موازنة 2018 ما بعد رفع الحصار ( 3 ـ 4)الاقتصاد الزراعي هل ينهض بالبلاد ؟

الخرطوم:اعتدال احمد الهادى

يصنف السودان عالمياً بأنه بلد زراعي ، نسبة لوقوعه في منطقة السافنا حيث تتوفر الأمطار والأنهار والأراضي الزراعية الخصبة ، لذا تطلق منظمة الأغذية والزراعة العالمية (الفاو) على السودان ، أسم (سلة غذاء العالم) …أي أن قوام اقتصاد السودان هو الزراعة أولاً ، مثله ككثير من الدول الأوروبية والآسيوية ، حيث تتنوع المحاصيل بتعاقب فصول السنة. وهي محاصيل صادر مثل القطن ، السمسم ، الذرة ، عباد الشمس ، الصمغ العربي ،فضلاً عن المحاصيل البستانية.

و مما لا شك فيه ان اقتصاد البلاد قد عانى من ازمة ظلت متلازمة وفي تزايد منذ الانفصال في العام 2011م اضافة الى العقوبات المفروضة لاكثر من عقدين من الزمان ، ورغم تعدد الموارد الحقيقية والطبيعية التي تفضله عن غيره من الدول ، الا ان ضعف الصادر وعجز الميزان التجاري تسبب تدني سعر الصرف وعجز الموازنة العامة للدولة ورفع معدل الواردات. ويرى الخبراء أن إزالة تلك التشوهات التي تحولت الى معضلة امام الاقتصاد القومي يتوجب على الدولة استصحاب ايجابيات موازنة العام الماضي ، وتضمينها في الموازنة القادمة ، وذلك بإيجاد موارد حقيقية من كافة القطاعات ظلت تعاني من جراء الحظر والالتزام بالسياسات التي تسهم في خفض الميزان التجاري وتحسين سعر الصرف الذي هو الاخر اصبح يشكل هاجسا يؤرق المضاجع وما لا يدع مجالا للشك ان رفع معدلات الايرادات من الناتج القومي يتطلب زيادة الانتاج والانتاجية وعليه ينبغي على الحكومة الاهتمام بتمويل الاولويات وفقا للسياسات العامة للموازنة القادمة ومراجعة السياسة النقدية والمالية وتنزيل سياسات لزيادة الصادرات وترشيد الطلب على النقد الاجنبي واهم من ذلك تجنب الآثار السلبية لتطورات الاقتصاد السوداني ، والتركز على خلق بيئة مواتية للاستثمار وتحقيق الاستقرار الاقتصادي وذلك تحقيقا للتنمية العادلة بكافة القطاعات التي اصابها عيار التشوه ما نتج عنه شلل في حركة انتاجها ويتوقع ان تشهد تلك القطاعات تحسنا في ظل التأثيرات الإيجابية لقرار رفع العقوبات الأمريكية عن البلاد وهو ما سيؤدي إلى دفع عجلة التنمية الاقتصادية المرتقبة ، الأمر الذي يؤدي إلى نمو ملحوظ في زيادة الانتاج والانتاجية والتحسن النسبي للأوضاع الاقتصادية في البلاد .
ان إيرادات موازنة العام 2017م بلغت 77.7 مليار جنيه، اي ما يعادل (11.6 مليار دولار) بينما بلغت المصروفات 96.2 مليار جنيه، نحو (14.3 مليار دولار). و ارتفعت نسبة العجز في موازنة الى 19.5 مليار جنيه سوداني (2.8 مليار دولار) أي ما يعادل نحو 2 % من الناتج الإجمالي المحلي وهنالك مؤشرات لموازنة العام 2017 في البلاد إلى إبقاء معدل التضخم في حدود 17%، وتحقيق معدل نمو يتراوح ما بين 5 إلى 5.2% وبقراءة تلك الارقام مقارنة بالعام الماضي 2016م ووفقا لما ورد بتقرير الموازنة فإن معدل النمو للناتج المحلي الاجمالي بلغ 6.4% ومعدل عرض النقود 19.5%، فيما بلغ التضخم المستهدف 13% مع انخفاض عجز الميزان التجاري إلى 3.6 مليار دولار، بواردات 6.7 مليار دولار وصادرات 3.1 مليار دولار. اما الايرادات الكلية للموازنة تقدر بـ67.5 مليار جنيه، تمثل الضرائب فيها 48 مليار جنيه بينما قيمة الايرادات الاخرى حوالي 17 مليار جنيه في المقابل وتقدر جملة المصروفات بـ 66.9 مليار جنيه، قدرت فيها مصروفات الكهرباء والخبز 9.2 مليار جنيه، ومن المتوقع ان يبلغ معدل التضخم حوالي 19 % من حوالي 20% على الترتيب في العام 2017ـ 2018 نسبة للارتفاع المتوقع في أسعار النفط العالمية والضغوط التي قد يتعرض لها سعر صرف العملة المحلية في ظل تراجع الموارد من النقد الأجنبي والرفع التدريجي للدعم عن المحروقات والكهرباء والقمح .
ان موازنة العام 2017م وضعت مبلغ 1.9 مليار كمصروفات للقطاع الاقتصادي، و5.5 مليون جنيه لقطاع الثقافة والإعلام، وبمقابل مادي قدر بحوالي 5.3 مليون لقطاع الصحة، وأكثر من 828 مليون لقطاعي التعليم بشقيه العام والعالي، بجانب أكثر من 2 مليار مصروفات للقطاع الإداري والاجتماعي الذي يشمل الرعاية الاجتماعية، البيئة، الموارد البشرية، العمل، والأوقاف.
في حين بلغت مصروفات وزارة الزراعة والغابات والبحوث الزراعية بالميزانية العامة للدولة نحو مليار و 447 مليون جنيه سوداني.
وقد بلغت مصروفات قطاع النقل والطرق والجسور بالموازنة، نحو 1.7 مليار جنيه سوداني، و1.7 مليار جنيه سوداني لقطاع المعادن.
وقدرت مؤشرات سداد الالتزامات الخارجية بحوالي 724 مليون دولار منها 505 مليون دولار أصل القروض وحوالي 219 مليون دولار تكلفة تمويل المؤسسات التمويلية التي أهمها الصناديق العربية والبنك الإسلامي للتنمية.
وفي بيان له امام البرلمان ،قال ر ئيس لجنة قطاع التنمية الإقتصادية ، إن الأداء الإقتصادي للقطاع المالي سعي للمحافظة علي معدل النمو في الإقتصاد الوطني علي المعدلات المحققة في العام الماضي والتي بلغت حينها «9,4%» في ظل إنخفاض معدلات النمو في الإقتصاد العالمي والإقليمي، وبلغ متوسط معدل التضخم، «15,7»، فيما بلغ العجز في الميزان التجاري «4,2» مليار دولار، وتوقع التقرير أن يصل الفائض في الميزان الكلي للمدفوعات 6،373 مليون دولار، وانخفضت قيمة الصادرات بمبلغ، 9،2 مليار دولار للعام 2016م، مقابل، 2،3 مليار دولار للعام 2015م، وكذلك انخفاض قيمة الواردات بمبلغ 1،7 مليار دولار، مقابل 5،9 مليار دولار للعام السابق .
وبحسب ما جاء في مؤشرات تقرير موازنة 2017م فإن الموازنة استهدفت توفير موارد لاستكمال المشروعات الإنتاجية الزراعية وتخصيص مبالغ لكهربة عدد من المناطق في المركز والولايات وقيام طرق وإنشاء عدد من الجسور في الولايات ورغم ان هذا يدلل على حرص الحكومة على أهمية قسمة الموارد الا انه يظل حلقة في ظل المتطلبات والمستجات المستحدثة وما زال امامها الكثير الذي يستوجب عليها انفاذه من تقسيم الموارد للولايات و توزيع مشروعات التنمية بين أنحاء البلاد المختلفة بعدالة وإعطاء الأولوية لدعم مشروعات التنمية ودعم البرامج المتكاملة في مجالات الاقتصاد كافة من زراعة وصناعة وغيرها فضلا عن توفير الحماية والضمان الاجتماعي من أجل معالجة الفقر.
من موازانة العام 2017م نالت قطاعات الدفاع والامن بما فيها الدعم السريع والجمارك، حوالي مبلغ 29مليار و 122 مليون جنيه سوداني كأكبر بند من موازنة ، بينما بلغت المؤشرات بسداد الالتزامات الخارجية بالموازنة لنفس العام حوالي 724 مليون دولار أمريكي ، ما يدل ذلك على مدى اهتمام الحكومة بتلك القطاعات والتغافل او تجاهل عن قطاع الخدمات في حين بلغت مصروفات القطاع السيادي الذي يضم وزارة رئاسة الجمهورية، مجلس الوزراء، الهيئة التشريعية بمجلسيها الولايات والوطني بالسودان، ووزارات الاستثمار، العدل، ووزارة الخارجية والمؤسسات التابعة لهم، بحوالي 5 مليارات و37 مليون جنيه سوداني
أن الملامح الرئيسة لموازنة الدولة تركز على إستدامة الاستقرار الاقتصادي وإعتماد فرص توظيف لخفض معدلات البطالة وتحسين دخل الفرد ورفع مستوى المعيشة ،والعناية بالشرائح الضعيفة بتوفير أدوات إنتاج بإسناد مباشر من الموازنة أو عبر التمويل الأصغر
وحتى يتحقق شعار الموازنة في زيادة الإنتاج والإنتاجية إتساقا مع أهداف وموجهات البرنامج الخماسي يرى خبراء الاقتصاد ان على الحكومة ان تهتم بتوفير الموارد للتنمية المتوازنة بالتركيز على الميزة النسبية لكل ولاية وتكامل الجهود مع القطاع الخاص وتحقيق العدالة فى توزيع الموارد ،وتوجيهها نحو القطاعات الإنتاجية والبنى التحتية و أن تستهدف موازنة العام 2018 زيادة حجم النمو فى الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بالعام الجاري وخفض متوسط معدل التضخم ومحاصرة عجز الموازنة فى الحدود الآمنة وخفض الإنفاق الحكومي وترشيد الطلب على النقد الأجنبي وخفض فاتورة الإستيراد وإستمرار شراء الذهب عبر البنك المركزي ،والإهتمام بعلاقات السودان الخارجية مع مؤسسات التمويل الدولية ومواصلة السعي المشترك مع حكومة جنوب السودان لمعالجة ديون السودان الخارجية.
ويرى بعض الخبراء ان ملامح الموازنة العامة للدولة لم تتعد مرحلة التقديرات ،التي قد تصيب أو تخطيء ،وان إستدامة الإستقرار الإقتصادي رهين بإنفاذ برامج وخطط محددة ،مثل تعزيز القطاعات المنتجة ،خاصة القطاع الصناعي والزراعي بشقيه ،وتحقيق معدل نمو الناتج المحلي بنسبة يلزمه دعم قطاع الزراعة بشكل أساسي ورفع الإنتاجية أولا ،لضمان تدفق المزيد من العملة الصعبة التي تحقق فوائد مزدوجة تتمثل في تحقيق إتزان الجهاز المصرفي ،وتوفير مبالغ كافية لمقابلة حجم الواردات ، وقطعوا بأن التحدي الأساسي يتمثل في خفض الإنفاق الحكومي وتوجيه الدعم نحو قطاع التنمية الإقتصادية بمفهومه الواسع الذي يشمل المشاريع الإنتاجية وصغار المنتجين ،علاوة علي تعزيز ميزانية الخدمات ومنها الصحة والتعليم ،وشددوا علي أهمية تقليل الرسوم التجارية .
واعتبروا أن المحك الفعلي للموازنة يتمثل في النجاح في إنزالها علي الأرض واجمع الخبراء على ضرورة الإهتمام اكثر بالقطاعين الزراعي والصناعي بإعتبار ان البلاد تمتلك مقومات نجاح هذين القطاعين خصوصا الزراعة
يذكر ان من أهم السياسات التي أحدثت تحولا في مسار الاقتصاد بالبلاد هي سياسة التحرير الإقتصادي (تحرير الأسعار) وإستخصاص مؤسسات القطاع العام بجانب سياسات النقد الأجنبي (سعر الصرف المدار، المرن أو المعوم، المرن المدار) وسياسة إنتاج وتصدير الذهب كبديل للبترول بعد الإنفصال ومن أهم التجارب تجربة الحكم الإتحادي (الحكم اللامركزي).