للمرة الثانية «البشير» في «كمبالا».. خطوات نحو التطبيع

الخرطوم: اسمهان فاروق

يتوجه رئيس الجمهورية المشير عمر البشير اليوم «الاثنين» رفقة وفد رفيع المستوى للعاصمة اليوغندية كمبالا في زيارة لمدة يومين بدعوة من رصيفه اليوغندي يوري موسفيني ،فى زيارة تعد الثانية له، وردا على الزيارة الاخيرة التي قام بها الرئيس موسفيني للخرطوم في اكتوبر الماضي لحضور فعاليات مؤتمر الحوار الوطني.
والمتحدث باسم وزارة الخارجية السفير قريب الله الخضر فى حديثه لـ«الصحافة» أمس قال ان الزيارة تبحث القضايا الثنائية بين البلدين في المجالات السياسية والاقتصادية والتنسيق في القضايا التي تهم البلدين في الاقليم، وانها ستقف على ما توصل اليه اجتماع اللجنة السياسية الذي انعقد في سبتمبر الماضي بكمبالا و عرض اجتماعات اللجنة الوزارية المشتركة التي تم الاتفاق فيها على تكوين لجنة فنية امنية.قريب الله مضى الى ان الزيارة تتويج لعمل الآليات الثنائية القائمة بين البلدين، و في إطار تنسيق الجهود بين البلدين تجاه القضايا الإقليمية والدولية ومعالجة القضايا العالقة بين الخرطوم وكمبالا، التي تحول دون التنسيق المطلوب، وذلك بهدف الولوج بعلاقات البلدين إلى مرحلة التطبيع الكامل.

تحسن العلاقات
يمكن القول ان العلاقات الآن بين «الخرطوم» و«كمبالا» فى أفضل حالاتها ، بدليل كثافة الزيارات المتبادلة بين مسؤولى الدولتين منذ نهايات العام 2015 فى اعلى قمة هرمها.
فالرئيس الاوغندى يورى موسفينى سبق وان زار الخرطوم مرتين اخرها مشاركته فى فعاليات مؤتمر الحوار الوطني اكتوبر 2016 بوفد رفيع المستوى بجانب حظر «كمبالا» نشاط الحركة الشعبية قطاع الشمال مجموعة عقار في العاصمة اليوغندية كمبالا، ما اضطر المجموعة لإلغاء ورشة مناقشة عمل اللجان التي شكلها مالك عقار والتي كان مقررا عقدها نوفمبر الجاري.
موسفينى ظل يؤكد بان سلام السودان يعني سلام واستقرار المنطقة مشيرا الى الدور المهم الذى يمكن ان تلعبه «الخرطوم» في حل أزمة دولة الجنوب بخلاف انها تمثل حلقة الوصل بين افريقيا و الدول العربية.
افريقيا ومناصرة السودان
وجاء موقف الزعماء الافارقة في قمة الاتحاد الأفريقي الاخيرة كنقطة تحول كبرى فى علاقتهم مع المحكمة الجنائية الدولية مما اعتبر انتصارا للسودان ، ودعما وتأييدا له فى موقفه الرافض للاستجابة للمحكمة ، ومثل احتشاد الافارقة ضد المحكمة ، وتهديدهم بالانسحاب الجماعي منها تشجيعا للسودان للتواصل مع الدول التى كان يخشى ان تشكل خطرا على الرئيس فى زيارته لها وكان من بينها اوغندا، والتى صنفت بانها من الد اعداء السودان واكثر المناصرين للمحكمة الجنائية الدولية.
وكان متسقا مع الرأي العام الافريقى هجوم الرئيس موسيفينى على المحكمة بطريقة عنيفة وغير مسبوقة لدى وصول الرئيس البشير الى كمبالا فى اول زيارة له منذ عشر سنوات او تزيد.
الانتقال الى العلاقات الاستراتيجية
التطورات السياسية في دولة جنوب السودان يبدو انها ماثلة فى انفراج العلاقة بين الدولتين و«موسفينى» يرى ان خيوط اللعبة هناك بيد «الخرطوم» لاسيما بعد ان تأكد له بان السودان بوابة الحل لمشكلة الجنوب، هذا ما قاله الخبير الاستراتيجي د. حسين كرشوم في حديثه مع «الصحافة» أمس.
كرشوم قال : كمبالا تأكدت من ان السودان ليس له علاقة بجيش الرب الذي يمثل احد عقبات العلاقة حيث كان ضمن المسارات الخمسة التي تفاوضت بشأنها مع الحكومة السودانية حول رفع العقوبات، كمان ان يوغندي اعلنت عدم استضافتها للحركات المسلحة.
ومضى كرشوم الى ان كمبالا تعمل الآن مع السودان من اجل الاصلاح بين فصائل دولة الجنوب، وانسحابها من الجنائية، ودعم يوغندي للسودان في منصب مفوضية الشؤون الاجتماعية للاتحاد، وتطابق مواقفهم فيما يتعلق بمياه النيل كل هذه العوامل تدفع لتحسين العلاقات بين البلدين، بالتالي انتقلت العلاقات من العداء للمواقف الاستراتيجية.
حسن النية وتعدد الملفات
ولمناقشة كيفية تتحسن علاقات كمبالا والخرطوم والتى هى ضرورية واستراتيجية لكل طرف ربما لابد من الاتفاق على استراتيجية تتعلق بالملفات التى يمكن ان يعالجها كل جانب لاثبات حسن النية والجدية والانتقال لمربع حسن النوايا. وموسيفينى الذى يريد ان يضع حدا لحرب الجنوب، ويرى كما العديد من الدول بان السودان الدولة الوحيدة التي يمكنها ان تساعد في حل مشكلة الجنوب.
ولكن الخبير الاستراتيجي السفير كرمنو يرى ان تحسن العلاقات بين الخرطوم وكمبالا يعد أمراً محتملاً وقائماً، و قال انه يجب استصحاب أن القضية الحالية بين الخرطوم وكمبالا تتمثل في جنوب السودان، فكلتا العاصمتين تسعى لتحقيق السلام في أرض الجنوب، موسيفيني يريد جوارا امنا ووقف الى جانب سلفاكير بشكل واضح، وهو ذات موقف السودان الذى سعى اليه من خلال الاتحاد الافريقى وحث المجتمع الدولى، ونبه كرمنو الى ان عاملا آخر يجب استصحابه وهو أنه لا توجد مصالح مشتركة ومباشرة بين الخرطوم وكمبالا، فصحيفة العلاقات خالية تماماً مما يوضع في الاعتبار لا سياسياً أو اقتصادياً أو ثقافياً، بعكس العلاقات اليوغندية الكينية على سبيل المثال التي تقوم على الاعتماد المتبادل، وكمبالا تحتاج لميناء ممبسا الكيني، فيما تنظر نيروبي الى الكهرباء اليوغندية، ومثل تلك المصالح غائب تماماً بين كمبالا والخرطوم بالتالي فلا يوجد مصدات للتوتر في العلاقات، مقارنة بالسابق حيث كانت الحدود المشتركة والقبائل المتاخمة بالإضافة لبعض العلاقات التجارية وهو ما لا يوجد حالياً.
انقلاب فى العلاقات
مدير الاستخبارات الأوغندية اوكيلو اكد ان التعاون الامنى بين الخرطوم وكمبالا، يمضي قدما في عدد من القضايا، وأن الأجهزة الأمنية في البلدين باتت أقرب إلى بعضها كثيرا، وقال في تصريح صحفي «السودان يقدم لنا الدعم بذات القدر الذي نقدمه له، الحركة الشعبية قطاع الشمال وحركة تحرير السودان جناح مناوي، وحركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم، جميعهم يعرفون أننا ندعم السودان وأن السودان يدعمنا، لذا نحن الآن بذات القدر متأكدون من أن السودان لا يدعم أو يساند جيش الرب».
ولفت أوكيلو إلى أن «جنوب السودان» و»المتمردين» من أهم القضايا المشتركة بين السودان وأوغندا، ويسعى البلدان إلى بسط السلام والاستقرار في جنوب السودان. وأضاف المسؤول الأمني الأوغندي «كان يوجد في فترة من الفترات متمردون سودانيون في أوغندا، بعضهم من دارفور، والآخرون من الحركة الشعبية قطاع الشمال، لكنهم لم يعودوا موجودين بعد الآن، ونحاول الجلوس معهم لإحلال السلام في السودان». وأكد أوكيلو أن المتمردين السودانيين «يأتون إلى أوغندا من أجل الاجتماعات فقط ويغادرون إلى أماكن إقامتهم في فرنسا وألمانيا وليس من بينهم مقيم في أوغندا».
زيارة البشير لكمبالا
الزيارة الاخيرة التي قام بها الرئيس البشير إلى أوغندا، في مارس من العام الماضي للمشاركة في تنصيب الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني، ناقشت عددا من القضايا والملفات ذات الاهتمام المشترك على مستوى العلاقات الثنائية والمستوى الإقليمي والدولي، لاسيما قضايا الأمن والسلام في افريقيا.
وهدفت الزيارة إلى تعزيز العلاقات التي كانت متوترة على مدى سنوات بسبب اتهامات متبادلة بين الخرطوم وكمبالا بدعم جماعات متمردة في كلا البلدين.
ويبدو ان اجندة زيارة رئيس الجمهورية ستمضى فى ذات الاتجاه لتعزيز العلاقة بين الدولتين ومراعاة مصالحهما المشتركة ، لاسيما وان الزيارة الاولى التي قام بها الرئيس اليوغندي «يوري موسفيني» للخرطوم في سبتمبر من العام 2015 فتحت الكثير من الأبواب المغلقة لعدد من القضايا المعلقة بين السودان وأوغندا من طرف وبين السودان ودولة الجنوب من طرف آخر وبين «موسفيني» وزعيم المعارضة الجنوبية «رياك مشار» من طرف، فإذا كانت الزيارة قد حققت الكثير من التفاهمات بين السودان وأوغندا نجدها كذلك عملت على تقريب وجهات النظر ولو بقدر يسير بين «مشار» و»موسفيني»، كل هذا وذاك ربما تكون له ثماره في المستقبل القريب، سواء أكان على مستوى العلاقات السياسية بين البلدان الثلاثة «السودان، أوغندا، جنوب السودان» أو على مستوى الأمن في المنطقة أو حتى على مستوى العلاقات الاقتصادية بنظرة بعيدة لما يمكن أن يحدث في المستقبل.