رياح الشتاء ترهق الزغب الحواصل:أكثر من «75» فيروس يترصد الجهاز التنفسي للأصحاء شتاءً

تحقيق: تهاني عثمان

انخفاض ملحوظ في درجات الحرارة تشهده البلاد هذه الايام مع تحركات طفيفة للرياح ، ووفقا لموقع الهيئة العامة للارصاد الجوي في ملخص الطقس الاسبوعي فمن المتوقع ان تبدأ درجات الحرارة في الانخفاض التدريجي في شمال وشمال غرب البلاد مع حركة رياح شمالية إلى شمالية شرقية متوسطة السرعة إلى نشطة احيانا ، وهذا بدوره اسهم في انتشار العديد من الفيروسات التي اصابت الكثيرين بالتهابات الجهاز التنفسي واثارت تهيج الحساسية للبعض بينما في الاتجاه ذاته ادت حركة الرياح الجفافة إلى إحداث جفاف في الجلد وتهيج حساسية الاكزيما الجلدية.
الا ان الخطر الاكبر الذي اكده الاطباء والاختصاصيون الذين التقت بهم «الصحافة» اشاروا إلى ان المشكلة تكمن في فصل الشتاء في اتجاه المرضى إلى تناول العلاجات من الصيدليات دون مقابلة الطبيب ما يجعلهم يقعون في تناول الجرعات الخاطئة الامر الذي يطيل من عمر المرض.

الصحة العالمية: ثلاثة أنواع من الإنفلونزا هذا العام
ومع بداية فصل شتاء هذا العام اطلقت منظمة الصحة تحذيراتها الاسبوع الماضي من ثلاثة أنواع من الإنفلونزا تتوقع انتشارها شتاء 2017ـ2018 وجاء في بيان المنظمة أن الأنواع المتوقعة هي «إنفلونزا الطيور» نوع A/H3N2 » » ، و« إنفلونزا نوع« B. ، أما النوع الثالث الجديد فيسمى «مشيغان»، الذي يعتبر أخطرها، لأنه يختلف عن الذي انتشر في السنوات الماضية. واشار تقرير الصحة العالمية إلى التعامل المختلف للاشخاص عند اصابتهم بالإنفلونزا حيث يبدأ البعض بتعاطي المضادات الحيوية من دون استشارة الطبيب، والبعض يستخدم وسائل الطب الشعبي مثل الفلفل الحار والثوم والعسل أو الشاي مع الليمون.
ونصح التقرير وفقا لاطباء بعدم القلق من الإعلان عن احتمال انتشار الإنفلونزا، لأن لجسم الإنسان «ذاكرة مناعية» تتشكل من الإصابة السابقة، أي أنه باستطاعة الجسم مقاومة المرض وحتى في حال لم يتمكن الشخص من وقاية نفسه وأصيب فعلا، فعليه مراجعة الطبيب ليصف له الأدوية المناسبة للعلاج، لأن تناول المضادات الحيوية من دون حساب، لن يجلب سوى الأذى للجسم، ويسبب تطور مقاومة الجسم للمضادات الحيوية.
فئات عليها التطعيم ضد الانفلونزا :
قد لا يبدو الامر هينا اذا ما تنامى إلى علمنا بان تلك الأوبئة السنوية تتسبب في حدوث نحو 3 إلى 5 ملايين حالة مرضية ، وفيما يتراوح بين «250» ألف و «500» ألف حالة وفاة سنويا ، ومن هنا جاءت اهتمامات شبكة المنظمة العالمية التي تعكف لترصد الانفلونزا بالنظر إلى طبيعة فيروسات الإنفلونزا التي تتطور وتتحور بانتظام، و شبكة المنظمة العالمية ، هي شبكة لمراكز الإنفلونزا الوطنية والمراكز المتعاونة مع المنظمة في جميع أنحاء العالم، تعمل على رصد فيروسات الإنفلونزا السارية لدى الإنسان باستمرار وتحديث تركيبة لقاحات الإنفلونزا مرتين في السنة.
ومن هذا المنحى أوصت منظمة الصحة العالمية بتطعيم الحوامل في جميع مراحل الحمل والأطفال والمسنين والمصابين بحالات مرضية مزمنة والعاملين الصحيين بمصل الإنفلونزا قبل قدوم الشتاء.
ووفقا للصحة العالمية فانه يمكن للإنفلونزا أن تتسبّب في حدوث حالات مرضية وخيمة أو أن تؤدي إلى الوفاة إذا ما ألمّت بإحدى الفئات الشديدة الاختطار. وتدوم الفترة التي تفصل بين اكتساب العدوى وظهور المرض، والتي تُعرف بفترة الحضانة، يومين تقريبا. وترى منظمة الصحة العالمية أن التطعيم هو أنجح الوسائل للوقاية من العدوى ، يكتسي التطعيم أهمية خاصة بالنسبة للناس المعرضين ، أكثر من غيرهم ، لمخاطر الإصابة بمضاعفات خطيرة جرّاء الإنفلونزا والأشخاص الذين يعيشون معهم أو يعتنوا بهم.
وتشير المنظمة إلى أن الأدوية المضادة للفيروسات متاحة لعلاج الإنفلونزا، ولكن فيروسات الإنفلونزا يمكن أن تصبح مقاومة للأدوية نظرا لقدرة فيروس الإنفلونزا على التحور كل فترة.
عبء اقتصادي وضياع انتاجية :
ووفقا لمنظمة الصحة العالمية فان نزلات البرد والإنفلونزا من أمراض الشتاء التي تعرف على أنها حالة من انتشار الفيروسات بالجسم نتيجة لضعف مناعة الإنسان، ويزداد نمو الفيروسات بالجسم ويتفاقم مع زيادة ضعف المناعة مما يؤدي إلى إصابة البعض بنزلات البرد المتكررة حتى في فصل الصيف.
وتعتبر منظمة الصحة العالمية الإنفلونزا من المشكلات الصحية العمومية الخطرة التي تتسبّب في حدوث حالات مرضية وخيمة، حيث يمكن أن يتسبب وباء الإنفلونزا في ظهور عبء اقتصادي من خلال ضياع إنتاجية القوى العاملة وتقييد الخدمات الصحية في الشتاء.
تتسم الإنفلونزا الموسمية بارتفاع حرارة الجسم بشكل مفاجئ والإصابة بسعال جاف وصداع وألم في العضلات والمفاصل وغثيان والتهاب الحلق وسيلان الأنف. قد يدوم السعال لمدة أسبوعين أو أكثر، ويُشفى معظم المرضى من الحمى والأعراض الأخرى في غضون أسبوع واحد دون الحاجة إلى عناية طبية.
الصحة ووقاية الاطفال :
في حديثها «للصحافة» قالت مديرة قسم الطوارئ بالانابة الدكتورة ليلى حمد النيل ان فصل الشتاء يشهد الكثير من التغييرات المناخية والسلوكية التي تؤدي إلى زيادة نمو الميكروبات المسببة لعدد من امراض الجهاز التنفسي مثل الزكام وجديري الماء والحصبة الالمانية بالاضافة إلى الاسهالات والنزلات المعوية وتنتقل الامراض مباشرة من الشخص المريض إلى السليم عن طريق الاستنشاق للرذاذ المتطاير المحمل بالميكروب ومعظم امراض فصل الشتاء فيروسية لذا تحرص وزارة الصحة على حملات تطعيم الاطفال ضد امراض الطفولة في مواعيد مقررة وتنصح بالحرص على النظافة الشخصية ونظافة السكن والاكثار من شرب السوائل.
الاكزيما والجرب وجفاف الجلد :
انخفاض درجات الحرارة يؤدي إلى احداث خلل في افراز الدهون بجسم الانسان ما يسهم في احداث جفاف في الجلد ويكون سببا وراء ظهور الامراض الجلدية التي تزاحم امراض الجهاز التنفسي في درجات المرض والاصابات في فصل الشتاء وهذا ما اشارت اليه اختصاصية الأمراض الجلدية الدكتور نهى عوض خيري في حديثها «للصحافة» بازدحام العيادات بمرضى الجرب والاكزيما والذين تزداد احتمالية اصابتهم نتيجة الجفاف، وقالت نهى خيري: لا بد ان يزيد اهتمام مرضى الاكزيما اكثر بالجلد لان الشتاء يزيد من الجفاف وبالتالي يزيد من احتمال الاصابة بالمرض واضافت يتعرض الجلد للتشققات وتتطور الحساسية الجلدية إلى التهابات بكتيرية او فطريات ويتعقد عندها المرض اكثر بالاضافة إلى ان الجفاف يزيد من فرصة ان تنشط الفيروسات اذا ما تأخر العلاج.
وقالت دكتورة نهى ان من اكثر الامراض المنتشرة في فصل الشتاء في السودان مرض الجرب وهو ينتشر بصورة كبيرة وتمتلىء به سجلات عيادات امراض الجلدية ونفت ان يكون المرض مرتبطا بعدم الاهتمام بالنظافة الشخصية موضحة بان غالبية مرضى الجرب الذين يترددون على العيادات هم مصابون بالنوع الذي يصيب الذين يعتنون بنظافتهم الشخصية «النظيفين».
كما اشارت إلى تأثير الشتاء على جفاف شعر الرأس ما يؤدي إلى الاصابة بامراض الشعر وغالبيتها فطريات. اما في حديثها عن نوعية الملابس المفضلة في فصل الشتاء من نواح صحية فقالت: الافضل نوعية الملابس القطنية خاصة للاطفال وان وضعهم في الاصابة يكون اكثر من غيرهم من الاشخاص في المراحل العمرية المتقدمة لانهم يحتاجون إلى عناية خاصة وغالبيتهم يصابون بامراض الالتهابات البكتيرية والفطريات.
اكثر من «75» نوعا من الفيروسات تنشط في فصل الشتاء:
دوما الامراض عند الاطفال تعتمد على تقسيم الفئات العمرية وهي التي تحدد نوع المرض وطريقة الفحص والعلاج والمتابعة، وفي فترة الشتاء تكون غالبية نسبة الاصابة بامراض الجهاز التنفسي في السودان مرتفعة في العاصمة وولاية الجزيرة والولاية الشمالية ناتجة عن هبوب الرياح الشمالية الشرقية وتحرك الاتربة والغبار ما يؤدي إلى تساقط اوراق الاشجار واستعداداتها لفصل الصيف وهي امراض بيئية. بهذا الحديث ابتدر اختصاصي الاطفال بمستشفى السلاح الطبي الدكتور محمد يوسف حديثه «للصحافة» قائلا ان نشاط فيروسات الجهاز التنفسي يكون ضمن مجموعة من فيروسات البرد يتجاوز عددها «75» نوعا من الفيروسات اشهرها «الادينو فايروس» وفايروس «ار .اس . دي» وهي فيروسات الجهاز التنفسي وتكون هذه الفيروسات اكثر انتشارا في فصل الشتاء، ومضى مفصلا ان معظم امراض الجهاز التنفسي تكون ما بين الجهاز التنفسي العلوي المسالك العلوية في «الانف والبلعوم والحنجرة والقصبة الهوائية» او الاجزاء الدنيا في «الشعيبات والشعب الهوائية والحويصلات الهوائية» وهي تقع في الجزء الاسفل من الجهاز التنفسي.
واضاف دكتور يوسف ان الجهاز التنفسي العلوي به جهاز مناعي قوى يعمل على حجز الفايروسات ومنعها من دخول الجهاز التنفسي الاسفل ، ما يؤدي إلى اصابة اجزائه بالاحتقان في الانف والتهاب البلعوم وتورم الغدد اللمفاوية وتشرب الغطاء بالمخاط في سقف الحلق والانف والبلعوم، وهذا التشرب يؤدي إلى الم موضعي وسعال وحمى وربما يؤدي إلى تأثيرات على بقية الجسم في شكل استفراغ واسهال وهو اخطر فايروس يصيب الاطفال. واكثر الفئات عرضة للاصابة بهذا المرض الاطفال الرضع في السنة الاولى وحتى عمر سنة ونصف. اما مرض الشعيبات الهوائية فيكون في الجزء السفلي من الجهاز التنفسي «الازمة» وفي حالة الاصابة بهذا الموضع تحدث صعوبة في التنفس ومن الممكن ان يكون الالتهاب بسيطا إلى متوسط وشديد ويحدث معه سعال مستمر وعلاج الالتهاب البسيط يكون من خلال علاجات احتقان الانف، اما في حالات الالتهاب الشديد والمتوسط فيفضل ان يتم العلاج في المستشفى من خلال مساندة الطفل عن طريق بخار الماء مع اعطاء جرعات من المضاد الحيوي في بعض الحالات واذا تطورت الحالة دون علاج قد تؤدي إلى احدوث ضعف في القلب .
الحساسية والجيوب الانفية :
واضاف اختصاصي الاطفال بمستشفى السلاح الطبي الدكتور محمد يوسف ان من امراض فصل الشتاء امراض قابلية التحسس «الحساسية» التهابات الجيوب الانفية و الازمة والربو الشعبي وهي امراض لها علاقة ببعض الاطفال لهم قابلية للتحسس وهي امراض وراثية تجعلهم اكثر قابلية للمرض دون غيرهم، والقابلية تتحكم فيها مناعة الجسم المسؤولة من تقليل الفيروسات ومنع دخول الاجسام الغريبة.
واكد دكتور يوسف بان مناعة الاطفال تعتمد على نسبة الهيموقلبين في الدم والتي يجب ان تكون في افضل حالاتها اكثر من 12 جراما اي 80% و يتم المحافظة عليها عن طريق التغذية السليمة والمتوازنة لان وصولها الى 11 جراما يجعل الرضيع في خطر الاصابة بالانيميا خاصة اذا كان الطفل ضمن فئة الحساسية والقابلية. والشتاء يجعل الاطفال عرضة للاصابة بالاكزيما وحساسية الجلد وغالبا تكون من المأكولات ونوعية الملابس وهي امراض مرتبطة بجفاف البشرة و اعراض الاكزيما تظهر في شكل تشققات في الوجه واليدين والقدمين وبقية الجسم وقد تكون في الفم او الوجه والشفتين وتحتاج إلى ترطيب الجلد، ويكون علاجها عن طريق مراهم بسيطة جدا اذا كانت الاكزيما خفيفة، واذا استفحلت تتطور إلى التهابات تحتاج حينها إلى علاج اقوى وفترة علاج اطول في حال دخل المرض إلى مرحلته الثانية
وفي صفة وقائية اختتم دكتور يوسف حديثه «للصحافة» بالقول ان التهوية الجيدة في الغرف ضرورية في فصل الشتاء مع الاكثار من تناول السوائل الدافئة مع التركيز على تناول الوجبات التي بها سعرات حرارية عالية والنشويات والسكريات بالاضافة إلى البروتينات مع المحافظة علي غسل اليدين جيدا والعطس على المنديل.
المضادات الحيوية استخدامات مزعجة:
بلا محاذير يفضل الكثيرون اللجوء الى استخدام المضادات الحيوية من الصيدليات بدون ان يعرضوا انفسهم على الاطباء ما يعقد في بعض الاحيان المرض وسبق وحذرت منظمة الصحة العالمية من الاستخدام المفرط والعشوائي للمضادات للحيوية دون وجود حاجة فعلية لها، وأكدت أن أكثر من 90% من أمراض الشتاء، المتعلقة بالزكام والرشح والالتهابات والقصبات الهوائية، ناتجة عن فيروسات، ولا تحتاج إلى مضادات حيوية للعلاج، مشيرة إلى أهمية هذه المضادات في مكافحة العدوى البكتيرية، وأن استخدامها في مكافحة العدوى الفيروسية يشكل فرصة لزيادة مقاومة البكتيريا لها وفقدانها فاعليتها.
اختصاصي طب الاسرة الدكتور علي كمال أحمد علي ابدى في بادرة حديثه الكثير من الاسف من سوء الاستخدام للمضادات الحيوية وإلى العشوائية التي يتم بها صرف المضادات من الصيدليات، وقال في حديثه «للصحافة» ان استعمال المضادات الحيوية يتم بطريقة سيئة جدا ومزعجة إلى درجة ان ثقافة الناس ان كل مرض يتم علاجه عن طريق تناول المضادات الحيوية وبدون الرجوع للطبيب ويتم ذلك بطريقة مزعجة جعلت من الصيدلية بديلا عن زيارة الطبيب ، وقال ان الاصابة بالانفلونزا لا تجعل احدا يفكر في زيارة الطبيب لعلاجها ويكتفي الكثيرون بتناول جرعات المضاد الحيوي ، في حين ان الاصابة بالانفلونزا تكون ناتجة عن فيروس في حين ان المضادات الحيوية خاصة بعلاج امراض البكتريا ، وبدلا من ان تكون فترة حضانة المرض سبعة ايام تستمر إلى اكثر من اسبوعين بسبب ضعف مناعة الجسم ومقاومته للمرض بصورة منفردة.
واوضح ان الادوية جرعات مصنفة بحسب العمر والوزن خاصة بالنسبة للأطفال ، ما يوجب ضرورة تحديد احتياجات الجرعة المناسبة للمريض. وانتقد دكتور كمال الطريقة غير المسؤولة التي يتعامل بها الصيادلة في صرف الادوية، وقال ان الصيدليات اصبح بها مجموعة من المنتسبين للصيدلة من خلال الكورسات التي لا تتعدى فترة دراستها الستة اشهر ومن ثم يعملون على صرف ادوية داخل الصيدليات دون العلم بالجرعة الطبية وكيفية استخدام العقار الطبي وخطورة استخدامه بدون وصفات طبية.