(لخباتة)

اسمها (لخباتة) ، موقع معلوم عند حلق (توريت) ، توريت التي عرفها الناس مقطع شعر توريت يا توريت يا ارض الفداء ، او تلك المنحوتة في مطوي القصيد بأرض الخديعة والدسيسة والدم ! كانت عند بعض ابناء هذا البلد ممشي عريضا للبسالة والجسارة من (خور انجليز) الي (الدليب) ، في استوائية الشرق وقلب العالم (جوبا) ، في تلك البقاع حرر الرجال اسم (لخباتة) كمسمي للموقع الذي حينما حمي الوطيس حول المدينة الرمز ابان حملة صيف العبور ، والتطمت كتائب القوات المسلحة والمجاهدين في منتصف العام 1992 كان القتال مع قوات المتمردين قد بلغ من جرأة النفوس فيه ان الفرقاء التحموا بالسونكي ومقابض الايادي حتي اختلطت القوات ولم يعد من طريقة للفصل بين الناس حتي اندحر التمرد الذي سحب اخر عناصره من المدينة نفسها في الهروب الشهير فلحق اسم (لخباتة) بموقع المعركة الاساسية.
مضى السودان وفي اواخر التسعينيات كان ذات الموقع او موقع ما، نسيت اسمه عينا و ضلا في غيابت جب ذاكرتي الخربة يقوده شاب ، علت كتفيه نجمتان ، ملازم اول ، تناهي الي سمعه ذات مساء ومع هبوط الشمس صوت مجنزرات ، يكسر هديرها صوت الغابات المحيطة ، دقائق من اختبار الملاحظات والفتي تيقن ان الخوارج يعيدون كرة الهجوم بعد سنوات من حتفهم الذي سبق ، تتقدم الدبابات ، يتعمد العدو المتحرك كشف مسيره بالجلبة ، لحظات ويسكن المكان ، ثم هدير الماكينات والجلبة ، تكتيك الحرب النفسية ، كان قائد شاب اظنه بنجتمين ، ضابط برتبة الملازم اول ، قام في تلك الليلة أحصى جنوده ، وذخيرته ، وقليل الاسلحة بحوزته ، نهض ووزعهم وفق ما خبر وتعلم ، وزع مساقط النيران حيث ما توقع الاجتياح ، وجلس يمازح جنوده واصوات جلبة تحرك قوات الحركة الشعبية في اسماعهم.
اعجب ما في تلك اللحظات ، ان بعضهم كان قائما يغسل قميصه الكاكي ، بعض اخر كان يجوب الخنادق بحثا عن تمرة ، نفر ثالث طلب من (ود الجبلين) ان يغني لهم مقطع لابراهيم عوض (ليه بنهرب من مصيرنا ) ، بعض غيرهم إنصرف لرص اشرطة الذخائر ، صاحبنا الملازم اول ، كان يطوف على جنده حتي امتشق ضوء الفجر ، سيفه وبدد الظلمة ، لم يحضر العدو ، الذي لسبب ما فضل ان يكون الاجتياح ضحي ! وبالفعل مع ظهور الشمس عادت الجلبة للتصاعد ، فعل حينها بطلنا الملازم اول اغرب ما يمكن ان يفعله رجل ، يواجه معركة ، خطب في جنده شادا العزائم ، ودخل الي (قطية) اماط البطانية السوداء عن طرف السرير ، نحى مسدسه عن وسطه ، استلقى ، مد ظهره يطلب بسطة تفك رهق ليلة طويلة ، لسبب ما لم يكن قلقا ، غشيه نعاس فنام ، هؤلاء ثلة من شباب كأنما صيغت لهم عبارة (وقفت و ما في الموت شك لواقــف
كأنك في جفن الردى و هو نائــم
لاحظ القائد الشاب وشعر ان السرير نقلت فراغات قائمه صدي اهتزاز ممشي المدرعات على معسكره واليه فخرج غير جزع او متعجل الى جنده ، وجهه وضاح وثغره باسم ، دقائق ومع فارق عتاد القوتين الا وكانت توزيعات الفتي بالامس لمساقط النيران كانت حكيمة ، لم تمض سوي نصف ساعة والا وكانت القوة المهاجمة قد (إستفادت ) وتشتت شملهم ، مخلفين مدرعة وتناثر جندهم قتلي نثرتهم فوق الأُحَيدب كلـــــــــــــه ، كما نثرت فوق العروس الـــــــدراهم ، انتهت المعركة وربح الفتي وجنده فارسلوا إشارة مختصرة ، وعاد ود الجبلين للغناء و(الطاهر) لإكمال غسيل ثيابه وذهب هو لينام هذه المرة مطبقا الردى تحت جفنيه والنصر ، اكتملت مدته وذاب الفتي في المدينة لم يبق لي من اسمه سوي طيف اسم اظنه (هجانة) او (عوض) ، لست اعلم هل لا يزال بالجيش ام اناخت به مطايا الزمان في سوح الرزق بصقع بعيد ، من يذكره يرسل له عني السلام ، ذكرته الان وامام عيني يمر بيان للحركة الشعبية تذكر قائدها في (تلشي) تمجده وتذكره فأحببت ان اذكر باسم الملايين (عوض) او هجانة …سلام عظيم