فتاوى

السؤال : بعد قضاء فريضة الحج نعلم أنه يكفِّر الذنوب والكبائر، أي: يغفر الله تعالى عن حقه، ولكن كما أعلم أنا أنه لا يسقط حقوق العباد، وسؤالي: لقد أجبتم في سؤال سابق أن من يتوب عن ذنب أو كبيرة مهما وصلت فإن الله تعالى يغفرها إن كان صادقاً بتوبته، ودليلكم : قال الله تعالى : (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(53) سورة الزمر، وقال الله عز وجل في بيان مغفرته لأعظم الذنوب : (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً(68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً(69) إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (70)) سورة الفرقان . وروى البخاري ومسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ( كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا ….. الخ) الحديث، ولكن أين حق العباد؟ وهل الذي يقتل وتاب يغفر له؟ كما نعلم أنه من قتل متعمداً دخل جهنم، أنا فقط أريد أن أسال ولا غير ذلك؟ وكيف نوفق بين الحديث الأخير القاتل تسعة وتسعين نفسا وأكمل المئة متعمداً ودخل الجنة وأين حقوق الذين قتلهم؟. وبارك الله فيكم.
الجواب : الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين.ما قرأته من أن الحج يكفر الذنوب الكبائر كلها قد اختلف فيه العلماء، والذي نرجوه أن الله تعالى يكفر بالحج المبرور جميع الذنوب الصغائر والكبائر، وفضل الله تعالى واسع.
والذي يكفره الحج هو الذنوب المتعلقة بحق الله تعالى، أما ما يتعلق بحق العباد فلا يُسقطها الحج – ولا الجهاد ، ولا الهجرة، ولا غير ذلك من الطاعات، بل حتى حقوق الله تعالى، كقضاء الصيام، أو نذر، أو كفارات، لا يسقطها الحج ولا غيره من الأعمال الصالحة، وكلا الأمرين متفق عليه بين العلماء من غير خلاف . وورد في فضل الحج أحاديث كثيرة تدل على أنه يمحو الذنوب، ويكفر السيئات، ويرجع منه الإنسان كيوم ولدته أمه … لكن هذا الفضل والثواب لا يعني سقوط الحقوق الواجبة، سواء كانت حقوقا لله تعالى، كالكفارات والنذور، وما ثبت في ذمة الإنسان من زكاة لم يؤدها، أو صيام يلزمه قضاؤه، أو كانت حقوقاً للعباد كالديون ونحوها، فالحج يغفر الذنوب، ولا يسقط هذه الحقوق باتفاق العلماء . بل حتى التوبة، تكفر الذنب، ولكنها لا تسقط تلك الحقوق ، وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
فيمن تركَ الصلاةَ عامداً أو غيرَ عامدٍ، ووجبتْ عليه الزكاةُ ولم يُزَك، وعاق والديه، وقَتَلَ نفسًا خطأ، وقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَن حج هذا البيتَ فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ خرجَ من ذنوبِه كيومِ وَلَدتْه أمُّه) وقد قصدَ الحج، فهل يُسْقِط هذا جميعَه ومَظالِمَ العباد؟.
فأجاب: (أجمعَ المسلمون أنه لا يَسقُط حقوقُ العباد كالدَّيْن ونحوِ ذلك، ولا يَسقُط ما وجب عليه من صلاةٍ، وزكاةٍ، وصيامٍ، وحق المقتول عليه، وإن حجَّ، والصلاة التي يَجبُ عليه قضاؤُها: يَجبُ قضاؤُها، وإن حَج، وهذا كلُّه باتفاق العلماء ، فإذا حج القاتل، فلا يكفر الحج عنه حق المقتول، ولكن إن تاب توبة نصوحاً فإن الله تعالى يتفضل عليه، ويُرضي المقتول من عنده. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى : (القاتل إذا كثرت حسناته: أُخذ منه بعضُها ما يرضى به المقتول، أو يعوضه الله تعالى من عنده إذا تاب القاتل توبةً نصوحاً). وقال ابن القيم رحمه الله تعالى : (والتحقيق في المسألة: أن القتل يتعلق به ثلاثة حقوق: حق لله تعالى، وحق للمظلوم المقتول، وحق للولي ، فإذا سلَّم القاتل نفسه طوعاً واختياراً إلى الولي ندماً على ما فعل، وخوفاً من الله تعالى، وتوبة نصوحاً: يسقط حق الله تعالى بالتوبة، وحق الولي بالاستيفاء، أو الصلح، أو العفو ، وبقي حق المقتول: يعوضه الله تعالى عنه يوم القيامة عن عبده التائب المحسن، ويصلح بينه وبينه، فلا يبطل حقُّ هذا، ولا تَبطل توبةُ هذا).
والله تعالى أعلى وأعلم.