حلايب مثلث «الموت» الذي يطارد المعدنين

الخرطوم : اسمهان فاروق
عندما تطل قضية «حلايب « برأسها فلك ان تقول بكل ثقة نعم هناك ثمة مشكلة، فالمثلث الذي يقع في اقصي الجزء الشمالي الشرقي للحدود السودانية مع مصر شكل احد الملفات الشائكة في العلاقة بين البلدين، حيث كانت «حلايب» في عام 1958منطقة نزاع ابان فترة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر حينما قام بأرسال تشكيلات من الجيش المصري لمثلث «حلايب» ورد عليه رئيس وزراء السودان آنذاك عبدالله خليل بابتعاث تعزيزات عسكرية سودانية وكادت ان تنشب الحرب بين البلدين لولا تراجع الرئيس عبد الناصر بإعطاء الاوامر للقوات المصرية بالانسحاب، لتنام الفتنة منذ ذلك الزمن، لتعود مرة أخري لاسيما في اوائل التسعينات من القرن الماضي عندما كانت الحكومتان السودانية والمصرية في قمة حالات الشد والجذب تتناصبان العداء.

صعود ونزول الملف
والمتابع لقضية حلايب يري ان ديناميكية الملف قد خمدت ووهنت ليتراجع ويصبح في مؤخرة القائمة لصالح عملية تطبيع العلاقة بين القاهرة والخرطوم خلال الفترة الاخيرة لحكم الرئيس السابق حسني مبارك، لكن فجأة ودون سابق انذار طفت «حلايب» الي السطح في اعقاب الثورة المصرية وعادت القضية للواجهة من خلال تسريع الحكومة المصرية لاجراءات التمصير في المدينة السودانية؟
وفي الخامس عشر من اغسطس الماضي، قال الرئيس عمر البشير ان السودان يتحلي بالصبر إزاء مصر رغم احتلالها لأراض سودانية، في إشارة إلي مثلث «حلايب -أبو رماد- شلاتين» الحدودي . ورغم نزاع الجارتين علي هذا المثلث الحدودي منذ استقلال السودان عام 1956، فإنه كان مفتوحا أمام حركة التجارة والأفراد من البلدين دون قيود حتي عام 1995، حين دخله الجيش المصري .
ولكن منذ ان ظهر سد النهضة علي السطح الذي تعارضه القاهرة خشية تأثيره علي حصتها من مياه نهر النيل، بدأت تمارس نوعا اخر من الضغوط علي السودان عبر وسائل الاعلام المصرية وضيق الخناق علي المواطنين السودانيين في منطقة حلايب.
انتهاكات مصرية
المواطن السوداني البسيط «سعد» ليس له ناقة و لا جمل في أي صراعات حدودية بين الخرطوم والقاهرة يسعي مثل الكثيرين من ابناء منطقة «العبابدة» لتوفير لقمة العيش لأسرته من خلال التعدين في المنطقة الحدودية، ولكن القوات المصرية مارست انتهاكات بطريقة وحشية ضد المواطنين والمعدنين بمثلث حلايب وقامت بدهس « سعد» الذي كان يسير في الطريق العام وتركته دون إسعاف حتي فارق الحياة، لم تتوقف وواصلت مطاردة مجموعة من المعدنين في منطقة أبو رقابلا الحدودية.
وأبلغ عدد من شهود العيان المركز السوداني للخدمات الصحفية ان القوات المصرية دمرت خلال مطاردتها معدات المعدنين وبراميل المياه وهو ما يعرضهم للموت عطشاً، وقالوا إن الظاهرة قد تكررت في الآونة الأخيرة لإجبار المعدنين السودانيين علي الرحيل من المنطقة.
فتنة حلايب
كل أزمة كانت تتفجر ما بين السودان ومصر بفعل تباين المصالح والسياسات، يتم إستدعاء قضية حلايب لكي تكون وقودها، وذلك تحت ستار قصف إعلامي متبادل، ودخول أطراف خارجية علي الخط للوقيعة والفتنة، ودق الأسافين والعبث بمستقبل العلاقات الأزلية بين الشعبين، وهو ما جعل عقلاء في السودان ومصر- خلال العقدين الأخيرين- يقترحون تحويل مثلث حلايب إلي منطقة تكامل اقتصادي بين البلدين.
وظل السودان يردد دوماً سعيه الجاد لجعل منطقة حلايب مجالاً للتكامل بين الشعبين المصري والسوداني، وألا تصبح مجالاً للقطيعة، بل تلعب المنطقة دوراً كبيراً في تعظيم المصالح المشتركة، باعتبار أن العلاقات الثنائية أكبر من حصرها في قضية بعينها.
. التعامل بالمثل
ويقول عدد من المراقبين إن محاولات تمصير تلك المنطقة لن تجعلها مصرية في يوم من الأيام، ودعوا الحكومة للتعامل بالمثل مع مصر، لاسيما وان المحادثات الثنائية السابقة باءت جميعها بالفشل.
يجب علي الحكومة السودانية ان تتعامل بالمثل مع الانتهاكات المصرية علي المواطنين السودانيين في حلايب باستخدام القانون الدولي هذا ما شدد عليه المحلل السياسي واستاذ العلوم السياسية البروفسيور حسن علي محمد الساعوري.
ة وقال الساعوري في حديثه مع «الصحافة» أمس « نحن مقصرون ،الحكومة والاعلام السوداني مقصر يجب ان لا نسمح باقتتال أو بيع معدات المعدنين فالمسألة اكبر «، واضاف ان ان مصر تضغط علي السودان بمثل هذه الافعال لذلك يجب التعامل معها بالمثل.
ويري الدبلوماسي والمحلل السياسي الرشيد ابو شامة ان المصريين ظلوا يمارسون الاعتداء والظلم علي السودانيين، وقال لـ»الصحافة» أمس ان كل المحادثات السابقة علي مختلف المستويات بين البلدين لم تؤتي أي ثمار ، واضاف قائلا « يبدو ان هنالك جهات اعلي لا تريد انفاذ الاتفاقيات التي تبرم بين البلدين لذلك كل الوعود والالتزامات السابقة لم يكن لها فائدة» ، ودعا الحكومة السودانية للجوء لوسيلة اخري بان تكون محادثاتها مع « الاستخبارات» حتي لا تتكرر الانتهاكات للمواطنين السودانيين.
المزيد من الانتهاكات
احداث القتل التي ظل يمارسها الجيش المصري علي السودانيين في حلايب ليست جديدة حيث طاردت قوة من الجيش المصري التاجر السوداني جامع علي هساي في شهر اكتوبر الماضي وألقت القبض عليه قبل أن تقتله رميا بالرصاص، حسب نائب دائرة حلايب في البرلمان السوداني أحمد عيسي عمر، وقال النائب البرلماني في تصريح صحفي إن الجيش المصري قتل أحد التجار السودانيين البارزين قرب مدينة شلاتين داخل مثلث حلايب المتنازع عليه بين البلدين. وسبق هذا الحادث احتجاج من قبل سكان حلايب علي قيام السلطات المصرية بتوزيع «15» وحدة سكنية علي أشخاص من خارج المنطقة معتبرين ذلك محاولة ممنهجة لتوطين مصريين في الأراضي السودانية وتغيير التركيبة السكانية لمثلث حلايب.
وقد تجدد النزاع بين مصر والسودان علي مثلث حلايب في الفترة الأخيرة، ويقول مسؤولون سودانيون إن مواطنيهم في تلك المنطقة يتعرضون لمضايقات واعتداءات واعتقالات من قبل القوات المصرية.
ضيق الخناق
حينما يحاول البرلمان تحريك الحكومة من اجل مواطني حلايب تقود القوات المصرية حملات لمزيد من القتل هذا ما قاله معتمد منطقة حلايب عثمان أحمد السمري في اغسطس الماضي، قال في تصريح صحفي قتل عاملين سودانيين وإصابة 19 آخرين إثر مطاردة السلطات المصرية لهم، وجاء ذلك بعد اتهام البرلمان السوداني السلطات المصرية بمضايقة السودانيين من حين لآخر تجاه منطقة المثلث. واضاف السمري أن مصر أجرت محاكمات في الغردقة وأصدرت أحكاما بالسجن والغرامة علي عدد من العاملين السودانيين في مجال المعادن ما دفع أكثر من أربعمائة منهم إلي الهروب من مثلث حلايب إلي مدينتي أوسيف وبورتسودان قبل شهرين. ولفت السمري إلي أن القوات المصرية تهدد المعدنين «المنقبين عن المعادن» في مناطق التعدين الواقعة شمالي البلاد مستخدمة القوة، موضحا أن بعض تلك القوات صادرت ممتلكات معدنين. وفي العاشر من مايو الماضي، قال مسؤول حكومي سوداني إن دورية تابعة للقوات المصرية أطلقت النيران علي مجموعة من المنقّبين عن الذهب داخل الحدود السودانية وأصابت أحدهم.
بيع عربات معدنين
لم تكتف القوات المصرية بالمطاردة والقتل للمعدنين السودانيين بل قامت ببيع عرباتهم بالمزاد العلني، قال معدنون إن السلطات المصرية، ممثلة في الجيش المصري، عرضت في مزاد علني، أكثر من 150 عربة تخصَّهم، مطالبين الحكومة بالتدخل العاجل، ووقف بيع سياراتهم. وكانت السلطات المصرية قد افرجت في أغسطس 2015 عن 37 معدناً سودانياً احتجزتهم لمدة خمسة أشهر بتهمة التسلل عبر الحدود، غير أنها احتجزت ممتلكاتهم المتمثلة في آليات وأجهزة تعدين عن الذهب، تقدر قيمتها بنحو 8 ملايين دولار. وظلت أملاك المعدنين واحدة من الملفات محل النقاش في اجتماعات لجان التشاور المشتركة، لكنها ظلت عالقة دون حسم.
وقال رئيس لجنة المعدنين سليمان مركز في تصريح صحفي ان الجيش المصري فتح أسواق دلالة تباع فيها عربات المعدنين بعد تفكيك قطع غيار بعضها، وهنالك عربات دخلت السودان بواسطة تجار سودانيين ومصريين، وتم بيعها لأصحابها بأسعار تجاوزت الـ100 الف جنيه سوداني. واضاف أن لجنة المعدنين أبلغت السلطات الرسمية بالحكومة السودانية ممثلة في وزارة الخارجية والسفارة بالقاهرة بالأمر، حيث نفت علمها بالتطورات.
خارطة طريق
و ذكرت وسائل إعلام سودانية أن الخرطوم بدأت تحركات لوضع خارطة طريق تهدف إلي «إنهاء الوجود المصري» في مثلث حلايب الحدودي مع مصر، وهو ما استنكرته نائبة مصرية واعتبرته «افتعالا للمشاكل». ونقل موقع «سودان تربيون» الإلكتروني عن رئيس اللجنة الفنية لترسيم الحدود بالسودان عبد الله الصادق قوله ، إن الخارجية دعت عدة أطراف في وزارات العدل والداخلية والخارجية ودار الثقافة القومية واللجنة الفنية لترسيم الحدود «بغية تجميع أعمال اللجان السابقة حول حلايب وتحديث مخرجاتها».
وقال الصادق للمركز السوداني للخدمات الصحفية إن الخارجية تسعي إلي تحريك وحسم ملف قضية مثلث حلايب، مضيفا أن اللجنة الفنية لترسيم الحدود عقدت اجتماعا تمهيديا لوضع خارطة طريق بشأن المنطقة وكيفية إخراج المصريين منها عبر الدبلوماسية.
ونوه إلي أن «السودان لديه وثائق تثبت بجلاء سودانية حلايب التي تبلغ مساحتها 22 ألف كيلومتر، أي ما يعادل مساحة «ولاية الجزيرة» في أواسط البلاد».