إعادة اكتشاف الإنسان «1-2 »

زوايا : عماد البليك

زوايا : عماد البليك

يشكل المعنى أحد الأسئلة المركزية في حياة الإنسان ودفعها إلى الترقية والنماء، لكن سؤال المعنى في حد ذاته مربك وغير واضح، وما لم يتم تحديد السؤال في حد ذاته فإن البحث عن الإجابة يكون أكثر إرباكاً،من ناحية مبدئية فإن المعنى يتعلق بسؤال عام يمكن تلخيصه في الفكرة التي قال بها الفيلسوف عمانوئيل كانط، ما الإنسان؟
فالبحث عن ذات الإنسان وحيويته هي التي تمكن من قطع المسافة باتجاه الكينونة والمعنى. لكن هذا السؤال فلسفي وغامض ومربك، لهذا يتم تجزئته أو إنزاله إلى حيز الواقع المباشر بمعنى تحويله إلى أسئلة أكثر سهولة متعلقة بالمعاش واليومي والعادي.
غير أن ذلك يتطلب بدرجة أخرى تحرير السؤال «ما الإنسان؟» من ديالكتيك، أي جدل اللغز الكوني العميق لأن هذا مجال آخر وكبير. فالذي نتحدث عنه هنا مرتبط بسياق الحياة الإنسانية في تجليات اليومي وفي الرغبة في معايشة واقعية وفضلي للعالم وليس أن يكون الإنسان أسير الوعي اليومي والعادي والمتوهم.
في ثنايا الحياة الإنسانية يعيش الإنسان دائما أسير المعرفة المكتسبة والمتوارثة ما لم يسع إلى الانعتاق من ذلك، لكن بدرجة كبيرة فإن الإنسان في المجتمع هو كائن مقلد وطبيعته تقوم على السير مع «القطيع»، وقلة هي التي تبتكر الاختلاف في سبيل أن تنشد الأفضل لها وللمجموع، وهذا من المفترض أن يكون قانونا عاما، لكنه لا يحدث لأن ثمة خلل في أنظمة الوعي الجمعي بهذا الموضوع، كما أن هناك عدم وعي كافٍ بأن أساس أو جوهر الترقي البشري يقوم على الأنساق المعرفية، ما أسماه الناس في الإطار الكلاسيكي بالأخلاق، كيف يمكن النهوض بها وتشذيبها بل إعادة إنتاجها وفق مساق العصر والحاجة الحديثة.
فالأخلاق هي مناظيم وعي جرى اختصارها في مجتمعاتنا العالمثالثية في صيغ ذات التصاق كبير بالتابوهات بالبدن وبالصدق والكذب والحرام والحلال، في حين أن المضمون الأسمى للأخلاق هو شيء رفيع ومعقد، إنها القدرة على إدراك العالم والحياة وفهم المسارات والأنماط والطرق أي المفاهيم والنظريات التي تمكنا من أن نعيش بسلام وأن نكتشف أنفسنا وأن نكون فاعلين في محيط عالمنا ابتداء من الذات في محددها الشخصي إلى المجتمع ككلل كنسق كبير وكلي.
إن كثيرا من الاخفاقات والاحباطات التي يعبر بها الكائن منا يوميا، ليست وليدة الأحداث والوقائع إنما هي قدرات الفرد على التكيف وردة الفعل وموضعة ذاته في العالم، وهذا لا يعني أن قانون الحياة في كل الأحوال هو تحت تحكمنا الشخصي أو رؤيتنا للأخلاق والمفاهيم، لكن يعني أن الإنسان أمامه من سبل التحرر على المستوى الشخصي. لكن النظرة التي يجب أن نحكم بها القيمة المطلوبة هي كلية النظرة، بمعنى مجموع ما يمكن أن نحققه كلنا كـ «نحن» يفترض بها أن تعمل على إحداث التحول في فيزيائيات الحياة اليومية وترقيها إلى الأسمى والمنشود في سبيل قيم الكرامة الإنسانية والحريات والمساواة والإخاء.
إن الإنسان كونه يخضع لقانون العادي فهو يسير بجانب الوهم وفي ظله، وهذا ينطبق على مجتمعات بأكملها لا تتوقف لتبصر أنها في معمعة الأوهام تعيش وتتربى وتنمو، لهذا فإنها تعاني الاخفاقات المتواترة والعجز النفسي والرهاب الذي يحولها إلى الشلل التام أو العجز عن تحريك العالم الكلي نحو المثمر، بحيث تصبح الحياة داخل سياق المجموع إلى جحيم أرضي، في الوقت الذي من المفترض فيه أن الحياة الاجتماعية يجب أن تدعو إلى التعايش والسمو ورفعة الذات وترقيها، لأن الإنسان بطبعه يعيش مع الجماعة وليس منعزلاً.