دلالات الخطــــاب الــــروائــــي

ناصر السيد النور*

إنَّ معالجة الخطاب السردي للرواية تقوم على بنية التشكُل السردي كوحدة متكاملة أنبنى عليها التصَّور الكلي لخطاب الرواية وتطورها التأريخي ضمن سياق أحداثها المؤسسة لاتجاهاتها الفنية المختلفة ومقاربة البنية السردية لا تعتمد على المنهج البنيوي كأداة لتحليل البنى المكوّنة للبناء السردي نفسه، وتستعيض بالخطاب السردي ونظرياته النقدية وإسهاماته التحليلية وفق ما تتيحه أدواته المعرفية والنقدية من ممارسة نقدية واعيِّة بمنظومة الخطاب السردي متمثلة في الخطاب الروائي. ومتى ما كان النصُّ الروائيُ نصا تكتنفه تجربة إنسانية تنقل واقعاً معالجاً سرديا، فإن مواجهة مثل هذا الخطاب لا تتُّم إلا بوجود استعدادٍ كافٍ لامتصاص المعاني الغائرة التي يكون النصُّ قد توصل إليها اعتماداً على معالجته السردية. فدراسة النصوص لم تعّد تلك الاجراءات المتزامنة مع محدودية النص؛ وقد يكوِّن النص الروائي حيزاً محدود المساحة «فضاء النص» إلا أن المعاني التي يفجرها في بنية الخطاب السردي تتطلب؛ بل قد تشترط مقاربات مفاهيمية ومعرفية لوضع النص في سياق منهج الدراسة وما تتبناه من صيغ أداتية، أي مدى قابليته للتطبيق واحتمال استيعابه لمستجدات البحث النقدي الحديث.
إنَّ محددات النص الروائي، تحدها المعايير الثقافية التي تجعل منها مواضيع ذات سطوة على نصوص يفترض أن تؤدي المعنى المراد محاكاته لنصِ معطي واقعاً، الأمر الذي حاولت البنيوية تجاوزه مكتفية بالبنية المغلقة للنص. وخلافاً لتقنية أسلوبية لإنتاج نص لا يعيد تمثل صورة تحاكي الواقع ولكن اتساعا لمسارات متعددة تحتمل فيما تحتمل كل ما يمكن تطبيقه بأن يحمل مكوناً نصيا قابلا للتطبيق. إذ يتعامل النص الروائي مع الحراك البشري في تجمعاته الحيوية في حدود جغرافية تؤطرها مفاهيم تأخذ صوراً متباينة لتتخذ حيزاً في أدبيات السياسة والاسقاطات الاجتماعية متحدرة من صور نمطية على خلفية الصور واشكالاتها القائمة في تصور الآخر.
الخطاب الروائي يمثل استعادة مستمرة لقراءة الخطاب السردي في الرواية كجنس أدبي بتمثل آليات السرد التي تأخذ دلالات الخطاب السردي بها في معالجتها للمفاهيم التي تمثل جزءاً من بنية الخطاب كمفهوم بالدرجة الأولى في سرد روائي محكوماً بجغرافيا سردية أو المكان وفضائه السردي في بعده النقدي الشائع. وإن يكن هذا الرَّبط بين المكان والنصَّ ليس بالضرورة قياسه على حدٍ جغرافي معياري ثابت يسلب النص المعاني والأبعاد التي تمثلها روح النص. وإلا كان تحليل النصُّ المنتج تطبيقاً منهجياً لدراسة نصّ تاريخي آخر في سياق انثروبولجي محض وليس نصاً إبداعياً يبرِّر منطقه ويدعم موقفه النقدي باتجاه النص المعُالج. ومن ثَّم على الدراسة أن تستنتج مقارباتها في تحليل البنية السردية للرواية على نحو ما تعيِّن المحاور التالية كمداخل أولى للنص، محاور عامة ومن ثَّم تتفرع عنها الخطوط التفصيلية تشمل وليس حصراً :
– القراءة والتحليل السردي/ البينة السردية.
– السياقات الثقافية في النص الروائي.
– اللغة الروائية والشخصية.
– الزمن.
– المكان.
– الهوية.
– موقع الرواية في العالم.
ويلاحظ أن هذه المحاور من جملة مكونات النص الروائي قابلة للمقاربة في نظرية السرد لرَّد النص الى عناصره الأولية التي تشكل منها الخطاب الروائي، ولكن لا تمثل بحال إحالات ذات مرجعية قصوى في الإحاطة بالنص الروائي على المستوى النقدي. فهي مما تستدعيه الكتابة في مقابل تفسيرها المتزامن Chronically مع النص الروائي. بالإضافة إلى التحليل السردي التقليدي لعناصر مكونات النصّ الروائي، كاللغة والشخصية والمرتكزات الأخرى التي يتشكل منها النص الروائي، وبالتالي تمنحه هويته السردية وتميَّزه عن غيره من النصوص. وهو النظام الإدراكي – إن جاز الاستخدام- للسرد الذي يحلِّل البيانات السردية.
ولما كانت الرواية بوصفها نصاً سردياً له خاصيته في طبيعة إنتاجه، وتجربة الروائي التي تستمد تفاصليها من واقع خبرته المتراكمة، يشكل علامة في مفهوم الرواية التي صاغت عالمها من واقع لم يكن ضمن اهتمامات السرد الروائي. كل هذا يجعل من تناول الظاهرة السردية في الرواية في أبعادها الثقافية والسياسية أمراً لا مفر منه للناقد للكشف والوقوف على الأحداث التي تأسست عليها بنية الرواية، ودواعيها المتصارعة في الخطاب السردي الروائي على وجه التحديد. ذلك الخطاب الذي تتجاذبه خطابات ما قبل وبعد الرواية وموقعها في عالم السرد في تجربة إنسانية لم يزل صراعها محتدماً مع مفاهيمها وأزمتها الأخلاقية.
ونقصد بالخطاب السردي للرواية ما تنظم به الدلالة في النص السردي، ويكسب السرد معقوليته التي توفر له قابلية المتابعة والفهم والاطراد. ولا تكون الصيرورة السردية واردة إلا بتضمينها التحول باعتباره خاصية مميزة لكل ملفوظ جدير بالإنتماء إلى الحقل السردي. وبالتالي لابد من استحضاره حين الحديث عن الصيرورة السردية، وما تكسب قوامها من شروط ومكونات من قبل النواة. وبهذا الشكل المكونات السردية مُتنزعة من العالم المحيط وداخل النصّ الروائي متضمنة روح السرد في صيغته الروائية النصية. إن مجموع العمليات التي تجري على المكونات السردية تتفاعل كيمياؤها مع هذه المكونات فهي ليست ملتبسة بحالة سردية وبالتالي يكون ظهورها قابلاً للانفصال في ذهن المتلقي كصور أو علامات متباعدة في دلالاتها النصية. فالراوي عبر هجرته يتخذ ما يكشف ظروف الهجرة وعلاقاتها المتشابكة مع الدلالات السردية للنص الروائي والموجهات التي تمليها ضرورة السرد لخلق رؤية شاملة ترقى إلى التطابق بين بينة السرد والخطاب الروائي، فكلما انتقلت الحكاية من طور لآخر تزامنت الصيغة السردية وتماثلت مع السرد الروائي. وبهذه العلاقة الجدلية بين السرد ومجريات الحدث الروائي يتأسس الإطار السردي بفكرة قبلية داخل النص يمكن رؤيتها واستبصارها من سياق الأحداث ، إن طائفة من الأحداث في النص الروائي تطلبت فعلاً سردياً يعمل على إحالتها إلى بنية روائية يقوم عليها السرد. يري باختين أن من السمات الأساسية للكاتب الروائي، التحدث عن الآخرين من خلال لغته الخاصة به. ومن ثم فإن الروائي يلجأ إلى عدة وسائل لتكسير لغته وحًرْفها حتى لا تبدو مباشرة أو أحادية. ومن ثم فإن التعدد اللغوي والشكلي يحقق انكسار نوايا الكاتب، كما يضمن ثنائية الصوت للنص الروائيii.
لا ينطلق النصّ الروائي في إطلاقتيه السردية مفككا عن بنيته الروائية، وتنزع طبقات السرد الى تكوِّين نصين يختلفان في المبنى ويشتركان في المعنى من حيث الحدود التي يصلها السرد مجرداً من حوامله الهيكلية، وهي البنيَّة التقليدية في بناء النصَّ الروائي من والأحداث والشخوص الروائية . . الخ بالحد الذي يتكيف مع أصول النصوص اللغوية قبل أن تتجسد بفعل القوى السردية ومركباتها الوصفية المباشرة في نقل الواقعة السردية روائيا لتفعيل النص السردي وفق محدداته الروائية. وإذا كانت البنية السردية تندرج ضمن المكونات التأسيسية للنص الروائي، فإن السياق الروائي حيث تجرى الأحداث مكونة مصدرا يستطرد السرد الفعل الروائي بمقتضى اللغة المفسرة والمعبرة عن التكوين السردي.
بداية الخطاب دلالات الخطاب الروائي تحيل على النصّ السردي بما تدّل عليه صيغته التي تتحلّل من مكون واحد تشكلت مادته التكوينية فيها ومنها، وبالوعي القصدي تكون البداية المنطق الذي يرسم الحدود ويرسي القواعد التي تحكم كامل النص الروائي، بما لا يتعدي المفهوم الذي نهض عليه النص الروائي بتكثيف المعاني المترابطة مفهوماً ونصاً. ولا تنفصل هنا البداية عن مجمل البناء الروائي، إذ تمتد البداية إلى نهاية الحكاية السردية مشكلة بانتظام علامات ودلالات متصلة في سياق تطور الأحداث. ولما كانت بداية النص الروائي تقع في دائرة زمنية، أو هي بداية نقطة انطلاق الزمن في بعده الواقعي لديها تاريخ – وحدة زمانية – إلا أنها في الرواية تتصدى للزمن الواقعي وتقرأ كنصٍ لا ينفصل عن أجزائه في الخطاب السردي. وتدخل البداية عادة على ضوء الدراسات النقدية السردية في نزاع معجمي بين التعريف الاصطلاحي والمفهوم السردي، وقد قاربت العديد من التعريفات النقدية للبداية كدلاله أولية لأحداث النص وما يُعاد فيه من أحداث يكون وقعها تأويلاً للبداية.
ومن ثَمَّ أتسع حقل علم السرد Narratology في القرن العشرين متخذاً من تعدد العلوم الإنسانية والمناهج النقدية الحديثة أدوات للتعامل ومعالجة النصوص الفكرية والأدبية. ومع أن الرواية تعدّ واحدة من نتاجات الفكر البشري التي تعتمد في بنيتها النصية على النصوص المقروءة مخاطبة قارئاً ما عبر شخوص وأحداث فقد غشيها التغيير أو التطور بالنظر إلى الموضوعات والأنماط الاسلوبية ومعالجاتها السردية، فقد عبرت خلال مراحل متصاعدة في الرواية الكلاسيكية إلى الرومانسية والواقعية إلى الرواية الجديدة Nouevu Roman ولم تخل مقارباتها النصية في نظريات تاريخ الآداب وفق منهج تطور النصوص. وعلى مدى هذا التصاعد التأريخي تمكن الخطاب الروائي من إنجاز مهامه السردية من تمثل وتجسيد وادماج كافة الأجناس الأخرى ضمن حيزها النصيّ ومنطوقها السردي. ويتجلى ذلك في رواية القرن العشرين وما عبرت به رواية ما بعد الحداثة عن سرد الوعي الذاتي الروائيSelf-conscious Narrative . وتبقى الإشكالية التي أثارتها أسئلة النقد السردي في الفصل بين العناصر السردية التخييلية وغير التخيلية، وهي أفعال الكلام، والخطاب وتحليل الخطاب والعلوم الادراكية بأنها توصف الإفعال وتعبر عنها أكثر من الموضوعات، إذ أن الخطاب الروائي خطاب يعتمد الآنية في تسلسل الأحداث بالعمل على خصائص تتعلق بالشخصية وزمن السرد الذي تستغرقه الأحداث، وما تمثله من بنية فوقية ترتبط بالإشارة الدلالية المرجعية. إذ انَّ الأحداث التأريخية عوملت كظاهرة « نصية» بينما الأعمال الأدبية اعتبرت أحداثا مادية. وكأن كتابة التاريخ شكلاً من السرد محكوماً بتعصب السارد وتصوراته المسبقة وهو نفسه نوع من الخطابة أو الخيالiii.
يقع كل من السرد والنص الروائي ضمن منظومة الخطاب منذ أن أصبح تداول الخطاب Discourse أو Discours باللسان الفرنسي من حيث الجذر اللغوي، مفهوماً واستخداماً واسعاً في حقل الدراسات الأدبية واللغوية والفكرية والسياسية منذ أن أشاع استخدامه الفيلسوف الفرنسي مشيل فوكو «1926-1984» الذي يرى أنه من الواضح أن وصف الخطاب هو تضاد للفكر التاريخيiv. بهذه الشمولية والنهج التحليلي الذي يقارب الخطاب كافة العناصر التي يشملها السرد بالمفهوم الذي انتهى إليه في صيغة تحليل الخطاب، ذلك المنهج الذي هو الآخر وجد شيوعاً في مرحلة سيطرة الفكر البنيوي والإمساك بكافة النتاجات الأدبية والفكرية حتى أضحى شرح وتعريف الخطاب خاضعاً إلى تعريفات متفرقة ومفهوماً بالضرورة في التعاطي مع النصوص السردية كنصوص سردية، وأصبح الخطاب معطًى ووصفة جاهزة يلحق بها أي فعل من شأنه أن يخضع للتحليل. فهناك الخطاب السياسي، الاجتماعي، والديني . . . إلخ. أي أن الخطاب أصبح المفهوم المعرفي السائد كأداة للحديث عن أي عنصر وعلامة في المجال المعرفي الإنساني. فالموضوعات التي من شأنها التعبير بالكلام الشفهي أو الكتابي تندرج تحت مفهوم الخطاب، فاللغة أوسع المجالات التي تستخدم الخطاب، وكذلك نظامها الداخلي هو بالأساس خطاب لغوي طالما احتوى على عناصر التوصيل والحوار والرموز في تداخل بالعلاقات الاجتماعية وما تشترطه من وسائط لغوية – أي الخطاب الاجتماعي – ويكون الخطاب هو وسيلة لاختزال اللغة ضمن أبعادها الاجتماعية ومفسراً لرموزها.
الخطاب السردي بما يمثله من مجال واسع كخطاب لديه منظومات وعلامات لغوية تفسر علاقاته بين النص والمتلقي، يكون الخطاب الروائي داخل وخارج الخطاب المتشكل في السياق السردي العام، وذلك لأن عناصره الحوارية ولغته، وأداته التوصيلية في النص الروائي التي تسود في تفاعلاته المعقدة تجعل منه خطاباً مستقلاً وفق نسقه الخاص به. إذ يكوّن الخطاب الروائي رؤيته ويوجه مكوناته السردية نحو اتجاه تفعيل الصور اللغوية وتأويل الأحداث وبناء شخصيات روائية ناطقة بجوهر رسالة الخطاب.
إنّ نطاق السرد في الرواية يكون بطلها الراوي Protagonist-narrator وعليه يوقع عبء السيطرة على الأحداث والشخصيات الروائية. وتكوّن بما يعرف بآلية الخطاب السردي واستراتيجته في إجلاء الصور السردية في حدود ما يتداخل بين زمن الروائي والتشكل السردي المتطور الذي ينشأ من سياق الأحداث. أي المسار والتطور الدرامي لأحداث في البناء الروائي، وحيث تمكّن الراوي من القيام بمهمتين تمثلان البنية المشكلة للنص الروائي وإدارة الحوار في حركة السرد بين الأحداث والشخصيات، وهما السيطرة على السرد، وإيضاح الشخصيات من حيث دورها في النص الروائي. هذا الجدل المستمر في النص الروائي يرتب الأحداث وفق سياق تحكمه رؤية الروائي على ما يكون عليها العمل المتخيل والمصاغ بأدوات سردية تلزم الروائي عادة التقيد بنهجها، الأمر الذي تشكله الخبرة الذاتية والمعرفة بالمفاهيم التي تقف من وراء هذه الأدوات. وعلى الروائي استدعاء هذا المخزون المعرفي في الإحاطة بحدود السرد، والحدود المعرِّفة لماهية السرد، في الحدود السردية، أي التعريفات حسب إشارة مفردة في ترادفها المعجمي. فذروة التعقيد في السرد الروائي «الحبكة الروائية» هي تصاعد الصراع في الحدث الروائي في شكل البنية الهيكلية للرواية بمفهومها التقليدي لا يقتصد العلمية السردية في الرواية وفق رغبة الروائي، وأحيانا كما يلاحظ في الرواية تفرض المتغيرات في الزمن والمكان والأحداث التي لا يتجاوزها الروائي، بل يكون عليه تفعيلها لتأخذ دلالاتها في السرد وصيرورته Process في وقع الترتيب السردي للخطاب الروائي.

* مترجم وباحث سوداني.
i د. عبد الرحيم جيران، في النظرية السردية، رواية الحي اللاتيني، مقاربة جديدة، افريقيا الشرق2006 ، ص 41.
ii مخيائل باختين، الخطاب الروائي، ترجمة د. محمد برادة رؤيا للنشر والتوزيع 2009، ص 53.
iii Terry Eagleton, Literary Theory- The University of Minnesota Press, Second Edition 2003, P. 197.
iv Michel Foucault, the Archeology of Knowledge & the Discourse of Language-Translated from the French by A. M. Sheridan Smith- Pantheon Books New York, 1972-P. 27.