أكبر انتصار للعربية نزول النص القرآني بها.رسائل للتعليم العام.. لتمكين اللغة القومية..!

الخرطوم: البيت الكبير
قدم البروفيسور حسن بشير عضو المجامع اللغوية العربية بالخرطوم، والقاهرة ودمشق، مداخلة قيمة لملتقى خاص بسير التعريب بالجامعات وركزت المداخلة على المصطلحات الزراعية، وأهمية اللغة العربية في التعليم والبحث العلمي.. نقتطف منها، ما يعتبر رسالة إلى وزارة التعليم وتعليم المرحلة الأساسية والثانوية، وأساتذة الجامعات للتأكيد على أهمية (العربية) ومراحل تطورها والاهتمام بها..
يقول البروفيسور حسن بشير: اللغة العربية إحدى ثلاث اللغات السامية: الآرامية، والكنعانية، والعربية. وفي التأصيل التاريخي للغة العربية أنها:
– لغة الشمال: لغة العدنانيين، ومحورها مكة.
– لغة الجنوب: لغة القحطانيين، ومحورها مأرب باليمن.
قد كان انتصارا كبيرا – قبل الإسلام – للغة الشمال، بسبب مكانة قريش الدينية والتجارية، وبسبب وجود الأسواق حول مكة. وأشهرها: عكاظ ومجنة وذو المجاز.
في هذه الأسواق كانت تُعرض الأشعار والخطب والمناظرات. أما الانتصار الأكبر للغة العربية فكان بنزول النص القرآني بها. وقد سمى القرآن اللغة العربية اللسان العربي: «وهذا لسان عربي مبين».
ولما أراد الخليفة الثالث عثمان بن عفان (رضى الله عنه) كتابة المصحف بين دفتين، كون لجنة برئاسة الأنصاري زيد بن ثابت، ومعه ثلاثة من القرشيين: عبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن الحارث، وسعيد بن العاص. وقال للثلاثة القرشيين: (إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في كتابة شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم.) وقولة عثمان (رضى الله عنه) تنظر من قريب إلى قوله تعالى: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم).
ولذا سُميت المجلة العربية القومية (اللسان العربي)، وسُمي مجمع اللغة العربية الموريتاني (مجلس اللسان العربي).
وعلى بكرة عصور التاريخ العربي اعتبرت الأمة العربية لغتها من شخصيتها وذاتيتها. وتعاظمت الحاجة إلى ذلك في عصرنا، فدعونا إلى تأصيل اللغة العربية، وتطويرها، ومواكبتها للعصر. وأدركنا أن ذلك لا يتأتى إلا برفد مستمر للغة بالمفردات والمصطلحات الجديدة، صناعة أو ترجمة. ومثل ذلك يكون في صناعة الرموز، خاصة الرموز الرياضية والهندسية التي يسجل في مجالها أ.د. دفع الله الترابي، موقعاً متقدماً.
إن أمر دعوتنا للنهضة باللغة العربية أمر عام لكل المعارف وجميع التخصصات، فاللغة العربية قادرة على تمثيل علوم العصر، متى كان أهلها قادرين على استيعاب حياة العصر. فإذا كانوا كذلك كانت السيادة للغة العربية في وطنها، وكان انتشارها – تعلماً وتعليماً – في جميع أوجه الحياة، وفي كل العلوم والفنون.
وتستهدف دعوتنا التعليم العام، بغية تربية الأجيال على أساس التمكن من لغتهم القومية. وهي سانحة أن ندعو وزارة التربية والتعليم إلى:
– افراد التعليم قبل الأساس، والتعليم الأساس، باللغة العربية، لجميع المواد الدراسية، من أجل تمكين التلاميذ من لغتهم القومية.
– تدريس الانجليزية من المرحلة الثانوية، بصورة مكثفة تؤهل الطالب للتواصل، والاطلاع، وتعيده لمجال البحوث العلمية المتقدمة.
– اختيار المعلم على أساس الكفاءة، في المادة التخصصية، وفي أدائها باللغة العربية.
– حسم مسألة تطبيق المنهج القومي على المدارس الخاصة والأجنبية.
وتستهدف دعوتنا وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، لتوطين لغتنا القومية في التدريس الجامعي للعلوم التطبيقية، ولسائر أنواع العلوم. ولتوطينها في البحث العلمي المتقدم. فإذا استطعنا ذلك فإننا لن نخاف على اللغة العربية من الازدواجية اللغوية، ولا من الثنائية اللغوية، بل تفيد العربية وتستفيد، وتؤثر وتتأثر. وهذا شأن اللغات الحية، المدعومة بإعلام رسالي، يشيع الخطاب اللغوي الممكن من سيطرة اللغة، وسيادتها في وطنها.
في فترة رئاستي لمجمع اللغة العربية بالخرطوم جعلت أمر النهوض باللغة العربية في محور اهتمامي، وخططنا لثلة من المشروعات الداعمة للمستهدف:
– مشروع حماية اللغة القومية المشتركة، لتحقيق الهوية، والمصلحة الوطنية والقومية. ولذا أعددنا مشروع قانون حماية اللغة العربية بالسودان.
– مشروع البوابة الالكترونية للغة العربية، حتى نمكن لغتنا في النظام الحاسوبي، ونظام الشبكة، وحتى نكون دعماً لتوجه المشروع القومي الخاص برفع رصيد اللغة العربية في المحتوى الرقمي.
– مشروع مدونة اللغة العربية وفق النص القرآني، لحصر مفردات لغة القرآن، وإحيائها بالأمثلة النموذجية المرتبطة بالحياة اللغوية المتجددة، إنعاشاً للغة، وحفظاً للقرآن.
– المشروع القومي لإنشاء شهادة اللغة العربية الدولية الذي أذعناه من الخرطوم، ودفعنا به إلى اتحاد المجامع العربية، والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم. ونأمل أن يصل إلى غاياته.
– مشروع رسالة السودان الخاصة بخدمة اللغة العربية في افريقيا. قد خططنا لمؤتمر دولي يعالج الشأن اللغوي في افريقيا. واللغة العربية مرشحة لتكون اللغة القومية الجامعة للقارة الافريقية، بإمكاناتها الذاتية، وبعدد الناطقين بها، وبالمهتمين بأمرها من المسلمين والدوليين، مما يجعلها تتقدم اللغتين المنافستين: لغة الهوسا، واللغة السواحلية.
إن النهضة باللغة العربية لا تتأتى إلا إذا عُنِيَ أهل كل تخصص بتخصصهم، وإلا إذا تم التعاون بين علماء التخصص وعلماء اللغة.
وفي دائرة ملتقاكم الذي يجمع بين الهيئة العليا للتعريب، وبين أساتذة العلوم الزراعية، أرى ان المختصين بالعلوم الزراعية لا يستطيعون التغلب على الصعوبات التي تواجههم في مجال اللغة ما لم يريدوا ذلك، وما لم يكونوا على بصيرة بطبيعة هذه اللغة.
إنها مشكلة حلها في التعاون المخلص بين المختصين بالعلوم الزراعية، والمختصين باللغة العربية، يعرف من خلال ذلك اللغويون مشكلات علماء الزراعة، ويفيد علماء الزراعة من معرفة زملائهم باللغة وأساليبها.