شمال دارفور.. البحث عن خارطة الطريق لمعالجة الأزمات الصحية .. اكتظاظ المستشفيات.. نقص الكوادر الطبية ومنشآت صحية لم تر النور

21-09-2016-09-56الفاشر: عبد الرحمن عبد السلام
قال والي ولاية شمال دارفور عبد الواحد يوسف إن ولايته ورثت بيئة صحية (طاردة للأطباء)، في وقت أقر بنقص الكوادر الطبية العاملة في الولاية واكتظاظ المستشفيات مع ضعف السعة السريرية لمستشفى الفاشر التعليمي نتيجة للتوسع الكبير في حجم السكان، بينما أشار وزير الصحة بشمال دارفور الدكتور محمد عوض الله بانقا بتأخر رواتب وحوافز العاملين في الحقل الصحي، ونوه لعجز الوزارة عن توفير الحد الأدنى للكادر في ظل التدفقات المالية الشحيحة.. كنا في فاشر السلطان برفقة لجنة الصحة بالمجلس الوطني نبحث عن قضايا وهموم ومشكلات الواقع الصحي الراهنة، في الولاية ذات الـ(18) محلية و(210) طبيب عمومي واختصاصي، وحوالي (3) مليون نسمة..

تشخيص الحالة
يجلس والي شمال دارفور، عبد الواحد يوسف الرجل صاحب الملامح الكردفانية وعن يمينه نخلتان شامختان تقفان قرب باحة واسعة قبالة بيت الضيافة أو المنزل الرئاسي..على بعد مرمى حجر من هذا المكان يقع قصر السلطان علي دينار كاسي الكعبة وآخر سلاطين الفور وأشهر السلاطين الذين حكموا إقليم دارفور، يخبرنا الوالي بأن زيارة البرلمان للولاية تمكن اللجان من الوقوف على الحقائق على أرض الواقع والتعرف عن قرب على المعلومات التفصيلية للقضايا المختلفة، ويقر بأن ثمة مشكلات تعاني منها الولاية بينها أن بعض المؤسسات الصحية بالولاية توشك على الانهيار ويصف أبعاد المعضلة بقوله: (الأمور ما % 100 ولكننا كويسين، ونسير نحو الأحسن)، في غضون ذلك يخبرنا وزير الصحة بالولاية الدكتور محمد عوض الله بانقا بأن سجلات وزارته تشير إلى وجود (160) طبيب عمومي و(50) اختصاصي فقط بولاية شمال دارفور على إثرها، تتمركز غالبيتهم العظمى بحاضرة الولاية (الفاشر)، ليرسم ملامح صورة الصحة في الولاية التي تقارب مساحتها (%12) من مساحة السودان وأكثر من (%50) من إجمالي مساحة إقليم دارفور، ولا يخفي بانقا عجز وزارته في توفير الحد الأدنى من الكادر العامل وبيئة العمل في ظل التدفقات المالية التي يصفها بأنها شحيحة، ويبين بأن العاملين بالحقل الصحي لم يتوقفوا عن ممارسة مهامهم رغم ذلك، بل استمروا بذات النشاط والهمة ولم يخلعوا اللابكوت الأبيض والسماعات الطبية، ويشخص الوزير الحالة بقوله: (العاملين شغالين بالطاقة القصوى وما قاعدين نديهم حاجة، وهناك تأخر في المرتبات والحوافز).
اعترافات الوالي
يضيف يوسف حقيقة مهمة؛ أن مستشفى الفاشر التعليمي الذي بدأ العمل في (0691) ـ ويمثل أضخم موقع لتلقي الخدمات الصحية بالولاية قد جرى تصميمه على أساس أن سكان المدينة لا يتعدى الـ(50) ألف نسمة، ويؤكد أن هذا العدد تضاعف بمعدل عشر مرات، بفعل النمو السكاني والمعسكرات التي يقطنها عشرات الآلاف من النازحين حول الفاشر، ويقدر الوالي جملة الأشخاص الذين يتلقون العلاج في المستشفى التعليمي بحوالي (750) ألف مواطن، مع قليل من التوسع ببعض المراكز الصحية. وأقر الوالي في اجتماعه بوفد لجنة الصحة بالبرلمان الذي تزعمه الدكتور محمد مساعد وعدد من أعضاء اللجنة بمحدودية عنابر الأطفال وضعف السعة السريرية، في وقت أشار فيه إلى أن ولايته لم تقف موقف المتفرج على الأزمة فقد بدأت في إجراء بعض المعالجات بغية تحسين البيئة داخل المستشفى البالغ عمره قرن من الزمان، ولكن يوسف يقطع اعترافا جديدا بأن الحال لا يمكن السيطرة عليه إلا بافتتاح المستشفى الجديد الذي توقف العمل به منذ قرابة الثمانية أعوام ومستشفى الأطفال لتقليل الوفيات ومحاربة سوء التغذية، وأبان أن حكومته تخطط لإكمال المستشفى الجديد بنهاية العام 2016م بينما تعهدت وزارة الصحة (الاتحادية) بتوفير الأجهزة والمعدات اللازمة للتشغيل.
بيئة طاردة للأطباء
وأعلن الوالي عن اتجاه لتحويل مقر السلطة الإقليمية لدارفور إلى مستشفى مرجعي لكافة إقليم دارفور، ولفت إلى أن البرامج الصحية ببعض المحليات لا تمضي بالصورة المطلوبة، وأن بعض المحليات ومنها (أم كداداة) تعاني من هجرة الكوادر الطبية وتعتمد على أطباء الامتياز نتيجة لعزوف الأطباء العموميين عن العمل، قال:( ورثنا بيئة طاردة للأطباء)، ولابد من توفير البيئة الملائمة وهذا أحد همومنا في المرحلة القادمة.
يتابع عبد الواحد حديثه عن مرارات الواقع الصحي في ولايته ويستعرض بُعداً آخر لمشكلة الكوادر وهي كيفية توطين فنيو المختبرات الطبية والكوادر المساعدة في ظل النقص الكبير الذي تواجهه الولاية في حجم الكوادر وتأهيلها كذلك، ولكنه يدافع بأن هذه ليست مشكلة شمال دارفور وحدها بل كل السودان، ويؤكد لنا بأن الولاية تعمل جاهدة على تحقيق الشعار الرئاسي (قابلة لكل قرية وحي)، من خلال تعيين جميع القابلات المتخرجات من أكاديمية العلوم الصحية بالولاية وكذلك المركز. وأكد الوالي بأن الاستخدام الجائر لمادة (الزئبق) بمناطق التعدين العشوائي بالولاية، كجبل عامر وجبال (طقر) الواقعة شمال الولاية خلفت آثارا بيئية سالبة، لافتا لجهود بالتنسيق مع وزارة المعادن أسفرت عن توجيهات صارمة لتطوير التعدين حفاظا على البيئة والصحة العامة.
مشروعات لم تر النور
وأجرت (الصحافة) جولة موسعة بالمرافق الصحية في حاضرة شمال دارفور بمعية وفد لجنة الصحة بالبرلمان، وشملت الزيارات المستشفيات القائمة وكذلك المرافق تحت التشييد.. ففي مستشفى الأطفال الجديد الذي يسع (200) سرير تسير عمليات الإنشاء بصورة جيدة، وأكد وزير الصحة بأن وزارة الصحة الاتحادية تكفلت بتوفير المعدات الطبية بكافة أنواعها، ويبين أن وزارة الرعاية الاجتماعية تولت عملية إنشاء المستشفى وتسليمه جاهزا بينما يتضمن دور الولاية تعيين الكادر العامل في إدارة المستشفى من أطباء واختصاصيين وفنيين لتقديم خدمة لطالبي العلاج من مواطني الولاية وغيرهم، ويشير وزير الصحة بالولاية عوض الله بانقا خلال زيارة مركز الزهراء الصحي بأن الوزارة تعتزم تنشيط الاختصاصيين الزائرين لتغطية بعض التخصصات، بينما أوضحت مديرة مركز الزهراء بأن التردد غير كبير وأن المركز يقدم خدمات الصحة الإنجابية وبرامج التحصين المستمر، وأن كافة هذه الخدمات الطبية مجانا، بينما يدفع المريض قيمة مادية نظير الدواء الذي يتلقاه، وطالبت بتوفير الإمداد الكهربائي للمركز بجانب توفير بعض أصناف الأدوية، وقالت: إن الأدوية المجانية التي تصل المركز لا تتعدى الـ(15) صنفا بينما أكد عضو وفد البرلمان د علي عوض الله بأن عدد الأصناف التي ينبغي توصيلها للولايات وتوزيعها مجانا يبلغ (42) صنفا، كاشفا عن عدم وصول (27) نوعا من الأدوية المجانية.
(6) أعوام تحت التشييد
تبدو قصة مستشفى الفاشر الجنوبي للتخصصات هي الأغرب من نوعها، والأقرب إلى الخيال، إذ أن الصرح الصحي الذي تعول الولاية على مساهمته في فك الاكتظاظ الذي يشهده المستشفى التعليمي يقف شبه مكتمل البنيان، ومجموعة كبيرة من العنابر تنتظر الأجهزة الطبية والأطباء والمرضى منذ ما يربو على الستة أعوام إلا أن الأمر المثير للجدل هو عدم دخول المستشفى دائرة الخدمة رغم الحاجة المتزايدة له، مع التوسع المتسارع والنمو الحضري لمدينة الفاشر خاصة من ناحية الجنوب، وشكوى حكومة الولاية من ضعف السعة السريرية للمستشفى التعليمي.. وتشير المعلومات إلى أن أمرا لم يتم الكشف عنه يقف عائقا حال دون التشغيل، ولكن وزير الصحة محمد عوض الله يعدنا بأن هذا المستشفى التخصصي سيقص شريط افتتاحه بنهاية العام الجاري ليساهم في تخفيف الضغط على المستشفى العام.
دعم الأكاديمية
ومن جهة أخرى يحدثنا مدير أكاديمية العلوم الصحية فرع شمال دارفور مستر محمد حسن عن صعوبة الحصول على كوادر صحية في المحليات والمناطق النائية، ويعزو قوله بهجرة الكوادر الطبية من المحليات إلى عواصم الولايات، ويؤكد أن الأكاديمية (فرع الفاشر) هي الاميز في البلاد، رغم ما تعانيه من ضيق مقرها وأشار لتطور الأكاديمية بجهود ذاتية، قبل أن يطالب بفك ضيق المكان الحالي وتوفير الدعم اللازم وقال إن المصدر المالي الوحيد للأكاديمية هو رسوم تسجيل الطلاب التي لا تتعدى (500) جنيها للفصل الدراسي ويتم صرفها لتسيير العمل وسداد فاتورة الكهرباء، جنبا إلى مستهلكات وأدوات التدريب، وشدد مستر محمد حسن على ضرورة تبني الأكاديمية مركزيا ودعمها. لجهة أن الولاية كانت تنفق ملايين الجنيهات لتدريب الأطباء في الخرطوم والآن أصبحت الأكاديمية تقوم بهذا الدور وتوفر تلك المبالغ، وأشار إلى أن وزارة المالية بالولاية كانت تقدم مبلغ (5) آلاف جنيه كدعم نقدي شهري للأكاديمية إلا أن الأمر توقف لأسباب مجهولة.
تفاؤل لجنة الصحة بالبرلمان
رغم ما تعيشه الولاية من قضايا معقدة في قطاعها الصحي إلا أن رئيس وفد البرلمان د. محمد مساعد يبدو متفائلا، بل تتمدد طموحاته في أن تصبح (الفاشر) عاصمة طبية للبلاد بفضل ما تنعم به من منشآت صحية عملاقة ستدخل الخدمة عما قريب، ويدافع المحاضر بجامعة السودان وعضو لجنة الصحة بالمجلس الوطني عن رؤاه قائلا: (ما رأيناه من عمل مقدر، ونحن نبحث عن الثغرات لسدها)، وتعهد بأن لجنة الصحة بالبرلمان ستبذل قصارى جهدها من أجل دعم الواقع الصحي في الولاية واصطلاحه والسعي لإكمال المنشآت الصحية الجديدة وإصحاح بيئة العمل مع تحسين شروط خدمة الكوادر الطبية في شمال دارفور، ويضيف (نريد من أكاديمية العلوم الصحية بالفاشر أن تكون نموذجا تستفيد منه الولايات والدول المجاورة، ونريد أن تكون الفاشر عاصمة طبية، وسنقوم بدور حلقة الوصل بين المركز والولاية). ولا ينسى مساعد أن يذكر بأن اقتصاد البلاد لا ينميه الإنسان المريض، وقال: إن العبء الأكبر يقع على كاهل وزارات الصحة الولائية التي طالب بدعمها جنبا لأكاديمية العلوم الصحية بالفاشر.