحداثة بأهمية النظرية النقدية لما لها من تأصيل نقدي يمكن التوصل من خلاله إلى تبيان العلاقات الجدلية الناظمة لمفهوم النص اللغوي أو العوامل التي أسهمت في تكوينه، فنظريات التناص و الخطاب و دراسات الانثروبولجيا اللغوية وفلسفة العلوم الاتجاهات البينوية و السيمولوجيا التي ارتكزت على الميراث الفيلولوجي و النقدي أفضت مجتمعة إلى تأويل المعرفة الانسانية كقيمة وجودية.
و كما ان البلاغة « البيان» و النقد لم يقتصرا على استنطاق المفردات اللغوية في حيزها المنظومي التركيبي دون ان تستدعي صوراً ماثلة مستعارة بالمقابلة مع الحسّ الانساني في جعل الانماط البلاغية ناطقة تشبيهاً بما يحاول الانسان التوصل إليه حسيا، فجودة النصَّ اللغوي في الشعر مثلاً لا تبين غرابته و سحره إلا بالقدر الذي يقترب فيه من تكامل الصورة العقلية المتباعدة في الموقع السياقي و التركيبي. إذ فالمحاولات البلاغية ضرب من التأويل مبني على حدود الإمكانيات اللغوية لكل لغة، وليست البلاغة قصرا على لغة بذاتها فحيثما تتوافر نصوص شفاهية كانت أو مكتوبة تتحسن بلاغياً من جانب المنتجين لها أو المتلقين و الحاكمين على جودة سبكها « النقاد». و عند التحليل اللغوي يكون النص قد أخضع إلى أكثر من أداة تفسير بيانية وصفية تحول النصّ إلى قراءة واعية و مستجيبة إلى حدود الفهم الانساني في أقصى درجاته التأويلية.