سباحــــــــة حـــــــرة في نهـــر عطبـــرة «7»

«1»
حدثتك من قبل عن الولع بالنشرة اليومية لمصلحة السكة الحديد التي كان يطلق عليها «البولتين »، وطبيعة المواد التي كانت تنشر فيها، وإتخاذها على ضعف مادتها وفقر لغتها العربية مدخلا للتسلح الثقافي. وقد يصح السؤال: إن كنت قد بلغت مدرجا من مدارج المهارة في استيعاب اللغة العربية، بل والاستمتاع بها فلماذا لم تتجه الى الكتب ومصادر الثقافة الحقيقية؟ والإجابة هي أن الصغار الذين يقتحمون مجاهل الثقافة في سن صغيرة يفعلون ذلك بتأثير عامل أساسي وهو التأثر ببيئة النشأة الأولي ، فلا بد من أن يكون من هم حولك من المغرمين بالثقافة والمحتفين بها ، ومن الممارسين للقراءة اليومية الموسعة الشاملة الآخذة من كل شئ بطرف و لم يكن الأمر كذلك تماما في حالتي.
كانت قراءات والدي دينية بحتة في أغلبها ولم تكن متعددة و متشعبة. كذلك لم يكن أصدقائي المباشرون الذين كنت أقضي في معيتهم أغلب أوقاتي ممن يهتمون بالاطلاع. و أميل إلي الاعتقاد أن حقبة غالية من الزمان قد مضت هباءً قبل أن أتنبه الى قيمة القراءة الجادة غير أن أكبر حدث ثقافي محوري في حياتي ، و حياة عطبرة كلها، كان هو إنشاء ادارة للخدمات الاجتماعية بمصلحة السكة الحديد ، وقيام هذه الإدارة بتحويل إحدى الكنائس في حي السودنة الى مكتبة جليلة تحمل مسمى: المركز الثقافي الاجتماعي للسكة الحديد. وبخلاف توفير الكتب وجو القراءة الذي كان جديدا علىّ، و تعيين أمين للمكتبة يحمل درجة جامعية في علم الوثائق و المكتبات، و كان ذلك جديدا على عطبرة، فقد كان لذلك المركز نشاطات ثقافية حقيقية شديدة التأثير والفعالية، على الأقل في حالتي الخاصة.
«2»
ويبدو لي أن الدينامو المحرك لكل هذه المناشط كان هو قادم جديد إلي المدينة ، اسمه عبد الله الطاهر بكر، عرفت لاحقا إنه كان ضابطا في القوات المسلحة و طرد منها و حكم عليه بالسجن لمشاركته في محاولة فاشلة لإنقلاب عسكري ابان حكم الفريق عبود، ثم تم تعيينه في مصلحة السكة الحديد في وظيفة ضابط الخدمات الاجتماعية. وقد تغيرت وظيفته، أو بالأحري ترقى في زمن وجيز و صار لقبه: مدير الخدمات الاجتماعية، وهو شقيق المغفور له الرشيد الطاهر بكر، الذي شغل مناصب دستورية عديدة خلال حقبة الديمقراطية الثالثة و حقبة مايو، منها نائب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء.
وكان عبد الله الطاهر بكر هذا شديد الحركة، ذو طاقة جبارة وهمة عالية، و في عهد ادارته لقسم الخدمات الاجتماعية شهدت عطبرة نشاطات ثقافية و فنية لم تسمع بها من قبل أو تخطر لها ببال، ومن ذلك فرق فنية جاء بها من كينيا و دول افريقية اخرى، مثل فرقة «هرامبي افريكا» ، و مغنيات يغنين باللغة الإنجليزية، يفترض أن إبداعهن يحمل قيمة فنية عالية، و لكن أحدا في عطبرة لم يفهم من غنائهن شيئا.
«3»
و قد حضرت أول محاضرة عامة في حياتي في حديقة تلك الكنيسة التي تحولت الى مركز ثقافي بحي السودنة ، كان مقدم المحاضرة معلما مصريا في احدى مدارس البعثة التعليمية المصرية اسمه فتحي محمد رزق ، و ربما كان جوهر محاضرته إسلاميا ، إذ ما يزال صدى بعض كلماته القوية المجلجلة ، و هي تتدفق عبر المايكروفون تترامى إلى اذني في يومي هذا ، بعد أربعة عقود من الزمان ، و أذكر منها كلمات عن الخليفة عمر بن الخطاب و عدله. تلت ذلك محاضرات أخرى، أذكر منها محاضرة للاستاذة عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ ، و قد قدّم المحاضرة رئيس شعبة اللغة العربية في المدرسة الثانوية الحكومية وقد ضاع علىّ اسمه، و كان تقديمه باهرا رائعا بحيث أنني رأيت أنه كان أكثر قيمة من محاضرة بنت الشاطئ نفسها. ثم عرفت أن هناك مكتبة أخرى في المدينة، كان البعض يرتادها وهي مكتبة البلدية. ولكنها كانت أقل دسامة ووسامة من مكتبة المركز الثقافي للسكة الحديد. وربما كنت قد بدأت في تلك المكتبة بقراءة بعض أجزاء من حلقات سلسلة «روايات تاريخ الإسلام» لجرجي زيدان، و لكن أول كتاب جاد، كبير الحجم، قرأته كاملا من أوله الى أخره كان بالقطع هو كتاب «ذهب مع الريح» للكاتبة الأمريكية مارغريت ميتشيل ، وكان ذلك حدثا محوريا في حياتي فتح أمامي أبوابا واسعة. و مارغريت ميتشيل من القلائل الذين خلدت اسماؤهم في عالم الرواية نتيجة لعمل واحد فقط. و في الأيام التي سهرت فيها أطالع صفحات ذلك الكتاب كنت أشعر بأنني في حالة جذب صوفي، فلم أكن فقط مستغرقا بكلياتي في فصول الرواية، بل أنه كان يخيل الىّ أنني أصبحت جزءا من عالم تلك الرواية و شخصياتها. و تدور أحداثها حول إنعكاسات الحرب الأهلية الأمريكية على المزارعين الجنوبيين، وصعود المجتمع الصناعي، وتحرير العبيد، وانهيار المجتمع الإقطاعي، وتأثير ذلك على الأفراد عبر قصص حب متشابكة شديدة التعقيد. وقد تحول ذلك الكتاب الى فيلم سينمائي فاز بثماني جوائز أوسكار، و إختاره معهد الفيلم الأمريكي ليكون الرابع في قائمة أفضل مائة فيلم في القرن العشرين، و أصبح « ذهب مع الريح » أعلى الأفلام إيرادا في تاريخ السينما على الإطلاق.
«4»
ولكنني كنت ، على غير وعي مني ، قد فارقت جوانب إخرى من الثقافة فراقا بائنا، و بصفة خاصة الشعر. وهو شئ قد يبدو غريبا من شخص حاول أن يكتب الشعر وبذل جهدا لا بأس به في إيهام نفسه والآخرين بأنه شاعر. و كنت قد بعثت بقصيدة الى جريدة «الأيام» عند وفاة جمال عبد الناصر، وقد نشرت الصحيفة بيتين منهما بعد أن أدخل المحرر عليها بعض التعديلات. و لم أعد الى الاهتمام بالشعر أو الإحساس به كعطاء روحي أو كقيمة إنسانية راقية الا في بداية السنة الاخيرة من المرحلة الثانوية في مدرسة عطبرة الثانوية الحكومية.
وكان هناك أستاذ لمادة التاريخ ظهر فجأة منقولا من مدرسة أخرى، اسمه عثمان السيد، وبالرغم من أن مادة ذلك الأستاذ و مجال تخصصه كان التاريخ كما قلنا، فإنه كان يهتم بالشعر اهتماما عجيبا، ويحرض الطلاب على قراءته والاستمتاع به. وكان يبدأ حصته بتوزيع أوراق مطبوعة بماكينة الرونيو تشتمل على قصائد للفيتوري ونزار قباني وصلاح عبد الصبور وكثير غيرهم، ثم يقوم بقراءة واحدة من هذه القصائد كاملة. وعرفت أنه كان يشتري المواد الخاصة بهذا العمل من ورق وغيره من ماله الخاص، ووجدت في ذلك أمرا محيرا أو على الأقل غير مألوف بين المعلمين.
«5»
عاد الإحساس «بالشعر» يتسرب الى مسامي في تلك المرحلة على يد ذلك المعلم الاستثنائي، الذي غاب اسمه و انمحت شخصيته و صورته عن ذاكرتي لعهد طويل، ثم بدأت ملامح من كل ذلك تعود الى ذاكرتي بعد هجرتي الى الولايات المتحدة. فقد لاحظت أن كثيرا من الصفات التي تطبع الشخصية الإمريكية كانت متوفرة تماما عند ذلك المعلم: عثمان السيد. ومن أمثلة ذلك أنه كان عندما يتوجه بسؤال الى الفصل أثناء التدريس ثم يجيب أحد الطلاب ، فإنه يقوم بشكر الطالب على الأجابة حتي و لو كانت الإجابة خاطئة. وهذه خصيصة راكزة في الثقافة الأمريكية، و لكنها لم تكن مألوفة أو شائعة في الثقافة السودانية. والواقع أن نسبة مقدرة من المعلمين الذين مررت بهم – أو مروا بي – كانت تغلب عليها ملامح من الغلظة و الجلافة في التعامل مع الآخرين، فقد كان عاديا جدا أن يخاطب المعلم تلميذا معاقا خطابا فظا مثل: « يا معولق إنت. إنت قايل ربنا عولقك كده ليه؟ ». و في واقع خلفيته و أرضيته كهذه فإن سطوع شخصية أستاذ كعثمان السيد و سيطرتها و تصاعد تأثيرها على عقول وقلوب تلاميذه يكون أمراً منطقياً.
«نواصل»