الانضباط والالتزم بالتنظيمات السياسية والمتآمرون عليها

* لقد كان الإنتماء الحزبي سابقاً يحدث نتيجة لولاءات قديمة ، وعقائد راسخة ، وتقاليد مارسها الأبناء بإرث من الأجداد والآباء ، وهكذا إستمر الحال بنا وفقاً لهذا الذي كان عنصراً أساسياً لتوجهات حكوماتنا ، دون إستثناء لديمقراطية مورست ، أو حكم شمولي لم يكن بعيداً عن الصيغة التي يظهر فيها التعاطف تجاه هذه الطائفة ، أو تلك، الأمر الذي لم يقض على الأحزاب الطائفية بمجرد تسلم عسكرٍ لزمام السلطة بالبلاد .
* وتسارع حركة الوعي ،وإضطراد نموها ، هو الذي أدى إلى نشوء أحزاب ، وجماعات ، تعتصم بأنظمة أساسية وقواعد ، وهي التي تحدد من يكون في القيادة ، ومن الذي يملأ بقية الهياكل سواء كان ذلك على مستوى القمة ، أو القاعدة .
* وبالرغم من وجود كيانات سياسية منضبطة ، ومرهونة بما تقرره القاعدة ، وفقاً لإجراءات تتخذ مسارها عبر القنوات ، لكننا ما زلنا نعاني من إنهيارات في أجسام الأحزاب السياسية التي تزعم بأن لها نظماً ، ويلتزم أعضاؤها بالشروط ، والمواصفات التي بموجبها نالوا شرف العضوية ، ويحدث ذلك غالباً عندما تلجأ  جماعات من ذات الأحزاب بالعمل خارج الهياكل ، وإتباع الطرق التآمرية ، ونسج القرارات بليل ، وإستقطاب بقية العضوية ، أو غالبيتها نحو هذا الذي لم يجر بالمكشوف ، وإنما بالتسلق والتزلف ، والعمل بلا شرعية تحت جنح الظلام .
* وكلما كانت التنظيمات السياسية ، قائمة على ثبات القواعد وإستقرار النظام الذي يحكمها ، والإلتزامات التي يتقيد بها الأعضاء ، فإننا بذلك نكون قد مهدنا الطريق نحو وجود بناء سياسي ، يضمن لنا أن يكون الرأي مقابل الرأي ، والمنطق بجانب المنطق ، وألا سبيل لأحد ليقفز فوق القنوات ، أو يتسور الحوائط لينال حقاً ليس له بإعتماد اللصوصية وإغتصاب الحقوق بالطرق التي لا تمت إلى الأصول بصلة ، أو علاقة تتسم بأدنى قدرٍ من الشرعية والقبول .
* والإنتماءات الحزبية التي لا تنشأ بموجب عقائد ، أو أسس ، وإنما تدور حول المطامح ، والمطامع ، والمنافع ، فإنها لا تقوى على الإستمرار ، ولا تبشر بنشوء أجسام سياسية  يعول عليها لقيام حكم رشيد ، أو مجتمع قائد .
* وسيبقى إنتظارنا ، إلى حين ظهور علامات النضوج السياسي لمجتمعٍ يرسي قواعد التنافس ، والتداول السلمى للسلطة بناء على تشكيلات حزبية تحترم رأي الإنسان ، وتٌعلي من شأنه ، ولا تجعله يبصم هكذا ، ويقدم فروض الطاعة والولاء معبراً عن واقعٍ أصمٍ ، وأبكم ، وأنظمة سياسية لا تمثل إلا الإرادة الغالبة للطغاة بمختلف أشكالهم ، ومسمياتهم ، فمنهم من قد يتخذون شكل الأفراد ، أو الجماعات ، أو الشلليات ، ولا مجال لنا لإنكار ذلك عندما تظهر لنا السيماء والصفات واضحة على رؤوس الأشهاد .