قانون الصحافة (2-2)

«1»
إن ثمة حقائق جوهرية لابد من التنويه إليها ونحن نناقش قانون الصحافة ، وأولها: إن كتابة القوانين أو تعديلاتها لابد أن تستصحب المستقبل والتحولات المحلية والعالمية ، وخاصة أن التكنولوجيا أحدثت انقلاباً في مسارات الإعلام، ولذلك فإن إجراء التعديلات بناءً على قضايا ظرفية وحادثات راهنة أمر معيب ولا يمثل اضافة جديدة ، وستضطر الحكومة لإجراء تعديلات كل عامين أو ثلاثة ، وهذا يحدث حالة من عدم الاستقرار والتجاذبات المستمرة بين الصحافة وبعض قطاعات الحكومة ، وقد يكون مفيدا اقتصار القانون على الموجهات الهادية والمباديء الكلية ، على أن تترك التفاصيل للوائح المنظمة باعتبارها قضايا متحركة ومتجددة ، أو النظر بعمق في تحديات الإعلام وتوجهاته واجراء تعديلات على القانون بما يحقق الاستقرار والاستمرارية..
ومن المهم ثانية ، أن يكون القانون ساعياً إلى تعزيز دور الصحافة وترسيخ مساهمتها في الشأن الوطني، وفي هذا الأمر لابد أن نستحضر أن الصحافة السودانية تتمتع بقدر عالٍ من المهنية والموضوعية والحس الوطني ، ومهما يكن من بعض المظاهر المحدودة فإنها تواجه بالاعتراض من الصحافة نفسها ، وفي ظل تشتت الرأي العام وتفتيت الآراء ، فإن بناء الأجندة الوطنية يقع على كاهل الصحافة السودانية ، وخاصة الورقية منها ، ويمكن القول إن 80% مما يكتب في المواقع الالكترونية وفي مواقع التواصل الاجتماعي من مواد الرأي والتحليل هو انتاج صالات تحرير الصحف أو تم استصحابها منها ولذلك فإن الصحافة الورقية تمثل الحد الأدنى من الأجندة اليومية للمجتمع ، ولذلك يبدو من قصر النظر وضعف الحيلة محاولة تصوير الصحافة بأنها تغرد خارج السرب، إننا نفخر بوطننا وموروثنا الثقافي والمعرفي ، والصحافة رأس الرمح في ابراز هذا الكسب والنماذج ، من حق السودان أن تكون له صحافة ذات حضور ورأي.
«2»
إن نشوء مؤسسات صحفية كبرى ، يتطلب دعما من الحكومة ، من خلال توفير بيئة مناسبة للنشر وقوانين مواكبة ، والمؤسسات الكبرى – دائماً – لديها تقاليد وأعراف ومواثيق وستقلل من حالة الانحراف – إن صح التعبير – وستؤدي لسيادة صحافة رائدة تسهم فى قيادة الوعي المجتمعي ، وهذه نقطة لابد من استحضارها بحيث تمنح الصحافة على وجه الخصوص وقطاع النشر والطباعة بشكل عام ميزات تفضيلية . إن عالم الإعلام اليوم يمور بانتقالات ستحدث «هشاشة» في الوعي و»سيولة» في الرأي العام ، ولا بديل سوى نشوء مؤسسات كبرى تمثل ضامنة وركيزة في ظل هذه الأمواج العاتية من التقلبات.
إن البيئة العالمية تتجه إلى احداث اختراق في الأفكار وما يمكن تسميته «ميوعة» في البنية المعرفية حتى يسهل الذوبان والطمس للقيم الثقافية ، ومع غياب القنوات الفضائية المجتمعية وكثافة المحطات الاذاعية قصيرة المدى وذات الاهتمام المتخصص وسريعة الايقاع ، فإن الصحافة السودانية بتجربتها تمثل ركيزة الوعي والتماسك في المجتمع ..
وربما من الأفضل التوسع في مجال صناعة الصحافة، وارساء المواثيق الصحفية، على أن يقتصر القانون على القضايا الكلية والجوهرية، وكيفية الحصول على المعلومات وضمان تدفقها، واستصحاب مستجدات التقنية، على أن يكون للنشر الالكتروني مساحة تفصيلية أخرى..
والله المستعان.