تواصل الأجيال .. ومؤهلات الخلافة .. وتحمل أعباء القيادة

* لم تبلغ الشركات الكبرى ومنشؤوها مستوى جعلها على الألسن ، وفي قائمة المشاهير ، إلا لأن الذين قاموا بتأسيسها وإختيار ما تخصصت فيه من منتجات ومصنوعات قد وضعوا للمسؤولية فيها قواعد ، وللقيادات معايير، وكانت الأسس التي تسلم فيها المهام من سلفٍ إلى خلفٍ واضحةً وضوح الشمس في رابعة النهار .
* وعندما نصر على مبدأ تواصل الأجيال فإننا بذلك نتطلع إلى مشروعات لا يصيبها البلى ، وإلى منجزات لا يعتريها الخلل والقصور ، وإلى عمارات وأبراج تظل على بهائها ونضارتها بحكم أن الذين يتولون القيادة بها ويمسكون بالخطام قد تدربوا رويداً رويداً حتى وصلوا إلى مستوى جعلهم على مقربة من آبائهم ، فشربوا مهنة  الإدارة شراباً ، وحذقوا فنون السياسة حذقاً ، واكتسبوا مهارات التعامل إكتساباً ، ولم يأت أحدهم ليقفز قفزاً ليتولى منصباً وهو على جهل ، أو صدر بحقه قرارٌ ليصبح وزيراً أو مديراً ، أو خلاف ذلك من مواقع رفيعة بناء على توصية أتت من أولئك الذين يعملون المزاج ويستخدمون قاعدة الحب والكراهية ، ويضعون ما يتطلبه العلم وقواعد المنطق تحت الأقدام ، علماً بأن الجاهل عدو لما يجهله .
* والناجحون هم الذين يحددون من سيلونهم في المسؤوليات ، ويخلفونهم في آداء الواجبات بحرصهم وتأكدهم بأن يكون هؤلاء على قدرٍ من الكفاءة والقوة والأمانة هذا إذا أرادوا لدولتهم البقاء ، ولمجتمعهم النهوض ، ولذكراهم أن تظل محفورة في ثنايا التاريخ ، وذاكرة السنين والأيام .
* أما أولئك الذين لا يختارون إلا الضعفاء ممن ليس لهم قرار ، ومن شيمهم التردد والإبطاء ، فإذا تقدموا خطوة ، تراجعوا عددا من الخطوات ، فإن المملكة التي شادوها ستنهار والمجتمع الذي كان يعول عليهم سيصبح رافضاً لسلطانهم ، ومتمرداً على من أصبح خليفة لملك عظيم ، أو دولة متقدمة ، لكنه مثلٌ من أمثلة الذين يعانون من الخور والضعف ، وعدم القدرة على إتخاذ القرار والقاعدة تنص على أن القويُ لا يختار إلا الأقوياء ، والعالم لا يجلس إلا في مجالس العلماء ، والمتطلع نحو المجد لا يخوض مع الخائضين في المنخفضات ، وإنما يرنو بأنظاره نحو الأعالي ، ورحم الله شاعر العرب الذي قال :
إذا غامرت في شرفٍ مرومٍ
فلا تقنع بما دون النجوم
فطعم الموت في أمرٍ حقيرٍ
كطعم الموتِ في أمرٍ عظيمٍ

* ويحدثنا التاريخ عن ممالك إنهارت ، وإمبراطوريات سقطت ، ومجتمعات تخلفت ، ودولٍ دالت ، وكل ذلك لم يحدث إلا لأن من كان خلفاً لم يكن كمن كان سلفاً ، وتلكم هي النتائج والمحصلات التي نراها على أرض واقعنا ، ومضامين تاريخنا ، عندما تختل الموازين ، ويختلط على الناس ما كان حقاً ليصبح باطلاً ، وهو ليس كذلك بكل ما نعتمده من مقاييس .